المساواة من الأصول العامة للتشريع في الإِسلام
المساواة هي أساس التفاضل بين البشر:
إن المساواة بين الناس تعد نتيجة حتمية لسيادة العدل بينهم، وهي ليست وليدة اجتهاد فردي، أو نتاج تفكير فلسفي وإنما هي مبدأ أصيل قرره الذي برأ الخلق والكون والحياة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) وهي قيمة وحيدة يرجح بها وزن الناس أو يشيل وهي قيمة سماوية بحته يستمد منها الناس في الأرض قيمهم وموازينهم، ويضربون صفحًا عن القيم الأخرى من نسب وقوة وجاه ومال وغير ذلك من القيم التي يتعاملون بها ويتفاوتون فيما بينهم في الأرض بسببها.
(هذا هو الأساس الذي ولد قبل أربعة عشر قرنًا على يد الإِسلام في بلاد العرب التي كانت تعد أشد الأمم تباهيًا بالأنساب) (٢).
الإِسلام انتشل الناس من وحل التفرقة العنصرية:
فإذا نظرنا إلى ما شرعه الإِسلام من المساواة، لرأينا أنه لم يصل أي تشريع سماوي فضلًا عن وضعي -في مبدأ الحرص على المساواة- إلى ما وصل إليه الإِسلام.
_________________
(١) سورة الحجرات: آية ١٣.
(٢) انظر: الإِسلام والحضارة ودور الشباب المسلم ص ٥٨.
[ ١٦٣ ]
فالأمم قبل الإِسلام وبعده إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي كانت تضع فروقًا عظيمة بين طبقات الأمة، (جاء في موسوعة لاروس: في سنة ١٧٩٨ م كان يوجد عدم مساواة في توزيع المناصب العمومية وعدم رقابة عليها فبذل وزراء لويس السادس عشر جهدهم لِإجراء الِإصلاحات التي تتطلبها الأمة فلم ينجحوا ضد المقاومة العنيفة لرجال الدين والنبلاء، فرأت الأمة أنه لا يجدي في هذا الأمر غير ثورة تضع مكان جماعة قائمة على اعتبار الإمتيازات جماعة أخرى يسودها قانون المساواة بين الجميع. وبعض الأديان تقر نظام الطبقية كالديانة البراهمية التي تقسم الأمة إلى طوائف أربع ويجعل على هذه الطبقات البراهمة أو الكهنة وأدناها السفلة والبرهمي يجب احترامه بسبب نسبه وحده وأحكامه هي وحدها الحجة وله يد -حين الحاجة- أن يمتلك مال الواحد من السفلة؛ لأن العبد وما ملكت يده لسيده وكان محرمًا على هذه الطبقة المنكودة أن يتصل أحدهم بشيء من الدين أو العلم وإلَّا حل به عذاب غليظ: مثل صب الرصاص المصهور في أذنيه وشق لسانه وتقطيع جسمه. واليهود الذين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه دون غيرهم - ساء ما يفترون - فرقوا في تشريعاتهم بين اليهود وغيرهم فحرموا الرب بشدة بينهم وجعلوه تجارتهم الرابحة الحلال بالنسبة لمن لم يكن منهم والأمم الديموقراطية التي تدعي -كذبًا- أن العالم الإِنساني مدين لها بمبادئ المساواة لا تزال في قوانينها وسياستها تأتي بما يخالف هذا المبدأ كما في بعض الولايات الأمريكية وجنوب أفريقيا وكثير من المناطق الخاضعة للإستعمار الأوروبي توجد الفوارق بين الطبقات والتفرقة العنصرية بينهم ويتجرد السُّود هناك من أبسط الحقوق الِإنسانيَّة) (١).
_________________
(١) انظر: روح الدين الإِسلامي ص ٢٨٧، ٢٨٨ لعفيف عبد الفتاح طبَّارة.
[ ١٦٤ ]
(بَيْدَ أن الإِسلام بِمُثُلِه العليا لا يقيم لهذه القيم الهزيلة وزنا ولا يهتم بهذه النعرات السخيفة والاعتبارات الصغيرة الواهية إنه يجعل مقياس التفاضل وميزان العدل الذي توزن به جميع الأعمال والقيم ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ بغض النظر عن جميع الملابسات والإعتبارات والقيم الأخرى. فالأكرم عند الله هو الذي يستحق الرعاية والإهتمام ولو تجرد من كل المقومات والإعتبارات الأخرى التي يتعارف عليها الناس من النسب والجاه والقوة والمال إلخ.
وسائر القيم الأخرى لا وزن لها حين تتعرى عن الإيمان والتقوى. والحالة الوحيدة التي يصح لها فيها وزن واعتبار هي حالة ما إذا أنفقت لحساب الإيمان والتقوى!!) (١).
التقوى مقياس التفاضل في الإِسلام:
نعم: (لقد قرر الإِسلام -باعتباره التقوى مقياسًا للتفاضل بين البشر- أبرع صورة للمساواة بينهم، وأمتن دعامة للإِخاء والمودة وهذا كله يدل دلالة قاطعة على مزيد شرف النوع الِإنساني وإظهار فضيلة اصطفائه لخلافة الله في الأرض، فالِإنسان -كل الإِنسان- مطالب أولًا بأن يفرد الله بالعبادة، ومن طريق هذه العبودية لله الواحد القهار له حقوق وعليه واجبات، فله أن يحيا حياة إنسانية كريمة في هذه الحياة ويعيش فيها عيشة محترمة آمنا على نفسه وماله وعرضه وعليه واجبات تقابل ما له من حقوق قررتها الشريعة الإِسلامية
_________________
(١) سيد قطب في ظلال القرآن ٦/ ٣٨٢.
[ ١٦٥ ]
تحقيقًا للتكافل الأخوي فعليه أن يؤدي ما عليه للمجتمع الذي يعيش فيه وللحياة التي يحياها مع الناس والأشياء.
عناية القرآن الكريم بمبدأ المساواة:
هذا: وقد عني القرآن الكريم بإبراز مبدأ المساواة بين أبناء الإِنسانية عامة على نسق يوقظ الشعور الِإنساني ويهزه هزًا إلى التعاطف الأخوي الإِنساني ووشائج الترابط النسبي بين كافة أفراد الإِنسان في شتى الأزمنة والأوطان قال -تعالى-: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ (١) الآية.
وقال -تعالى-: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ (٢).
وهذا يشمل كل إنسان في الوجود لا يخص فردًا دون فرد ولا أمة دون أمة ولا طبقة دون طبقة فالناس في الواقع سواسية في حقيقة الإِنسانية ولا يقع التفاوت بينهم إلَّا بسبب الإنحراف عن هذه الحقيقة التي تجمعهم.
التطبيق العملي لمبدأ المساواة الإِنسانية:
كان أول تطبيق عملي لحقيقة هذه الآية الكريمة في ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الوجود الِإنساني هو ما صنعه في الإِسلام محمد بن عبد الله - ﷺ - الأنموذج الِإنساني الأعلى في حجة الوداع: (يا أيها الناس: أَلاَ إن ربكم
_________________
(١) سورة المائدة: آية ٣٢.
(٢) سورة النساء: الآيتان ١٢٣، ١٢٤.
[ ١٦٦ ]
واحد. وإن أباكم واحد. أَلاَ لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلَّا بالتقوى، أَبَلَّغْتْ؟ قالوا: بلغ رسول الله - ﷺ -) (١).
وجعل - ﷺ - نفسه الكريمة وأقرب الناس إليه مثلًا أعلى لتطبيق دعامة المساواة الإِنسانية تطبيقًا عمليًا، ليبين عن معقد الفضل بالعمل الصالح، ليتنافس فيه المتنافسون؟ (فقد زوج مولاه زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش ثم تزوجها - ﷺ - بعد أن طلقها زيد، ليكون ذلك أساسًا لتشريع المساواة فى أعلى ذروتها وأفضل صورها، وليقتلع به جذور الجاهلية من أصلها) (٢).
وذلك ليذهب الفوارق الطارئة على حقيقة الإِنسانية ولم يُبْقِ إلَّا على ميزة العمل الصالح يقوم به المسلم فيسدي إلى مجتمعه الذي يعيش فيه خيرًا وبرًا وإصلاحا. جاعلًا هذه الميزة هي مناط التفاضل والكفاءة نحو الأنساب والمصاهرة (٣).
ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي، وتحدثوا عن العربية والفارسية بحكم إيحاءات القوم الضيقة ضرب رسول الله - ﷺ - ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال: "سلمان منا أهل البيت" (٤).
فتجاوز - ﷺ -: كل آفاق النسب الذي يعتزون به، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها وجعله من أهل البيت رأسًا (٥).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد -﵀- ٥/ ٤١١.
(٢) انظر: المستدرك على الصحيحين ٤/ ٢٤، للحافظ الحاكم النيسابوري.
(٣) انظر: موسوعة سماحة الإِسلام لمحمد الصادق عرجون ١/ ٢٠٧.
(٤) المستدرك على الصحيحين ٣/ ٥٩٨.
(٥) انظر: في ظلال القرآن للسيد قطب ٦/ ٣٨٢٧.
[ ١٦٧ ]
وقد سار المسلمون على سيرة نبيهم، فعاشروا غيرهم من أهل الملل والنحل الأخرى بصفاء ووئام، والدين أقوى حاكم على شعورهم، فلم يشاهد منهم ما يعابون عليه، ولم يفرقوا في مكارم الأخلاق وحقوق الإجتماع بين مسلم وغير مسلم ولم يمنعوا غير المسلم أن يقاضي أرفع رأس في المسلمين، وينتصف منه.
وعلى سبيل المثال لا الحصر:
يطالعنا التاريخ الإِسلامي: (أن ابن عمرو بن العاص والي مصر في زمن الخليفة العادل عمر بن الخطاب لطم قبطيًا، لأنه سابقه فسبقه، فاشتكى القبطي عند الخليفة عمر - ﵁ -، فأرسل عمر إلى عمرو بن العاص وابنه فلما حضرا أحضر الخليفةُ القبطيَّ وقال له: أهذا الذي ضربك؟ قال نعم. قال: اضربه فأخذ يضربه حتى اشتفى له ثم قال له عمر: زد ابن الأكرمين!! ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال له: "منذ كم يا عمرو استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!! " (١).
فهذا لون من العدالة الإِنسانية لا يعرفه الناس في غير الإِسلام، لأنه قائم على احترام الإِنسان -أي إنسان - بِغَضِّ النظر عن جنسه ولونه بل وعقيدته أيضًا، وهذا السمو الذي تحلى به الإِسلام يزداد ظهورًا إذا قورن بما يجري بين الأمم اليوم من المعاملات التي تنافي الكرامة الإِنسانية بعد أن طغت الجاهلية، وأصبح الإِنسان كله لا يساوي شيئًا في المذهب المادي المسيطر في روسيا زعيمة الدول الشرقية، ولا يقوم له وزن إلَّا برصيده من الدولارات في أمريكا زعيمة الدول الغربية!! وغيرهما من الدول التي لم تهتد
_________________
(١) انظر: روح الدين الإِسلامي لطبَّارة ص ٢٧٧.
[ ١٦٨ ]
بهدي الإِسلام وتعاني ولا تزال تعاني من مشكلة الطبقات ومعضلة الملونين!! ولكن الإِسلام جاء بالمساواة الصحيحة المستقيمة التي روحها العدل والرحمة والتكافل في الحقوق:
فقد ساوى بين طبقات الخلق في العدل في كل شيء ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (١)، وساوى بين طبقات العباد في الحقوق والواجبات تبعًا لقدرتهم واستطاعتهم. قال -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢).
وقال -تعالى-: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٣).
وقال -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤).
وقال -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٥).
وساوى بينهم في وجوب إيتاء الحق الذي عليهم وفي إيصال الحق إليهم. قال -تعالى-: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) ﴾ (٦) الآية.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كانت له مظلمةٌ لأحد من عِرْضِه أو شيء فلْيتحلَّلْه منه اليوم قبل أن لا يكون
_________________
(١) سورة النحل: آية ٩٠.
(٢) سورة التغابن: آية ١٦.
(٣) سورة الطلاق: آية ٧.
(٤) سورة البقرة: آية ٢٨٦.
(٥) سورة الطلاق: آية ٧.
(٦) سورة البقرة: آية ٢٧٩.
[ ١٦٩ ]
دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرح عليه" (١).
كما ساوى الإِسلام بين المسلمين في إيجاب العبادات وتحريم المحرمات ساوى بينهم في الفضل والثواب بحسب أعمالهم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (٢).
وكما ساوى بينهم في العبادات: ساوى بينهم في المعاملات العوضية والتبرعات، والإحسان، وجعل الرضا شرطًا لصحة العقود ونفاذها، وأن من أكره على شيء منها لا ينفذ له معاملة، ولا يستقيم له تبرع ..
والخلاصة أن: الإِسلام ساوى بين الناس في كل حق ديني أو فى نيوي ولم يجعل لأحد على أحد ميزة في شيء؛ إلَّا بما قدم وبهذا يعرف كمال حكمة الله وشمول رحمته وحسن أحكامه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾) (٣) (٤).
• • •
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ٩٩، كتاب المظالم - باب ١٠.
(٢) سورة النحل: آية ٩٧.
(٣) سورة المائدة: آية ٥٠.
(٤) روح الدين الإِسلامي لطبارة ص ٢١٠، ٢٨٩.
[ ١٧٠ ]