التكليف بما في الطاقة والوسع وتجنب ما فيه كلفة ومشقة على المكلف
إن الحقيقة التي لا يماري فيها إلَّا شاك معاند أو ذو نفس ضعيفة هيمن عليها الكسل وأقعدها الخمول، فلم تتذوق حلاوة العمل بشريعة الإِسلام هي أن:
التكاليف الشرعية سهلة ميسورة شرعت كلها لتحقيق مصلحة المكلف وجلب النفع له أو دفع الضر عنه، والسمو به نحو الرفعة والكمال، وتهيئته في الحياة الدنيا للحياة الأخرى جاءت منسجمة مع طبيعته وفطرته ومستجيبة لحاجته وقصوره: تضع له المبادئ وتحدد له الحدود وتوجه عقله وسلوكه ليتمكن من أداء وظيفته كاملة شاملة لا يَظْلِمُ ولا يُظْلَمُ ولا يتيه ولا يعثر ولا يضل أو يشقى.
ولهذا صرح العلماء بأن أحكام الله -﷿- معللة بمصالح العباد فالشريعة من حيث هي شريعة جالبة للمصالح، ودارئة للمفاسد، وفي هذا يقول الشاطبي:
[ ١٢٠ ]
(تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها - في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية. الثاني: أن تكون حاجية والثالث: أن تكون تحسينية) (١).
وقد خيل لبعض المستشرقين ومن على شاكلتهم، ممن يكتبون عن الإِسلام بروح التعصب وعقلية المتحامل - أن الشريعة الإِسلامية شريعة جامدة صارمة لا يتسع صدرها لمسايرة التطور، ومواجهة ما يجد من أحداث الزمان ذلك أن أساسها الوحي، ومصدرها الأول النصوص الدينية التي لا يملك المسلم إزاءها إلَّا السمع والطاعة ومعنى هذا في نظرهم - أن التكاليف الشرعية تمثل قيودًا وأغلالًا في عنق الإِنسان، وترهق كاهله وهو يمثل في ظل التزامه بها عبدًا مسترقًا مسلوب الإرادة والإختيار (٢).
والحق أنهم يتكلمون بما لا يعلمون ويهرفون بما لا يعرفون وحملهم على ذلك التحامل والتعصب ومقت الإِسلام وأهله إلى جانب جهلهم بمبادئ الإِسلام وتشريعاته السمحة الندية.
وقد رأينا فيما سبق (٣) مدى يسر الإِسلام وسماحته وتجاوبه مع الفطر المستقيمة وحساسيته المرهفة لأحوال أهله ومسارعته في تقديم ما تزول به مشقتهم وعناؤهم. أضف إلى ذلك أن التكاليف الشرعية - التي يصورونها بأنها قيود وأغلال في رقبة الإِنسان المسلم لا يستطيعِ الفكاك منها - منوط بها
_________________
(١) الموافقات للشاطبي ٢/ ٤.
(٢) وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ٩١، من البحرث المقدمة لمؤتمر الفقه الإِسلامي بجامعة الإمام ١٤٠٤ هـ.
(٣) انظر: ص ٩٧ "مبحث" يسر الشريعة وسماحتها.
[ ١٢١ ]
سعادته، وهو أهل لها وفي تكليفه بها تشريفه وتكريمه، وتوجيهه وتسديده، لتتم له السعادة في الدنيا والآخرة.
ثم إن الأحكام الشرعية التي جاءت بها شريعة الله ليست جميعها تكاليف إلزامية، وإنما جاءت على أشكال متعددة. فمنها ما وضع للبشر ليسيروا على نهجها مع خلوها من الطلب والتكليف، وهي التي تسمى في اصطلاح العلماء الأحكام الوضعية.
ومنها ما تضمن صورًا من الطلب والِإلزام، تختلف درجة الطلب فيها بين الجزم والترغيب والترهيب، وهي التي تعرف في اصطلاح العلماء بالأحكام التكليفية.
ومنها أحكام اختيارية خلت عن الطلب مطلقًا، وترك الخيار فيها للمكلف يفعل ما يشاء وهي التي تمثل دائرة المباح
وإذا ما قارن الناظر بين هذه الأحكام المختلفة وجد دائرة الإختيار والترغيب في الأحكام أوسع بكثير من دائرة الإِلزام أمرًا أو نهيًا، مما يوسع على المكلف ويترك له فسحة واسعة من الإختيار والحرية في الفعل والترك، فيترك بعضها أحيانًا بمطلق إرادته، حيث خيره الشارع فيها. كما يفعل كثيرًا منها رغبة وتطوعًا من نفسه؛ طمعًا في ثواب أو حرصًا على كمال حيث رغبة الشارع في فعلها أو تركها. إذن: فلم يبق بعد ذلك من الإِلزام في الأمر والنهي سوى دائرة ليست من مصلحته أن تترك كغيرها، لحظورتها وأهميتها، خشية أن لا يهتدى بعقله فيها إلى الصواب، فيضل ويشقى فتصبح دائرة التكليف الِإلزامي أضيق دوائر الأحكام الشرعية. وبهذا يتضح لنا بجلاء:
"أن الأحكام الشرعية في حقيقتها توجيه وتشريف أكثر منها قيودًا
[ ١٢٢ ]
وحدودًا، وأن التكاليف الربانية أمر ينسجم مع فطرة الإِنسان ويتلاقى مع مزيته التي خصه الله بها من العقل والفهم. فأي حرج على الإِنسان أن يتقيد بها ويعمل بمقتضاها ما دام يعلم علم اليقين أن في الإلتزام بها سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة وينفض عن يديه غبار تلك الأعراف الفاسدة والتقاليد الزائفة والقوانين البشرية القاصدة ويكون عبدًا خالصًا لله وحده، والله هو الهادي إلى سواء السبيل" (١).
• • •
_________________
(١) بتصرف من: الوسيط في أصول الفقه ١/ ٤٢ د. وهبه الزهيلي طبع جامعة دمشق ١٣٨٥ هـ. وعجلة كلية أصول الدين العدد الأول ١٣٩٧ هـ -١٣٩٨ هـ من ص ٢٥٥ - ٢٧٠، مقال: حرية الإِنسان بين الأحكام الشرعية والدوافع الغريزية. مطابع الإِشعاع بالرياض.
[ ١٢٣ ]