أقليات إسلامية في أمة كافرة
إن الأقليات المسلمة في شتى بقاع الأرض هم جزء منا بحكم أخوة الإِسلام فلهم حق المعاونة والمعاضدة وعلينا مناصرة المستضعفين والمضطهدين منهم بكل ما نستطيع من قوة، ولو أدى ذلك إلى حمل السلاح لإنقاذهم من طغيان الكفرة، وعدوان الفجرة استجابة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ (١) (٢).
ولا ريب أن هذه الأقليات المسلمة سواء كانت في آسيا أو في أفريقيا أو في أوروبا والأمريكتين وأستراليا تعتبر مكاسب حقيقية للمسلمين ونصرًا لهم.
إذ بوسع هؤلاء بحسن فهمهم للإسلام وتطبيقهم عمليًا لعباداته وتشريعاته وآدابه - أن يحملوا غير المسلمين هناك على الدخول في الإِسلام ومن يدري فقد تكون لهم الغلبة يومًا يعيدون فيه مجد آبائهم فيسيرون دفة الحكم وينشرون لواء العدل والرحمة بين الناس هناك.
_________________
(١) سورة النساء: آية ٧٥.
(٢) انظر: الحل الإِسلامي ليوسف القرضاوي ص ٦٤.
[ ٣٣٨ ]
ولكن ما السبيل إلى ذلك؟ وكيف نعمل -نحن المسلمين- على تنمية هذه الأقليات المسلمة وتطويرها؟ وما هو واجبنا تجاهها لكي تمثل الإِسلام الصحيح وتقيم أحكام الله بينها؟ ثم ما هو واجبهم هم أنفسهم تجاه إسلامهم لكي يحققوا هذه الغاية النبيلة؟ من هذه التساؤلات يتضح أن نجاح الدعوة للإسلام وتطبيقه بين هذه الأقليات يتوقف على عاملين هامين هما:
العامل الأول: أن تعي هذه الأقليات حقيقة الإِسلام وتتمثله في نفسها.
والعامل الثاني: واجب الشعوب الإِسلامية نحوها.
فأما العامل الأول: أن تكون هذه الأقليات على بينة من فهم الإِسلام نصًّا وروحًا مطبقين لآدابه السلوكية وأخلاقه العملية، وسماحته في مبادئه وتشريعاته وعدالة أحكامه، وتراحم أهله وتعاونهم على البر والتقوى، وعلى كل مسلم هناك أن يتمثل الإِسلام في نفسه وبيته وأسرته ومحيطه الذي يعيش فيه ويكون صورة صادقة للمسلم الحق.
كما يجب تنمية قدرات وطاقات المسلمين المتنوعة هناك كالأطباء والمهندسين والفنيين وغيرهم لنشر الدعوة بعد تأهيلهم في مجال تنمية المسلمين وإرشادهم وترسيخ عقيدتهم وتصحيح مفاهيم الإِسلام لديهم وخاصّةً في الأقليات الموجودة في آسيا وأفريقيا.
كما يجب تخير الأساليب المناسبة وهو أمر ضروري في الدعوة إلى الإِسلام هناك:
الأول: الأسلوب الدفاعي: عندما تناقش البدع والضلالات والتشويه الذي أصاب فهم الناس للإسلام هناك نتيجة الجهل بحقائق الإِسلام.
الثاني: الأسلوب الاقناعي التأثيري ويكون بعرض رسالة الإِسلام
[ ٣٣٩ ]
على حقيقتها، وعلى الداعية في هذا المضمار أن يستخدم حصافته وصبره وجميع إمكانياته بشكل متواصل لإقناع الناس برسالة الإِسلام. وأن يدرك جيدًا أن الإِسلام تنافسه حركات فكرية ودينية هناك. كما يجب وضع أساليب مناسبة لنشر دعوة الإِسلام بين النساء المسلمات ومنحهن فهمًا صحيحًا للإسلام بطريقة منظمة ومدروسة ليقمن بدورهن في تربية أولادهن وإعدادهم إعدادًا صحيحًا.
وأما العامل الثاني: وهو واجب الشعوب الإِسلامية نحو هذه الأقليات:
وهو واجب ضخم تضطلع به كل دولة مسلمة بل كل فرد مسلم في العالم الإِسلامي من مساعدات مادية ومعنوية كل قدر استطاعته لتحسين أوضاع المسلمين وتمكينهم من الوقوف في وجه دعاة الكفر والضلال هناك ويتمثل ذلك فيما يأتي:
أولًا: مناشدة الدول الإِسلامية العمل على رعاية أبناء الأقليات المسلمة ومساعدتهم على الحفاظ على دينهم وعقيدتهم وتعلم اللغة العربية الفصحى وتوفير الرعاية الصحية والتعليمية لهم لسد ثغرة تسربهم إلى المؤسسات التبشيرية، وكذا حث وزارات التربية والتعليم والهيئات العلمية في الدول الإِسلامية على زيادة المنح الدراسية للعاملين في منظمات العمل الإِسلامي والدارسين في معاهد وجامعات تلك الدول، ودعم أنشطة التأليف والترجمة ونشر الكتب التي تهتم بالشريعة الإِسلامية.
ويحسن أن نشير هنا إلى ما قامت به جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية وغيرها من جامعات المملكة العربية السعودية من دور رائد في هذا المجال حيث اهتمت الجامعة بتعليم اللغة العربية لأبناء المسلمين غير الناطقين بها والوافدين للإلتحاق بالجامعة، ليتمكنوا من مواصلة دراساتهم
[ ٣٤٠ ]
بالجامعة وليكونوا بعد تخرجهم دعاة مؤهلين وعلى وعي ومعرفة بلغة القرآن الكريم. وقد أنشأت الجامعة لذلك ثلاثة معاهد لتعليم اللغة العربية بكل من (الرياض- وأندونيسيا - واليابان).
وفي مجال تدعيم مراكز المبحث العلمي والمعاهد والمؤسسات التعليمية للأقليات المسلمة في الدول الأجنبية أنشات الجامعة:
"معهد العلوم الإِسلامية والعربية بموريتانيا سنة ١٣٩٩ هـ، ومعهد العلوم الإِسلامية والعربية بأندونيسيا ١٤٠٠ هـ، ومعهد العلوم الإِسلامية والعربية في واشنطن بامريكا، والمعهد الإِسلامي في جيبوتي ١٤٠٢ هـ، والمعهد العربي الإِسلامي بطوكيو باليابان ١٤٠٢ هـ، وتدعم الجامعة هذه المعاهد ماليًا وتمدها بما تحتاجه من المدرسين والموجهين كل عام وتشرف إشرافًا تامًا على جميع الأنشطة التي تقوم بها هذه المؤسسات العلمية في مجال الدعوة وغيرها.
وقد حققت هذه المعاهد أهدافها وتزايد الإقبال عليها في كل عام عن الذي قبله ووثَّقت هذه المعاهد روابط الأُخوة الإِسلامية بين شعوب البلاد التي تقع بها وشعب المملكة وساعدت على نشر اللغة العربية والتعريف بالإسلام وبحضارة الإِسلام وثقافته إلى جانب قيامها سنويًا بتخريج أعداد كبيرة من الدعاة وتدريبهم على متطلبات الدعوة الإِسلامية كما تقوم الجامعة -وفق الله القائمين عليها- بدعم أنشطة التأليف والترجمة ونشر الكتب التي تهتم بالشريعة الإِسلامية وتغرس القيم الإِسلامية في نفوس المسلمين هناك وتبرز محاسن الإِسلام وتشريعاته السمحة لهم. وتضطلع بهذا الواجب عمادة شؤون المكتبات حيث تقوم بتزويد مكتبات معاهد الجامعة في
[ ٣٤١ ]
الخارج بالكتب والمراجع والدوريات وقد بلغت مقتنيات مكتبات المعاهد في الخارج أكثر من "٤٨٧٣٨" ثمانية وأربعين ألفًا وسبعمائة وثمانية وثلاثين كتابًا إسلاميًا. وإننا نأمل المزيد والمزيد من إنشاء مثل هذه المعاهد والمراكز الإِسلامية وإمدادها بالكفاءات المتخصصة والأموال والتسهيلات لنجاح عملها حتى تقوى على صد مؤسسات التبشير والغزو الفكري ودعاة الضلال والإلحاد هناك" (١).
ثانيًا: كما نناشد الدول الإِسلامية والعربية مساندة المهتمين بالدعوة الإِسلامية في الدول الكافرة سواء أكانوا حكومات أم هيئات أم أفرادًا وتوفير الوسائل المادية والمعنوية لهم، وتزويدهم بالخطط والوسائل اللازمة لكشف خطط أعداء الإِسلام ومقاومتها وإنشاء مراكز إسلامية خاصة لأبحاث الدعوة وأخرى للإعلام والاتصالات وإعداد البرامج التعليمية الخاصة بتعليم المسلمين الجدد، وشرح الإِسلام لهم شرحًا وافيًا. وتطوير البرامج الإذاعية الموجهة إلى الأقليات الإِسلامية في العالم واشتمالها على الدعوة إلى الإِسلام وتطبيق أحكام الشريعة الإِسلامية.
ولا يفوتنا أن المملكة العربية السعودية بما أفاء الله عليها من إمكانات وموارد خير: تقوم بدور رائد وبنَّاء في ميدان الدعوة الإِسلامية فهي تنفق الكثير والكثير سعيًا منها وإسهامًا في مساعدة الأقليات الإِسلامية بل وكل مسلم في كل بقعة من بقاع الأرض. وقصدها من وراء ذلك تبصير المسلمين وتوعيتهم وتنبيههم إلى ما يجب أن يقوموا به من مهام لصد الهجمات الشرسة التي يقوم بها أعداء الإِسلام من شيوعية ونصرانية
_________________
(١) انظر: دليل القبول بالجامعة "جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية" للعام الجامعي ١٤٠٣/ ١٤٠٤ هـ ومن قضايا الفكر الإِسلامي المعاصر ص ٤٢٣، ٤٢٤.
[ ٣٤٢ ]
وإلحادية مكثفة، فتتعاون الجهات المعنية فيما بينها للقيام بهذا الواجب العظيم .. وعلى رأس هذه الجهات وزارة الشؤون الإِسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وممثليها الرئيسيين) في القارات الخمس "آسيا وأفريقيا وأروبا والأمريكتين وأستراليا"، ومندوبيها للدعوة في المناطق الفرعية بهذه القارات.
كما تقوم الوزارة أيضًا بإعداد البرامج العامة للدعوة والمتابعة وتدريب الدعاة وفتح المكاتب لمتابعة أعمالهم في الخارج ورعايتهم وتطوير قدراتهم وتقديم أعمالهم في القارات الخمس.
كما تقوم المملكة بتوجيه ودعم سخي من رائد نهضتها وحامي حوزتها خادم الحرمين الشريفين -أعزه الله بطاعته- بطباعة ملايين النسخ من المصحف الشريف عبر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة ويتم توزيعها على المسلمين في شتى بقاع الأرض كما تقوم المملكة بطبع ونشر وترجمة كثير من الكتب الإِسلامية والعربية وتوزيعها على الأقطار الإِسلامية وغيرها من الأقطار التي توجد بها أقليات مسلمة.
وهذه لمحة سريعة عما تقوم به تلك الهيئات العلمية العريقة وإلَّا فمن الصعب في هذه العجالة حصر كل الأعمال الجليلة التي تقدمها -وفقها الله-.
كما تتعاون الجامعات السعودية ومؤسسات التعليم الإِسلامي ومنظمة المؤتمر الإِسلامي ورابطة العالم الإِسلامي والندوة العالمية للشباب الإِسلامي وصندوق التضامن الإِسلامي وصندوق منح الملك فيصل الخيري والبنك الإِسلامي للتنمية بجدة والهيئات والوزارات المختلفة كل فيما
[ ٣٤٣ ]
يخصه يقوم بدور بارز وبنَّاء في خدمة الإِسلام وتقديم العون للمسلمين في شتى بقاع الأرض ماديًا ومعنويًا. جزى الله القائمين على هذه الجهات خيرًا ووفقهم لتقديم المزيد والمزيد قيامًا بالواجب واحتسابًا للأجر والثواب إنه نعم المجيب، هذا: ولا ننسى الدور الطيب والجهود المباركة التي تقوم بها المؤسسات الخاصة والمحسنين بالمملكة وغيرها لدعم المراكز الإِسلامية والمساجد والمدارس والمعاهد وبيوت الشباب المسلم ودور النشر والمجلات والمطابع ومراكز الإعلام بكل ما من شأنه خدمة الإِسلام والمسلمين. وفق الله المسلمين في كل بقاع الأرض لما يحبه ويرضاه ويسر لهم العمل بشريعة ربهم وخالقهم.
والحمد لله بدءًا ومنتهًى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
يقول مؤلفه كما قال الأصفهاني -﵀-:
لقد أتممته حمدًا لربي على ما قد أعان على الكتاب
لَيَدْعُو الله بعدي من رآه بمغفرةٍ وإجزالِ الثوابِ
فقد أيقنت أنَّ الكُتْبَ تبقى وتبلى صورتي تحت الترابِ
[ ٣٤٤ ]