العدل أساس من أسس التشريع في الإِسلام
العدلُ شِعار الدين:؟
إذا كان لكل دين شعار خاص به وسمة تميزه عن غيره فإن شعار ديننا الإِسلامي الذي يميزه ويعين حقيقته (العدل).
وهو الدعامة الوطيدة والميزة الحقيقية للشريعة الإِسلامية، ومن القيم الأصيلة الراسخة في المجتمع الإِسلامي وهو ميزان الإجتماع في الإِسلام يقوم به أبناء الجماعة. وإنه لعدل فذ فريد في تاريخ الأمم والشعوب، شهد بذلك كل من سمع به من سيرة الحكام والقضاة المسلمين، أو اطلع على النصوص القاطعة التي أمرت به، أمرًا لا مجال للترخيص أو الإجتهاد فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ (١).
وهو عدل مجرد دقيق خالص لا يميل ميزانه بالود والشنآن، ولا يؤثر في نصاعته ميل إلى قرابة أو نسب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا
_________________
(١) سورة النساء: آية ٥٨.
[ ١٥٧ ]
فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ (٢).
أمثلة من العدل في عهد الرسول - ﷺ -:
ولقد ضرب رسول الله - ﷺ - أروع الأمثلة في العدل حينما جاء أسامة بن زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، وعزم رسول الله - ﷺ - على قطع يدها فقال له: "أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٣).
فالعدل في الإِسلام عدل مطلق يطبق على الكبير والصغير والشريف والوضيع والأمير والسوقة والمسلم وغير المسلم، ولا يفلت من قبضته أحد، وهذا مفرق الطرق بين العدل في المجتمع الإِسلامي وغيره من المجتمعات (٤).
وكما أن من مقاصد الإِسلام رفع الحرج ودفع المشقة ورعاية مصالح الناس وأحوالهم فإن من أهم مقاصده أيضًا تحقيق العدالة ومنع الظلم بين الأفراد والتزام العدل والتوسط في الأمور كلها وبحسب العادات: قال -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ (٥) الآية.
_________________
(١) سورة النساء: آية ١٣٥.
(٢) سورة المائدة: آية ٨.
(٣) الحديث بمعناه انظر: صحيح البخاري ٨/ ١٦، كتاب الحدود - باب ١٢.
(٤) انظر: الإِسلام والحضارة ودور الشباب المسلم ص ٥٦.
(٥) سورة البقرة: آية ١٤٣.
[ ١٥٨ ]
قال القرطبي -﵀-: (المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير كان محمودًا: أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم) (١).
وقال السيوطي: (قوله -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ يستدل به على تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم. وقوله -تعالى-: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يستدل به على حجية إجماع الأمة) (٢).
ومن يستعرض آيات القرآن التي تحض على العدل وتأمر به وتنفر من الظلم والحيف وتحذر منه يجد أن فيها كلها مطالبة واضحة بالتزام العدل في كل شيء ومن كل شخص وبالنسبة للناس جميعًا حتى مع الأعداء سواء في إصدار الأحكام الإجتهادية أم القضائية أم في نطاق السياسة والحكم والِإدارة أم في تولية المناصب والوظائف أم دي فرض الضرائب وجباية المال. وصرفه فيما ينفع الناس، أم في مجال الأسرة والتربية والتعليم وغير ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ﴾ (٣) الآية.
قال الشاطبي: (الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ١٥٥ ط دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ١٣٨٧ هـ - لبنان.
(٢) انظر: الإِكليل في استنباط التنزيل ص ٣٣ ط. دار الكتب العلمية - لبنان.
(٣) سورة النحل: آية ٩٠.
[ ١٥٩ ]
الوسط الأعدل الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الإعتدال كتكاليف الصيام والصلاة والحج والزكاة وغير ذلك مما شرع علي غير سبب أو لسبب) (١).
العدل من صميم التطبيق لأحكام الشريعة الإِسلامية:
فالعدل في الإِسلام من صميم التطبيق لأحكام الشريعة وليس مبدأً مستقلًا عنها لأن مصدره الوحي الإلهي من قرآن أو سنة نبوية أو اجتهاد المجتهدين الذين يستنبطون الأحكام من المصدرين السابقين بالقياس، بخلاف القانون الوضعي الذي يعتبر فكرة العدالة مصدرًا مستقلًّا خارجًا عنه يلجأ إليه القاضي أخيرًا ليستوحي القاعدة القانونية، ثم إن الشريعة مقاصدها تتصف بقوة الإِلزام الذي تستمده من الشارع الحكيم بخلاف القانون الوضعي الذي يستمد مقاصده من سمو المبادئ التي تحتوي عليها والتي تختلف بحسب الزمان والمكان) (٢).
صور وضيئة للعدل في الإِسلام:
هذا (وإذا كان العدل من السمات الأخلاقية المتميزة للدولة الإِسلامية وشريعتها فإنه لا يقتصر على أفراد الدولة فقط -أعني المسلمين فحسب- بل إن عدالة الإِسلام للإنسان (بإطلاقِ) أيًّا كان أصله العِرْقِي أو اللغوي أو طبقته أو عقيدته دون تمييز أو محاباة أو تحامل أو استعلاء، وليس أدل
_________________
(١) الموافقات، للشاطبي ٢/ ١٦٣.
(٢) انظر: الضرورة الشرعية، لوهبة الزحيلي ص ٤٧، ٤٨، مقاصد الشريعة الإِسلامية لعلال الفاسي ص ٤١، ٥٢.
[ ١٦٠ ]
على ذلك مما وعاه التاريخ وبقي صورة وضيئة للعدل عبر القرون من ذلك مثلًا: وقفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - بجانب خصمه النصراني والذي سرق درعه، أمام شريح الذي لم يمنعه إكباره وإجلاله لأمير المؤمنين أن يطلب منه البينة على سرقة النصراني درعه، ولما لم يجد أمير المؤمنين البينة حكم القاضي للنصراني على أمير المؤمنين إلخ) (١).
والتاريخ الإِسلامي حافل بأمثال هذه الأخبار الدالة على سيادة الحق والعدل في المجتمع الإِسلامي وحرية القضاء واستقلاله في المحكمة الإِسلامية ورسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى أبي موسى الأشعري في القضاء التي حددت معالم الحق والعدل في الخصومات، لا تزال كنزًا من كنوز دساتير القضاء حتى اليوم يقول عمر - ﵁ -: ( آس بين الناس في خلقك وعدلك، ووجهك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك إلخ) (٢).
كلام قيَّم لإبن قيم الجوزية في هذا المضمار:
يقول ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(إن الله -سبحانه- أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى، للبيهقي ١٠/ ١٣٦.
(٢) نظام القضاء في الإِسلام ص ٢٠٦، طبع ادارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية، عام ١٤٠٤ هـ.
[ ١٦١ ]
وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه إلخ) (١).
الأمة الإِسلامية مكلفة بتحقيق العدل وبناء أصول حياتها عليه:
(إن الأمة الإِسلامية مكلفة بتحقيق العدل في الأرض وهذا التكليف يوجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم والبغي حيث كان ويزيلوا أسبابه لا ليملكوا الأرض ويستولوا على الموافق ويستذلوا الأنفس بل لتحقيق كلمة الله في الأرض خالصة من كل غرض مبرأة من كل هوى. ومكلفة أيضًا بأن تبني حياتها كلها على أصول العدل حتى تستطيع أن تحيا حياة حرة كريمة يحظى كل فرد في ظلها بحريته وينال جزاء سعيه ويحصل على فائدة عمله وكده) (٢).
• • •
_________________
(١) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية تحقيق محمد حامد فقي ص ١٤ ط دار الكتب العلمية - لبنان.
(٢) بتصرفٌ من: الموسوعة في سماحة الإِسلام ١/ ٢٧٤.
[ ١٦٢ ]