ما ثبت من مشروعية الرخص
وهو أمر مقطوع به ومعلوم من الدين بالضرورة
(إن تشريع الرخص في الإِسلام نمط يدل قطعًا على التزام مبدأ السماحة واليسر في المطالبة بالأحكام الشرعية، والرخص هي الأحكام التي شرعها الله -تعالى-، مراعي فيها أعذار الناس، وسد حاجاتهم مع بقاء السبب الموجب للحكم الأصلي، كرخص السفر والفطر والقصر والجمع وتناول المحرمات عند الإضطرار، والحاجة إلى ثمن المنتجات قبل إدراكها ونضجها وإباحة ترك صلاة الجمعة لمرض أو مطر أو نحوهما) (١).
ومن هنا جاءت القاعدة الأساسية الجليلة التي أجمعت عليها كل كتب القواعد الفقهية وهي "المشقة تجلب التيسير" (٢).
_________________
(١) انظر: الموافقات للشاطبي ١/ ٢٠٥ طبعة المدني بالقاهرة ١٣٦٩ هـ والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٧١، ٧٢، تأليف ابن بدران، مطابع دمشق ١٣٣٨ هـ.
(٢) الأشباه والنظائر للحافظ جلال الدين السيوطي ص ٣٧ طبع دار الكتب العلمية - لبنان ١٣٩٩ هـ.
[ ١١٠ ]
وبناء على هذه القاعدة: شرعت الرخص والتخفيفات الكثيرة في الفرائض الإِسلامية وتعددت في أبواب الطهارة والصلاة والصيام والحج وغيرها، وجاءت الإستثناءات في باب المحرمات مراعية ظروف البشر في الضرورات التي تنزل بهم وتثقل كواهلهم وبذلك تقررت القاعدة الشرعية الشهيرة "الضرورات تبيح المحظورات" (١).
والأصل في هذا ما جاء في كتاب الله -تعالى- بعد ذكر الأطعمة المحرمة حيث استثنى حال الضرورة والمخمصة في مواضع متعددة من القرآن الكريم منها:
١ - قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (٢).
٢ - وقال -تعالى-: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
٣ - وقال -تعالى-: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ (٤).
٤ - وقال -تعالى-: (﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا
_________________
(١) الأشباه والنظائر ص ٤٣، ٤٦.
(٢) سورة البقرة: آية ١٧٣.
(٣) سورة المائدة: آية ٣.
(٤) سورة الأنعام: آية ١١٩.
[ ١١١ ]
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ (١).
والموضعان الأولان في سورتي البقرة والمائدة مدنيتان والموضعان الآخران في سورتي الأنعام والنحل مكيتان.
نعم: (إن الإِسلام يحسب حساب الضرورات فيبيح عندها المحظورات، ويحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات، بغير تجاوز لها ولا تعد لحدودها، فمن خاف على نفسه الموت أو المرض، من الجوع والظمأ فلا عليه أن يتناول من هذه المحرمات بقدر ما يدفع الضرر: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ الآية.
وقد تضمنت الآيات السابقة استثناء حالة الضرورة حفاظًا على النفس من الهلاك والاستثناء من التحريم إباحة، قال أبو بكر الجصاص: (قد ذكر الله -تعالى- الضرورة في هذه الآيات وأطلق الِإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة وهو قوله -تعالى-: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ فاقتضى ذلك وجود الِإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها) (٢).
وكما أبيح الأكل من الميتة حال الضرورة والمخمصة أبيح الفعل المحرم عند الضرورة والحاجة ومثاله التلفظ بالكفر عند الإِكراه عليه بالقتل أو بقطع بعض الأعضاء، مع اطمئنان القلب بالأيمان بدليل قوله -تعالى-:
_________________
(١) سورة النحل: آية ١١٥.
(٢) أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص ١/ ١٥٦، طبع دار المصحف بمصر تحقيق: محمد الصادق قمحاوي.
[ ١١٢ ]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ (١) الآية) (٢).
ومن الرخص والتخفيفات التي تزخر بها الشريعة الغراء إباحة ترك الواجب إذا كان فعله مشقة تلحق المكلف كإباحة الفطر في رمضان للمسافر والمريض، قال -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ (٣).
إن الناس متفاوتون في قدراتهم ومختلفون في أحوالهم من حيث القوة والضعف والإِقامة والسفر والصحة والمرض، لذا فإن الإِسلام يعطي هذه الناحية اهتمامًا كبيرًا فيبحثها ويقومها في منهاج تشريعه، ويعطي لكل حالة ما يناسبها ويضفي عليها من اليسر والسهولة وما يبعد الضيق عنها، فقد أرخص للمسافر بأن يفطر في رمضان على أن يصوم الأيام التي أفطرها في أيام أخر حينما يرجع إلى بلده ويشعر بالراحة بين أهله، وليس حظ المريض من عناية الله ويسره بأقل من حظ المسافر بل رخص له في الفطر أيام مرضه فإِذا شفى - بإذن الله - قضى الأيام التي أفطرها متتابعة أو متفرقة كيفما شاء وهذا يشعر بالحساسية المتكاملة بتفقد الإِسلام لأحوال أهله والحنو عليهم بتخفيف شرائعه) (٤).
_________________
(١) سورة النحل: آية ١٠٦.
(٢) نظرية الضرورة الشرعية مقارنة مع القانون الوضعي، د. وهبة الزحيلي ص ٢٠٩، طبعة ثالثة ١٤٠٢ هـ، مؤمسسة الرسالة، لبنان.
(٣) سورة البقرة: آية ١٨٤.
(٤) بتصرف من: صور من سماحة الإِسلام، د. عبد العزيز الربيعة ص ٦٢، ٦٥.
[ ١١٣ ]
ومن الرخص والتيسيرات في باب العبادات أيضًا: قصر الصلاة الرباعية في السفر. قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ (١).
وروى البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ - قالت: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) (٢).
وروى مسلم في صحيحه: عن ابن عباس - ﵄ - قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة) (٣).
وسواء أمن الخوف من العدو أو لم يأمن، فقد روى مسلم عن يعلى ابن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه؛ فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته" (٤).
وسواء أطالت المدة أم قصرت، فقد روى أبو داود في سننه عن جابر - ﵄ - قال: (أقام النبي - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) (٥).
_________________
(١) سورة النساء: آية ١٠١.
(٢) صحيح البخاري ١/ ٩٣ - باب كتاب الصلاة.
(٣) صحيح مسلم ١/ ٤٧٨ - باب كتاب ٦، حديث رقم ٦٨٧.
(٤) صحيح مسلم ١/ ٤٧٨ - باب ١، كتاب ٦، حديث رقم ٦٨٦.
(٥) سنن أبي داود ٢/ ٢٧، حديث رقم ١٢٣٥، باب ٢٨٠ من كتاب الصلاة.
[ ١١٤ ]
وكما شرع الإِسلام هذه التسهيلات في الصلاة الرباعية رفقًا بالمسافر وتخفيفًا عنه من العناء الذي تفرضه طبيعة السفر شرع رفقًا آخر لا يقل عما تقدمه، ذلك هو ما رخص به من الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير، ليرفع بهذه الرخصة ما قد يدخل عليه من المشقة، فقد روى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا) (١).
وروى مسلم أيضًا عن أنس - ﵁ - كان النبي - ﷺ -: "إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق" (٢).
ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن الإِسلام لم يكد يترك مرحلة من المراحل التي تمر بها هذه العبادة إلَّا وقد حباها بنوع من السهولة واليسر.
وصورة أخرى من صور اليسر والسهولة والسماحة ورفع الحرج والمشقة وهي أن الإِسلام راعى ما يعرض للإِنسان من ظروف وملابسات تجعل قيامه بالتكاليف الشرعية - مع يسرها وسهولتها -شاقًا وصعبًا عليه كالمرض ونحوه- فشرع له أحكامًا تتناسب وحاله تخفيفًا وتيسيرًا عليه.
وقد تقدم أن الإِسلام أباح للمريض الفطر في رمضان حتى يصح.
كذلك خفف عنه في هيئة الصلاة وأباح له أن يؤديها حسب طاقته وقدرته.
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٤٩٠، حديث رقم ٧٠٥، كتاب ٦، باب ٦.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٤٨٨، باب ٥، حديث رقم ٧٠٣، كتاب ٦.
[ ١١٥ ]
وقد زار النبي - ﷺ - بعض أصحابه، وكان مريضًا فرآه يسجد على وسادة، فأخذها منه فرمي بها فقد روى جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها وأخذ عودًا ليصلي عليه فأخذه ورمى به وقال: "صل على الأرض إن استطعت وإلَّا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك" (١).
وقد تقدم وصف القرآن للنبي - ﷺ - في قوله -تعالى-: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية.
ومن أمثلة ذلك: أن الشرائع السابقة كانت لا تُجَوِّز قربان الصلاة بدون تطهر بالماء مهما كانت الظروف والملابسات واشترطت في إجزائها أن تفعل في أماكنها الخاصة بها ولكن الإِسلام خفف من وطأة تلك الأحكام وراعى جميع الأحوال التي قد يتعرض لها المسلم وتدلنا آية التيمم على أن الله لا يريد أن يعنت الناس ويحملهم على الحرج والمشقة بالتكاليف، وإنما يريد أن يطهرهم ويتم عليهم نعمته حيث جاءت رخصة التيمم للمريض والمسافر. وأسقط فرض الطهارة المائية في الوضوء وغسل الجنابة عن المريض للعجز عن استعمال الماء، أو لضرر سيلحقه في استعماله من جرح أو برد شديد أو مرض يخشى زيادته أو تطاوله قال الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار وشرح منتقى الأخبار، للشوكاني ٣/ ٢٤٤، الطبعة الأخيرة - مطابع مصطفى الحلبي بمصر.
[ ١١٦ ]
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ (١).
والحق الذي لا مرية فيه: (أن الرخص في الإِسلام تعتبر دليل عيان يشهد له بأنه دين اليسر والسهولة وأن هذه الرخص تعد قاعدة من قواعد الدين الكبرى وتوجد في جوانب التشريع كله من عقائد وعبادات ومعاملات وأحوال شخصية وقضاء وعقوبات وغير ذلك) (٢).
والأمثلة لها أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر:
وقد تقدم أمثلة لها في باب العبادات.
وإليك صورًا منها في باب المعاملات من ذلك:
* إباحة العقود والتصرفات التي يحتاج الناس إليها، مثل:
عقد السلم والاستصناع وبيع العرايا والمضاربة والشركة والمزارعة والمساقات والشفعة والقرض والرهن والضمان والكفالة والوكالة وغير ذلك كثير، وكلها تحقق إقامة العدل ومنع المنازعات وعدم الإعتداء على الحقوق المالية ودفع الحرج والعسر عن الناس والترخيص والتسهيل في الأحكام الشرعية.
قال الإمام ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب، قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ
_________________
(١) سورة المائدة: آية ٦.
(٢) بتصرف من: صور من سماحة الإِسلام للربيعة ص ٣٧ - ٣٩.
[ ١١٧ ]
وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ (١) الآية.
والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم وعن الميسر لما فيه من الظلم أيضًا، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكل المال بالباطل وما نهى عنه النبي - ﷺ من المعاملات كبيع الغرر وبيع التمر قبل بدو صلاحه وبيع السنين، وبيع المزابنة، والمحاقلة، وبيع الحصاة وبيع المضامين والملاقيح ونحو ذلك هي داخلة إما في الربا، وإما في الميسر " (٢).
وقال -﵀-: "ومن محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد، إتيانها بالشفعة، فإن حكمة الشارع اقتضت دفع الضرر عن المكلفين مهما أمكن، ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب دفع هذا الضرر بالقسمة تارة وبالشفعة تارة وكانت من أعظم العدل، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد" (٣).
* ما شرع من السماحة في البيع والشراء والقضاء والإقتضاء والخيار في البيع والشراء، والتنفيس عن المعسر، وإباحة الملكية الفردية وحمايتها ومنع الاحتكار بكل صوره وأشكاله والحث على الهبة والعطية والوصية وإباحة تبادل البر والصلات مع المشركين مع ضمان حرية الدعوة للإِسلام وتحقيق شرع الله في الأرض وإعلاء كلمته بل وأجاز قبول هداياهم ومكافئتهم عليها (٤).
_________________
(١) سورة الحديد: آية ٢٥.
(٢) انظر: أعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٣٨٧.
(٣) المرجع السابق ٢/ ١٢٠.
(٤) انظر: صور من سماحة الإِسلام، د. عبد العزيز بن عبد الرحمن الربيعة من ص ٧٩ - ٩٠.
[ ١١٨ ]
وإليك من النصوص الدالة على ذلك:
قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ (١).
وروى الدارمي في سننه عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة" (٢).
وفي السنَّة النبوية أحاديث كثيرة تحث على التسامح في البيع والشراء والقضاء والإقتضاء.
روى البخاري في صحيحه عن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع لرإذا اشترى وإذا اقتضى" (٣).
وبهذا يتبين أن التيسير روح يسري في جسم الشريعة كلها كما تسري العصارة في أغصان الشجرة الحية، وهذا التيسير مبني على رعاية ضعف الإِنسان وكثرة أعبائه وتعدد مشاغله وضغط الحياة ومتطلباتها عليه وهذا ما يحسه ويلمسه كل من عرف هذا الدين، فالقرآن ميسر للذكر والعقيدة ميسرة للفهم كما أن الشريعة ميسرة للتنفيذ والتطبيق ليس فيها تكليف واحد يتجاوز طاقة المكلفين" (٤) وهذا ما سنتحدث عنه في المطلب التالي.
• • •
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٢٨٠.
(٢) سنن الدارمي ٢/ ٢٦٢ - باب فيمن انظر معسرًا من كتاب البيوع.
(٣) صحيح البخاري ٨/ ٣ - باب ١٦ من كتاب البيوع.
(٤) انظر: الخصائص العامة للإِسلام ليوسف القرضاوي ص ١٦٠، طبعة ثانية ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م، طبع دار غريب للطباعة بالقاهرة.
[ ١١٩ ]