أولًا: إن أول ما يجب أن يكون القارئ على بصيرة منه فيما يتعلق بالحدود والعقوبات في الإِسلام أنها إنما جعلت لتنفذ في مجتمع قائم على أصول الإِسلام وتكون الحياة المدنية والاجتماعة فيه منظمة على ما قرره لها الإِسلام من الأسس والمناهج: ومعنى هذا:
أن الحدود والعقوبات جعلت لتنفذ في مجتمع: لا تخرج فيه النساء متزينات متبرجات في الطرقات، ولا توجد فيه الصور العارية والملاهي المثيرة للعواطف الشهوانية، ولا توجد المثيرات الجنونية التي تدفع الشباب دفعًا إلى الهبوط في مهاوي الرذيلة، ولا يكون فيه الفقر الذي يمنع الشباب من الزواج، وتتوزع فيه الثروة توزيعًا عادلًا، وتتوفر فيه للناس جميع التسهيلات والتيسيرات التي يؤمن معها وقوعهم في الأخطاء وارتكابهم للمحرمات.
ومجتمع هذا شأنه لابد أن تنفذ فيه عقوبات صارمة للمحافظة على ما قد أقيم فيه من نظام متزن لجميع شعب الحياة وليست هذه العقوبات حينئذٍ
[ ٢٦٤ ]
مما ينافي العدالة أو يجافي الرحمة والشفقة بل هي عين العدالة وبروح الرحمة والشفقة (١).
ثانيًا: أن العقوبات في الإِسلام لا تنفذ جزافًا أو اعتباطًا وإنما يبحث بكل دقة في الأسباب الموجبة لارتكاب الناس الجرائم وتتخذ جميع الوسائل المؤدية إلى سقوط العقوبة عنهم: فمن دقة في شروط الشهادة لإثبات الجريمة وتحديد مدة من الزمان لإجراء التحقيق قبل إقامة الحد فإنه عسى أن يتضح خلالها خطأ الشهود في شهادتهم ومن عمل القضاة كل ما في وسعهم لدرء الحدود عن الناس، بعد ذلك لا قبله يقرر الإِسلام العقوبة الرادعة وهو مطمئن إلى عدالتها بالنسبة لشخص لا يدفعه إلى جريمته مبرر معقول.
ثالثًا: أن الشريعة الإِسلامية تمتاز عن الشرائع الأخرى بالمساواة في التطبيق وإذابة الفوارق بين الطبقات فالعقوبات تنفذ على القوي والضعيف والوضيع والشريف بنسبة واحدة بلا وساطة ولا محسوبية وهذا خير شاهد على عدالة الإِسلام (٢).
رابعًا: أن العقوبات لم تشرع للحد من انتشار الفوضى وكبح جماح الشهوات وتأديب المجرمين في الدنيا فحسب بل إن في تشريعها عمقًا أكبر من ذلك وهو الرحمة من الله بعباده وإحسانه إليهم وتطهيره لهم من دنس
_________________
(١) بتصرف من: شبهات حول الإِسلام ص ١٦٤ - طبع الإتحاد الإِسلامي العالمي للمنظمات الطلابية ١٣٩٨ هـ.
(٢) انظر: المساواة: من الأصول العامة للتشريع في الإِسلام، والعدل أساس من أسس التشريع الإِسلامي ص ١٣٩ ص ١٣٣ من كتابنا هذا.
[ ٢٦٥ ]
العقوبة وتوبته عليهم في الآخرة وفي ذلك يقول الرسول - ﷺ -: "من أصاب في الدنيا ذنبًا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عباده ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه) (١).
• • •
_________________
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى عن علي بن أبي طالب - ﵁ - (السنن الكبرى ٨/ ٣٢٨).
[ ٢٦٦ ]