الشورى
من الأسس العظيمة والقيم الأخلاقية في الشريعة الإِسلامية قاعدة الشورى، وهي من أهم قواعد الشريعة الإِسلامية التي نطق بها القرآن الكريم قال -تعالى-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ (٢).
كما أن النبي - ﷺ - على عظيم قدره، ومنزلته وتأييده بوحي السماء كان كثير المشاورة لأصحابه في كثير من الشؤون التي لم ينص عليها في القرآن. وكان ﷺ يعمل بما يظهر له أنه الصواب.
١ - فقد قال لأصحابه يوم بدر: "أشيروا علي أيها الناس" (٣) فأشار عليه الحباب بن المنذر بالنزول على الماء فقبل منه.
_________________
(١) سورة آل عمران: آية ١٥٩.
(٢) سورة الشورى: آية ٣٨.
(٣) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية لِلْقَسْطُلَّاني ١/ ٤١٢.
[ ١٤٧ ]
٢ - وأشار عليه السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة يوم الخندق بترك
مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما (١).
٣ - (كما ثبت أنه - ﷺ - استشار المسلمين قبل أن يخرج لغزوة أحد وأنهم أشاروا عليه بأن يخرج لقتال أعدائهم. وكان من رأيه أن يبقى في المدينة مدافعًا، ولكنه نفذ ما أشاروا عليه به وخرج وانتهى الأمر بمحنة المسلمين، وفي هذا برهان على أن الله - ﷾ - يريد أن تكون سياسة المسلمين قائمة على مبدأ الشورى وأن لا يستبد بها فرد مهما كانت نتيجة المشاورة، فإذا كان النبي - ﷺ - مأمورًا بالشورى وهو الذي يمتاز بكماله العقلي والروحي واتصاله بالوحي الإِلهي فغيره أولى بالأمر بالأخذ بهذا الأساس العظيم) (٢).
قال ابن عطية -﵀- في تفسيره:
(والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ (٣)، وقال النبي - ﷺ -: "ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد" (٤) والشورى بركة، وقد جعل
_________________
(١) البداية والنهاية، لإبن كثير -﵀- ٤/ ١٠٤، ١٠٥، طبع ونشر مكتبة المعارف - بيروت.
(٢) انظر: البداية والنهاية ٤/ ١١، وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ١٥٤، ١٥٥.
(٣) سورة الشورى: آية ٣٨.
(٤) نسبه صاحب فيض القدير إلى الطبراني في الأوسط. (فيض القدير للمناوي) ٥/ ٢٤٤ برقم ٧٨٩٥. وقال الألباني في الجامع الصغير وزيادته موضوع ٥/ ٩٢ حديث رقم ٥٠٥٨، ط المكتب الإِسلامي - بيروت.
[ ١٤٨ ]
عمر بن الخطاب الخلافة وهي أعظم النوازل شورى، وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلَّا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم) اهـ (١).
وأخرج الشافعي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من المصطفى - ﷺ) (٢).
ومعلوم أنه ﷺ لم يكن في حاجة قط إلى مشاورة أحد منهم، لأنه مؤيد بالوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٣) ومسدد من الله -تعالى- في اجتهاده، ولم يكن يجتهد إلَّا فيما لم ينزل عليه فيه وحي وكان اجتهاده واقعًا تحت إقرار الوحي أخرج البيهقي في الشعب عن أنس وابن عباس - ﵄ - لما نزل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال المصطفى - ﷺ -: "أما أن الله ورسوله يغنيان عنها لكن جعلها الله رحمة لأمتي. فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا ومن تركها لم يعدم غيًا". قال ابن حجر: غريب (٤).
وقال الحسن البصري: (ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته من بعده) (٥).
_________________
(١) انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لإبن عطية ٣/ ٣٩٧، ٣٩٨ طبعة أولى ١٤٠٤ هـ الدوحة - قطر تحقيق عبد الله الأنصاري وعبد العال إبراهيم.
(٢) فيض القدير للمناوي ٥/ ٤٤٢ طبعة ثالثة ١٣٩١ هـ، دار المعرفة - بيروت، بيروت - لبنان.
(٣) سورة النجم: الآيتان ٣، ٤.
(٤) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٥/ ٤٤٣.
(٥) الموسوعة في سماحة الإِسلام، للصادق عرجون ١/ ٥٤١.
[ ١٤٩ ]
وقال الحسن أيضًا: (كان والله غنيًا عن المشاورة ولكن أراد أن يستن لهم) (١).
وقال علي - ﵁ -: (الإستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم) (٢).
ولذا (كان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يحض على إقامة الشورى من بعده بما يشعر بوجوبها عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاؤكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاؤكم وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها) (٣).
ففي هذا وعد بالخير والبركة في حياة المسلمين ما داموا متمسكين بالشورى، وفيه وعيد شديد وإنذار بما تلقاه الأمة في حياتها من الشدائد والمحن إذا تخلت عن الشورى الجادة وخضعت للعواطف المائعة واكتفت في أمورها برأي النساء، ورأى غالبهن إلى أفنْ (ضعف) وعزمهن إلى وهن!!
(ومن يقرأ حياة الخلفاء الراشدين - ﵃ - والصالحين من ولاة الأمر في خير قرون الإِسلام يجد أن الشورى كانت ديدنهم في جميع ما
_________________
(١) زاد المسير في علم التفسير لإبن الجوزي ١/ ٤٨٨، طبعة أولى ط المكتب الإِسلامي - دمشق.
(٢) المرجع السابق من زاد المسير ١/ ٤٨٨.
(٣) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. مشكاة المصابيح للتبريزي ٣/ ١٤٧٤، حديث رقم ٥٣٦٨، تحقيق الألباني، طبع المكتب الإِسلامي - الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ بيروت.
[ ١٥٠ ]
يعرض لهم من الحوادث التي لم يكن فيها نص من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ -، سواء أكان ذلك من قبيل سياسة الأمة أم من قبيل التشريع الاستنباطي في الأحكام الشرعية أم كان من قبيل مصالح الحروب وتعيين قوادها وتجهيز الجيوش، ومعاهدات الصلح وتحديد علاقات الأمة بغيرها من الأمم في حالتي الحرب والسلم، وإقامة موازين العدل بين الأفراد والجماعات، إلى غير ذلك مما يشمل كل جانب من جوانب حياة الأمة الإِسلامية) (١).
مهمة الشورى وأهميتها في حياة الأمة:
إن مهمة الشورى هي: (تقليب أوجه الرأي واختيار اتجاه مناسب من الإتجاهات المعروضة .. وهي خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة وتدريبها على تحمل التبعات. وهي الدعامة الأولى التي يقوم عليها نظام الحكم في الإِسلام، فلا يجوز لحاكم ولا لمجتمع أن يلغي الشورى من حياته السياسية، والإجتماعية ولا يحل لسلطان أن يقود الناس رغم أنوفهم إلى ما يكرهون بالتسلط والجبروت كما هو حال كثير من القادة والرؤساء الذين يعميهم التعصب الممقوت والإستبداد بالرأي، فينزلقون إلى الشر ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الهلكة والدمار!!.
ولكن الشورى في الإِسلام ربانية المصدر، فلا يجوز لحاكم أن يعطلها ليبسط سلطان طغيانه على الناس ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ على حين يجوز للحاكم في الدول ذات الدساتير الوضعية أن يعطل الدستور،
_________________
(١) بتصرف من: الموسوعة في سماحة الإِسلام ١/ ٥٤٢، ٥٤٣.
[ ١٥١ ]
ويفرض الأحكام العرفية باسم ضرورات الأمن وضبط النظام ومن ثم يكون التسلط والطغيان) (١).
قاعدة الشورى في الإِسلام:
(ليست الشورى في المجتمع الإِسلامي على غرار الشورى في المجتمات الديمقراطية، فهذه شورى ابتدعها الإِنسان للتشاور في صيغة حكمه نفسه بنفسه، ولكن الشورى في الإِسلام شرعت للتداول بين أصحاب العقول الراجحة من أهل الحل والعقد للتوصل إلى الصورة المثلى في تطبيق حكم الله على البشر كذلك فإن قاعدة الشورى تمثل أجلى مظاهر اليسر والسماحة والتوازن بين الثبات والمرونة في الشريعة الإِسلامية، فإذا كانت الشورى واجبة على المسلمين بمقتضى قوله -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وهذا يمثل عنصر الثبات والدوام، فإن تفصيل النظم الشورية والطرق التي تكون بها - مما يختلف باختلاف الأحوال والزمان والمكان - قد تركت لكل أمة تنظمها حسب الظروف والأحوال، حسبما يتفق ومصلحتها، فيستطيع المسلمون في كل عصر أن ينفذوا ما أمر الله به من الشورى بالصورة التي تناسب حالهم وأوضاعهم، وتلائم موقعهم من التطور، دون تحديد شكل معين أو قيد
_________________
(١) انظر: القول المبين في سيرة سيد المرسلين. د. محمد الطيب النجار ص ١٨٨ مطابع الكيلاني بالقاهرة، وانظر: الإِسلام والحضارة ودور الشباب المسلم ص ٥٧، ٥٨. المجلد الأول، طبعة ثانية - الرياض ١٤٠٥ هـ (أبحاث ووقائع اللقاء الرابع للندوة العالمية للشباب الإِسلامي المنعقد في الرياض من ٢٠ - ٢٧ ربيع الثاني ١٣٩٩ هـ).
[ ١٥٢ ]
يلزمهم بذلك وهذا يمثل عنصر السعة والمرونة واليسر والسماحة والسبيل الأقوم للشورى في الإِسلام) (١).
أهل الشورى:
(إن الشورى التي أوجبها الله -سبحانه- لا يفهم منها أنها لمجموع اْفراد الأمة أو الأكثرية المطلقة فيها وإنما لأهل الحل والعقد قاصرة على علية القوم من ذوي العقول الراجحة والكفاءات العلمية المتخصصة، وهم زعماؤها ورؤساؤها وعلماؤها العالمون بشريعتها ومصالحها السياسية والإجتماعية والقضائية والإِدارية) (٢). دون الغوغائيين وسفلة القوم من محترفي السياسة وتجارها كما هو الحال في البرلمانات ومجالس الشعب في كثير من الدول التي تدين بالاسلام!!
وفي القرآن الكريم تكررت آيات كثيرة تنص على أن الرأي لأهل الفضل والعلم؛ ليس لأكثر الناس على التعميم قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ (٣).
فإذا كانت طاعة الكثرة الجاهلة تضل عن سبيل الله، فليس من الصواب أن تكون لهم المشورة، وإنما ترجع المشورة إلى أهل الرأي والحكمة بدليل
_________________
(١) بتصرف من: الخصائص العامة للإسلام ص ٢٠١ د. يوسف القرضاوي طبع دار غريب للطباعة بمصر الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.
(٢) روح الدين الإِسلامي عفيف طبارة ص ٣٠٣ طبعة ثانية ٢٨/ ١/ ١٣٨٩ هـ، طبع الشركة العامة للطباعة - بيروت.
(٣) سورة الأنعام: آية ١١٦.
[ ١٥٣ ]
قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ (٢).
ويقول الرسول الكريم - ﷺ -: فيما رواه عنه ابن مسعود - ﵁ -: "ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وإياكم وهيشات الأسواق" (٣) (٤).
(فإشارة النبي - ﷺ - بتقديم أولى الأحلام والنهي ليكونوا خلفه في الصلاة ترشيح لهم ليكونوا من أهل الشورى والحل والعقد في المجتمع الإِسلامي، وشتان ما بين شورى تعتمد على السوقة وطغام القوم وسفلتهم، وبين شورى تعتمد على أعيان الفضل وغرر المجد وهامة الشرف والتقوى في المجتمع. نعم هناك أمور تتعلق الحقوق فيها برأي العامة الذين تتصل بهم اتصالًا مباشرًا ولا يحتاج الرأي فيها إلى كبير تدبير، فتكون مشورتهم حينئذ
_________________
(١) سورة النساء: آية ٨٣.
(٢) سورة الزمر: آية ٩.
(٣) هيشات الأسواق: الإختلاط والنزاع والخصومات ورفع الأصوات واللغط والفتن التي فيها. انظر: المنتقى من أخبار المصطفى، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحراني -﵀- ١/ ٦٤٦، حديث رقم ١٤٦٧، تحقيق محمد حامد الفقي، طبع ونشر الرئاسة العامة لإِدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية.
(٤) رواه مسلم في صحيحه ١/ ٣٢٣، حديث رقم ٤٣٢، باب ٢٨ من كتاب الصلاة، رقم ٤.
[ ١٥٤ ]
حقًا من حقوقهم لا يقضي فيها إلَّا إذا أخذ رأيهم بطريقة من طرق تعرف الرأي المتاحة في المجتمع ومثال ذلك ما شرعه النبي - ﷺ - لأمته، لتقتدي به من بعده) (١).
روى البخاري في صحيحه بسنده أن رسول الله - ﷺ - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال رسول الله - ﷺ -: معي من ترون (أي من عامة الناس وخاصتهم) وأحب الحديث إلى أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم وكان أَنْظَرَهم رسولُ الله - ﷺ - بضعَ عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله - ﷺ - غير راد إليهم إحدى الطائفتين قالوا فإنا نختار سبينا فقام رسول الله - ﷺ - في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد: فإن إخوانكم قد جاؤنا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يُطَيِّب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إيا ٥ من أول ما يُفِيُء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قَدْ طَيَّبْنَا ذلك يا رسول الله فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبروه أنهم قد طَيَّبوا وأَذِنوا" (٢).
فقول الرسول ﷺ: "إنا لا ندري -على التفصيل والتعيين - من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" أي بعد التعرف
_________________
(١) انظر: الإِسلام والحضارة ودور الشباب المسلم، أبحاث ووقائع اللقاء الرابع للندوة العالمية للشباب الإِسلامي المنعقدة في الرياض ١٣٩٩ هـ، ص ٥٧، ٥٨، والموسوعة في سماحة الإِسلام ١/ ٥٣٧.
(٢) صحيح البخاري ٥/ ١٠٠، باب ٥٤ من كتاب المغازي، رقم ٦٤.
[ ١٥٥ ]
على رأي كل فرد منكم في حرية وطيب نفس فهذا مسلك يرشدنا إلى أدق ما وصلت إليه السياسة في تعرف رأي العامة فيما يتصل بما يكون للأفراد حق فيه، ويرشدنا كذلك إلى أن سياسة المسلمين مشاركة إيجابية بين الراعي والرعية وتعاون حقيقي فيما بينهم: فالرئيس الأعلى للدولة سلطته محكومة بشريعة الإِسلام في مبادئها العامة وقواعدها الكلية وأحكامها التفصيلية، فإذا وقع من الحوادث ما يتصل بالأفراد في حق من حقوقهم أو واجب من واجباتهم بادر إلى طلب الشورى من أهلها ولزام على الرعية أن يبدوا آراءهم حتى ولو تعارضت مع رأيه فما دام الحاكم مسلمًا تقيًا لا يجد غضاضة أن يسمع المعارضة تأتيه من أي فرد من أفراد الرعية، فيتقبلها بطيب خاطر ويرد عليها بسماحة نفس كما كان من عمر بن الخطاب - ﵁ - حينما اعترضه أحد المعترضين فقال له عمر: "لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها) (١).
فِيمَ تكون الشورى؟
هذا وكما تكون الشورى في أمور السياسة ويستشار فيها أهل الحل والعقد والتجربة والخبرة كذلك تكون في أمور العلم والدين وفي الأمور المتعلقة بالأسرة وغيرها.
• • •
_________________
(١) بتصرف من: الإِسلام والحضارة ودور الشباب المسلم ص ١٣٤.
[ ١٥٦ ]