حكومة منحرفة في أُمة مسلمة تحكم بغير شريعة الإِسلام وتطبق القوانين الوضعية
ويلزم لتطبيق الشريعة الإِسلامية في مثل هذه الدولة اتخاذ الخطوات التالية:
أولًا: انتقال زمام أمر هذه الدولة من أيدي حكام وزعماء مردوا على تحكيم القوانين الوضعية، والتحم بأرواحهم ودمائهم حب موالاة أعداء الله إلى أيدي رجال مصلحين تتوافر فيهم الشروط التي سبق ذكرها (١).
ثانيًا: على الهيئات العلمية في مثل هذه الدول أن تعمل على تحرير التعليم في كل مراحله من آثار التبعية الفكرية والثقافية وذلك بتكوين هيئات ومراكز بحث وتخطيط يكون عملها:
١ - إعادة صياغة المناهج وتطويرها بما يخدم تطبيق الشريعة الإِسلامية ويكفل لها البعد عن العلمانية والإلحاد.
٢ - إصدار دوائر معارف وموسوعات علمية إسلامية في مختلف فروع المعرفة لتغني الدارسين والباحثين عن مؤلفات أعداء الإِسلام.
_________________
(١) انظر: ص ٢٤: ٣٧.
[ ٣١٩ ]
٣ - حث الدولة والهيئات والمؤسسات الإِسلامية للعمل على تعميق الدراسات والموسوعات القرآنية وتيسير حفظ القرآن الكريم وفهمه والعمل به.
ثالثًا: العمل على عدم السماح للخلافات الداخلية: "الدينية أو السياسية أو غيرها بأن تكون مبررًا لمحاربة الفكر الإِسلامي ووحدته بما يتيح لوسائل الغزو الفكري المعادي للإسلام أن تسيطر على وسائل النشر والتوجيه بما يمزق كيان الأمة الإِسلامية" (١).
رابعًا: وجوب التحلي بالأخلاق والفضائل والآداب الإِسلامية والظهور بالمظهر الإِسلامي اللائق وتسخير كل وسائل الإعلام من صحافة ومذياع مسموع ومرئي لتحقيق هذه الغاية النبيلة.
خامسًا: فتح النقاش وإفساح المجال للعاملين لتحكيم شريعة الإِسلام وإقامة دولته ونصرة قضاياه وتجميع الناس عليه ويكون بتحاشي أساليب العنف والتعذيب والتصفية الجسدية ووضع الكمائم على أفواه دعاة الإِسلام.
سادسًا: إيجاد العدد الكافي من الدعاة المتمسكين مع تدريبهم تدريبًا عمليًا لنشر دعوة الإِسلام وهذا يستلزم إنشاء وتطوير معاهد متخصصة يقوم عليها رجال متمرسون ملتزمون قادرون على إعطاء المعرفة اللازمة والفكر الإِسلامي المتجدد. ومن الممكن تقسيم هؤلاء إلى ثلاث مجموعات تنظيمية:
_________________
(١) وسائل مقاومة الغزو الفكري للعالم الإِسلامي، ص ٧٢.
[ ٣٢٠ ]
* المجموعة الأولى: الإداريون:
ومهمتهم وضع البرامج والإشراف على تطبيق المخططات وإعادة النظر فيها تعديلًا وتقويمًا.
* المجموعة الثانية: الدعاة:
الذين ينقلون المعرفة الإِسلامية إلى الناس ويبصرونهم بأحكام دينهم في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجنايات وغير ذلك من أحكام الإِسلام وآدابه ويجادلونهم بالحكمة والموعظة الحسنة حتى ينتقلوا بهم إلى مرحلة التطبيق العملي والإلتزام بأحكام الشريعة الإِسلامية في سائر المجالات.
ولكن من هم الدعاة الذين تقع على عاتقهم هذه المسؤولية الضخمة والذين هم قادرون حقيقة على تكوين وعي إسلامي رشيد؟
أهم الدعاة الذين يمالئون الحاكم رغم علمهم بأنه لا يحكم بما أنزل الله؟
أم هم الدعاة الذين قل زادهم من اليقين والتقوى ونضبت ثروتهم من العلم والفقه وباتوا لا يعرفون من إسلامهم إلَّا ما يعرفه الدراويش ومحترفي التدين؟
كلَّا كلَّا.
"إننا لا نستطيع بتة أن نعد في الدعاة إلى الله رجلًا قليل البضاعة في التاريخ السياسي للإسلام أو التاريخ التشريعي له، أو رجلًا لا يدري إلَّا النزر اليسير عن خصائص الإِسلام، لأن وعيه غامض في القرآن الكريم كل
[ ٣٢١ ]
ما يعرف بضعة أحاديث إن صح سندها فهو لا يدري كيف يضعها مواضعها لا نستطيع أن ننظم في سلك الدعاة أمرءًا لا يعرف عن العالم المعاصر شيئًا ولا عن الفلسفات التي تحكمه ولا أسرار رجحان الإِسلام عليها شيئًا" (١).
نعم: "إن الإِسلام اليوم أحوج ما يكون إلى دعاة يدركون جيدًا واجبهم في هداية الناس فلا يمالقون ولا يداهنون على حساب دعوتهم، ولا يصانعون على حساب الحق الذي أمروا أن يصدعوا به بما يغض من كرامتهم ويحط من قدرهم.
إن الإِسلام اليوم أحوج ما يكون إلى دعاة يتحلون بالصبر ويتصفون بالشجاعة يجمعون القلوب ويقررون أمر العقيدة السليمة ويغرسون المباديء الصحيحة في قلوب المسلمين بالتؤدة والأناة والحكمة والقوة، يعاشرون الناس على بصيرة من أمرهم إن رأوهم على الصواب تعاونوا معهم وإن رأوهم مخطئين جابهوهم بآراء حرة وأفكار صريحة وحقائق واضحة تكشف لهم عن خطئهم لا يخشون في الله لومة لائم ولا يحسبون لرضا "الناس" وبغضهم حسابًا ولا وزنًا!!.
إن الإِسلام اليوم أحوج ما يكون إلى دعاة وطنوا أنفسهم على مواجهة العواصف العاتية بقلوب لا تعلق بها ريبة وعقول لا تطيش بها كربة يواجهون الأعباء مهما ثقلت وينتظرون النتائج مهما بعدت يجاهرون بالنصيحة ويطلبون الإصلاح -يواجهون الناس بقلب مفتوح ومبادئ معروفة لا يستعبدهم العرف الغالب ولا تتحكم فيهم التقاليد السائدة ولو أدى إلى
_________________
(١) مشكلات في طريق الحياة الإِسلامية للغزالي ص ٨٣.
[ ٣٢٢ ]
تصحيحها أن يبذلوا فيها أنفسهم ويضحوا فيها بأرواحهم ما داموا واثقين فيما يرون أنه الحق" (١).
وتلك سمة الدعوات العامة المخلصة التي تقتبس النور من مشكاة النبوة وتسير على نهجها إنها تجس نبض المجتمع جسًا صحيحًا أمينًا وتهتدي إلى الداء الحقيقي ومواضع الضعف في جسم هذا المجتمع وتضع إصبعها عليه وتضرب على الوتر الحساس من غير محاباة أو مداهنة ولا تكترث بألم هذا المجتمع أو ملامه.
كما فعل شعيب - ﵇ - في دعوته فبعد أن دعا إلى التوحيد وجه الدعوة إلى إيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم وشنع على التطفيف إذ كان ذلك عيب المجتمع الذي بعث فيه وسمته البارزة وكذلك فعل غيره من الأنبياء.
وهذه أيضًا كانت سنة الدعاة إلى الله من المخلصين الربانيين في تاريخ الإِسلام، إذ كانوا ينتقدون المجتمع في الصميم ويصيبون المحز ولذلك كان وقع كلامهم في النفوس عظيمًا وعميقًا وما كان يسع المجتمع أن يتغافل عنهم أو يمر بهم مرًا سريعًا، فهذا مثلًا: الحسن البصري في مواعظه كان يشير في مواعظه إلى النفات الذي كان داء المجتمع الإِسلامي وهو في أوج مجده ورخائه ويذم حب الدنيا وطول الأمل.
وهذا كان شأن ابن الجوزي أيضًا في مواعظه الساخرة ومجالسه المزحومة فإنه كان يشنع على الحياة اللاهية الماجنة التي كان يحياها كثير
_________________
(١) انظر الداعية بين المنهج والوسائل د. صالح الغانم السدلان ص ٢٠، ٢١ مجلة الدعوة العدد ١١٩٠ بتاريخ ٢٩/ ٩/ ١٤٠٩ هـ.
[ ٣٢٣ ]
من الناس في بغداد وعلى الذنوب والمعاصي التي كانت ترتكب جهارًا والمنكرات التي شاعت فكان مئات بل وآلاف من الناس يتوبون ويقلعون عن الذنوب وكان نشيج يعلو وقلوب ترق وعيون تدمع لأنه كان يمس القلوب ويصور الواقع ولا يكتفي بالكلام العام والوعظ التقليدي ومن يطلع على كتبه كصيد الخاطر وغيره يجد دليلًا على هذا" (١).
"فعلى الدعاة إلى الله أن يعرضوا على الناس أولًا مبادئ الدين الأساسية ثم يدعوهم إلى مطالبه ومقتضياته ولوازمه وشيئًا فشيئًا وألا يقدموا الفروع على الأصول والأحكام الجزئية على القواعد الشاملة وأن لا يضيعوا أوقاتهم في تهذيب المفاسد الظاهرة قبل أن يعالجوا المفاسد الأساسية وأن لا يقابلوا الواقعين في الغفلة والضلال بالازدراء والكراهية والإحتقار بل عليهم أن يوجهوا أفكارهم إلى علاجهم ومواساتهم وبذل النصيحة لهم بمثل ما يعامل به الطبيب مريضه" (٢).
(والواجب على من ندب نفسه للدعوة إلى الله أن يبين للناس حقيقة شريعة الله ويفصل لهم بالبرهان من كتاب الله وسنة رسوله -﵊- ما أحله الله وما حرمه وما أباحه وما ألزمنا الله -تعالى- به من شرائع لم يجعل لأولي الأمر أو لغيرهم حقًا في تبديلها أو تغييرها وحدود ما أباح الله لأولي الأمر أو لغيرهم تنظيمه بالقوانين والقرارات واللوائح فضلًا عن أن يبين لهم الشروط الواجب توافرها فيمن يعتبر ولي أمر يتعين
_________________
(١) انظر الرسل والرسالات، للأشقر ص ٥١ والدعوة الإِسلامية: الوسائل، الخطط المداخل من ص ٤١١ - ٤١٣.
(٢) أبو الأعلى المودودي: تذكرة دعاة الإِسلام ص ٢٥ وما بعدها.
[ ٣٢٤ ]
طاعته فيما أنزل الله بطاعته فيه) (١).
* المجموعة الثالثة: الباحثون:
الذين يعملون على توسيع آفاق المعرفة في مجال تطبيق الشريعة الإِسلامية وذلك بإبراز مزايا ومحاسن الشريعة الإِسلامية وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان ويتمثل عمل هؤلاء في ما يلي:
إنشاء مراكز ومنابر لها سلطة التأثير على فكر الأمة وتوجيهها وذلك كمراكز المبحث العلمي والمجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات والإصدارات المتخصصة ولضمان نجاح مهمة هؤلاء لابد من توفر ثلاث ركائز مهمة:
١ - النواحي المالية: بتوفير موارد ثابتة لتمويل نشاطها وبرامجها.
٢ - توفير الحماية التامة من الدولة.
٣ - التمكين من إقامة مثل هذه المراكز والمنابر.
سابعًا: يجب على الداعين لتطبيق الشريعة الإِسلامية والمنادين بتحكيمها أن تكون دعوتهم واضحة لا غموض فيها، محددة المفاهيم والضوابط بمعنى أن تطبق الشريعة الإِسلامية كما جاء بها محمد - ﷺ - وكما طبقها هو وأصحابه من بعده رضوان الله عليهم واقعًا عمليًا في الحياة بمفهومها الشامل الواسع.
والحذر الحذر من أخذ بعض أحكام الله دون بعض، فالإسلام كل متكامل لا يقبل التجزئة فإما أن يؤخذ كله أو يترك كله وقصره على جانب
_________________
(١) دعاة لا قضاة ص ٨٠، ط. دار الطباعة والنشر الإِسلامية بالقاهرة، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
[ ٣٢٥ ]
دون جانب تحكم بلا دليل بل تنقضه أصول الشريعة ومصادرها: يقول -تعالى- مقرعًا بني إسرائيل على ذلك أشد التقريع حيث نفذوا بعض شرائع كتبهم وتركوا بعضها فقال -تعالى-: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ (١).
وبناء على هذا يجب أن تُرفض جميع الحلول الجزئية وتُستبعد جميع الإستخدامات الشائعة الآن لكلمة تطبيق الشريعة الإِسلامية من أنها تعني تلك الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات والعقوبات فقط منفصلة عن جوانب الحياة الإنسانية الأخرى، فتلك نظرة قاصرة خاطئة يقول الشيخ محمد الغزالي -﵀-: (إن جهودًا كثيرة تبذل الآن لترضية المسلمين بإسلام آخر غير الذي تلقوه عن نبيهم وعرفوه من كتابهم. إسلام منقوص الحقيقة والأطراف منقوص العرى والوشائج. ينكر عليه المنكرون أن يتدخل في شؤون التشريع أو يبت في قضايا المجتمع أو يقدم الولاء له على الولاء للعنصر أو التراب، أو يضع قواعد التربية مقرونة بشعائره وعبادته، أو يحذف من السلوك العام ما يخدش قيمة ويمس مثله الرفيعة أو يلزم الأفراد بفوائضه اليومية والسنوية) (٢).
(لا ريب أن قطع يد السارق وجلد الزاني أو رجمه وجلد السِّكِّرين والقصاص من القتلة وعدم التعامل بالربا والأخذ بأحكام الإِسلام في سائر المعاملات لا ريب أنه جزء أصيل من الشريعة الإِسلامية لابد منه ولا غنى عنه يكفر من جحده ويفسق من أهمله ولكنه مع ذلك ليس كل الشريعة
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٨٥.
(٢) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، للغزالي ص ١٩، طبع دار الأنصار بمصر.
[ ٣٢٦ ]
الإِسلامية إنه لابد من أخذ الإِسلام كله بعقائده وتصوراته وشعائره وعباداته وأفكاره ومشاعره وأخلاقه وفضائله وآدابه وتقاليده ونظمه وتشريعاته وأن يكون الإِسلام هو الموجه والقائد للمجتمع في كل الميادين وجميع المجالات مادية ومعنوية) (١).
ولكي يتحقق ذلك لابد من إلقاء الضوء على ما ينبغي عمله في شتى المجالات ليتم تطبيق الشريعة الإِسلامية بصورة صحيحة وفعلية:
أولًا - في المجال الروحي والأخلاقي:
١ - "لابد من العودة بالعقيدة إلى المنابع الصافية من كتاب الله وسنة رسوله
- ﷺ - بعيدًا عن غلو الغالين وانتحال المبطلين وتحريف المحرفين.
٢ - تثبيت القيم الأخلاقية الأصيلة على هدى من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وتطهير المجتمع من الرذائل المتوارثة والدخيلة من المادية والأنانية واتباع الشهوات والميوعة والتحلل وغير ذلك من أخلاق الضعف والسلبية والإنحلال.
٣ - المحافظة على شعائر الإِسلام وخاصة عباداته الكبرى وأركانه العملية التي بني عليها هذا الدين من الصلاة والزكاة والصيام والحج وتربية جميع فئات المجتمع على احترامها وتوقيرها: فتجب العناية بالصلاة واتخاذ المساجد والمصليات في الدواوين والمصالح الحكومية والمؤسسات والشركات وكل مجمع للناس كالموانئ والمطارات ومحطات السكك الحديدية ومواقف السيارات العامة ونحوها.
_________________
(١) الحل الإِسلامي فريضة وضرورة، ليوسف القرضاوي ص ٣٧.
[ ٣٢٧ ]
٤ - مقاومة البدع والأباطيل سواء في مجال العقائد أم العبادات أم التقاليد أم غير ذلك من كل ما يتصل بالفكر أو بالسلوك على وجه عام" (١).
ثانيًا - في مجال السياسة:
يجب أن يكون للدولة دستور مكتوب تلتزم به وتسير علي ضوئه ويكون حاكمًا على القوانين والنظم الفرعية ولذا ينبغي تجنيد الكفاءات الإِسلامية: "الفقهية والسياسية الأمينة المخلصة لتقوم بوضع دستور إسلامي يحدد النظام العام الذي تسير عليه الدولة والمصدر الذي تستمد منه شرعيتها ومصادر أنظمتها كما يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويحدد الحقوق والواجبات للمواطنين في الدولة المسلمة" (٢).
ثالثًا - وفي مجال التنظيم والتشريع:
يجب أن ينص في الدستور على أن الشريعة الإِسلامية هي المصدر الرئيسي الوحيد للنظم والمبادئ وأن الدولة الإِسلامية مهمتها التطبيق والتنفيذ لا التشريع والتنفيذ كما يجب إعادة البناء التشريعي من جديد مراعيًا الأمور الآتية:
١ - حرص الدولة بسلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية على العمل بأحكام الشريعة الغراء وعدم الخروج عليها (٣).
_________________
(١) انظر: الحل الإِسلامي فريضة وضرورة، ليوسف القرضاوي من ص ٣٨٠ - ٤١٠.
(٢) انظر: المرجع السابق ص ٦٠.
(٣) انظر: كيفية الوصول إلى تطبيق عادل لأحكام الشريعة الإِسلامية ص ٣٦، ٣٧، مقال الأستاذ حسن عبد الغني يوسف في مجلة الوعي الإِسلامي، العدد ١٦٦، شوال ١٣٩٨ هـ - القاهرة ج. م. ع.
[ ٣٢٨ ]
- فالسلطة التشريعية: يمثلها هيئة من الفقهاء المتضلعين في علوم الشريعة وأدلتها ومقاصدها ومهمة هؤلاء مراعاة تطبيق الشريعة الإِسلامية في جميع شؤون الحياة ومعالجة القضايا التي تستجد على ضوء الشريعة الإِسلامية.
- والسلطة التنفيذية: "يمثلها الحاكم ونوابه وأجهزة الدولة الأخرى من وزارات وشرطة وغيرها" عليها تحاشي تعطيل أحكام القضاء وإلَّا اختل ميزان العدالة وتحطمت صخرة التطبيق الكامل لأحكام الشريعة الغراء وعليها أيضًا تهيئة كل الوسائل التي تؤدي إلى إقامة المجتمع المسلم الذي يطبق الإِسلام بنصه وروحه (١).
- والسلطة القضائية: يمثلها القضاء بقضاته وأعوانهم وأجهزة القضاء الأخرى وهذه السلطة مهمتها: "حماية العدل وإقرار الإنصاف والتزام المساواة المطلقة بين الناس ونصرة المظلوم وقمع الظالم وقطع الخصومات ورد الحقوق إلى مستحقيها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والضرب على أيدي العابثين وأهل الفساد كي يسود النظام ويعم الأمن والأمان ولن يتحقق ذلك إلَّا إذا تمسك القضاة بالعقيدة الإِسلامية والأخلاق النبوية ظاهرين على الحق بميزان العدل بأيد لا ترتجف وقلوب تحركها خشية الله ونفوس تستشعر خطر الأمانة وعظم المسؤولية لا ترهب الملوك والرؤساء ولا تنحاز إلى الأحزاب والعشائر والقبائل" (٢).
_________________
(١) انظر: الفصل السادس ص ٢٢٧: ٢٩٠ من هذا الكتاب.
(٢) نظام القضاء في الإِسلام ص ٢٢٥، إشراف وطبع ونشر جامعة الإمام.
[ ٣٢٩ ]
ولكي يتحقق هذا: "لابد أن تكون الشريعة الإِسلامية هي المصدر الفذ لجميع الأحكام في كافة جوانب الحياة بمصادرها الأصلية والتبعية والمصادر الأصلية للشريعة هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصادر التبعية الإستحسان والإستصلاح والعرف (١).
٢ - لابد أن ينص على أن كل نظام يخالف النصوص القطعية أو الإجماع أو
الدين المتيقن واجب البطلان.
٣ - النص على إقامة الحدود والعقوبات الإِسلامية التي شرعها الله حفظًا للمجتمع وردعًا للأشرار وقطعًا لشأفة الجريمة كحدود السرقة والحرابة والزنى والقذف والسكر وقتل العمد والردة -تلك التي ثبتت بالقرآن- مع مراعاة التشدد في أركان الجريمة وشروطها ودرء الحدود بالشبهات ما وجد إلى ذلك سبيل".
٤ - أن يكون الفقه الإِسلامي هو أساس الدراسة في كليات الحقوق في كل الجامعات الإِسلامية.
٥ - "ينبغي أن تحول كليات الحقوق والشريعة والقانون إلى مسمى كليات الشريعة الإِسلامية وكفى. وإن احتاج الأمر إلى دراسة القوانين والنظم المعاصرة فلا يمنع ذلك بحيث لا يكون على حساب الشريعة عكس ما يحصل الآن في كليات الحقوق تمامًا من حيث كون دراسة الشريعة
_________________
(١) المدخل في التعريف بالفقه الإِسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه لمحمد مصطفى شلبي ص ٢٢٣: ٢٦٠ الوعي الإِسلامي، العدد ١٦٦ ص ٣٥ - ٣٦ شوال ١٣٩٨.
[ ٣٣٠ ]
لا تأخذ إلَّا حيزًا لا يرى بجانب ضخامة الدراسة القانونية الوضعية" (١).
٦ - إلغاء جميع القوانين الوضعية وبطلانها ينحدر بها إلى درجة الإنعدام، ولابد أن ينص في الدستور صراحة على إلغائها وإحلال الشريعة الإِسلامية محلها وعلى ولي الأمر سنن التشريعات التنفيذية التي تستهدف ضمان تنفيذ أحكام الشريعة الإِسلامية وسن التشريعات التنظيمية لحماية النظام العام الإِسلامي. بل ويجب على جميع المسلمين في جميع مواقعهم سواء أكانوا من رجال السلطة القضائية أم من رجال السلطتين التشريعية والتنفيذية أو من أفراد الناس العاديين أن يمتنعوا عن تطبيق وتنفيذ أو احترام كل حكم وضعي يخالف أحكام الشريعة الإِسلامية (٢).
٧ - وجوب عمل المحاكم الإِسلامية وقيام قضائها على الأسس الشرعية "فتأخذ بما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية مسترشدة ومستهدية ومستأنسة في ذلك بالثروة الفقهية الهائلة التي ورثناها عن علماء أفذاذ قلما يجوز الزمان بأمثالهم كانوا المثل المحتذى للعلم والتقوى والورع" (٣).
_________________
(١) انظر: أبو الأعلى المودودي، القانون الإِسلامي وطرق تنفيذه ص ٦٠ - ٦٦ وما بعدها، (نقلًا عن تطبيق الشريعة الإِسلامية في العصر الحاضر ومعوقاته) ١/ ١٥٠ تأليف عبد الله الزايدي، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.
(٢) في وجه المؤامرة على تطبيق الشريعة الإِسلامية من ص ١٤٠ - ١٤٥ (بتصرف).
(٣) في وجه المؤامرة على تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ١٥٢.
[ ٣٣١ ]
٨ - إعداد القاضي المسلم إعدادًا دينيًا ونفسيًا وعلميًا فيجب أن لا يختار للقضاء بين المسلمين إلَّا من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه وأن يكون عارفا بكتاب الله -تعالى- عالمًا باكثر أحكامه وسنة رسوله - ﷺ - حافظًا لأكثرها وكذا أقوال الصحابة عالمًا بالوفاق والخلاف وأقوال الفقهاء والتابعين. كما يجب أن يكون ذا عقل رصين ودين متين وأمانة ونزاهة وقوة وكفاءة وحنكة وخبرة وتجربة ليستقيم ميزان الحكم. وقد شدَّد الإسلامُ المسؤولية إزاء القاضي ليستمد سلطته من كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - ﷺ - ومن اجتهاده وهي المنابع الأولى للسلطة والمصدر الأول للفصل بين الناس:
لمّا وُلَّى رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل على قضاء اليمن سأله رسول الله - ﷺ -: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال معاذ: أقضي بكتاب الله -تعالى-. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله، قال: أجتهد رأي ولا آلوا. قال: فضرب رسول الله صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسول اللهِ لما يرضي رسول الله" (١).
وللقضاء الإِسلامي نظريته في اختيار القاضي منذ أوائل السنة الأولى للهجرة نقرؤها في كتاب الإمام علي بن أبي طالب - ﵁ - إلى عامله في مصر الأشتر النخعي قال علي - ﵁ -:
" ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر -أي
_________________
(١) سنن أبي داود ٤/ ١٨، باب ١١ من كتاب الأقضية، حديث رقم ٣٥٩٢.
[ ٣٣٢ ]
يضيق صدره- من الفيء إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه وأوقفهم في الشبهات وأخذهم بالحجج وأقلهم تبرمًا بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستمليه إغراء وأولئك قليل" (١). ولكن يطلب أكملهم وأفضلهم في هذه الصفات.
وإنها لمفخرة للإسلام والمسلمين أن تكون المملكة العربية السعودية قمة في تطبيق الشريعة الإِسلامية وإقامة حدودها في هذا العصر والحكم بمقتضاها وما كان ينبغي أن يسبقها غيرها إلى ذلك وهي مهبط الوحي ومئل الرسالات ومنبع النور الذي شع ضوءه فعم جميع الأنام.
نعم: إن نظام القضاء في المملكة العربية السعودية وهو يقوم على أسس إسلامية صحيحة أضحى أقرب النظم لحماية العدل وإقرار الإنصاف والتزام المساواة المطلقة بين الناس آخذًا بمبدأ البساطة بعيدًا عن التعقيد والتحايل.
ولا عجب: فالقضاة قد درسوا التشريع الإِسلامي نصوصًا ومذاهب ومبادئ وقواعد وأبحاثًا وفتاوى وطبقوه عمليًا أحكامًا ووقائع وقضاءً عادلًا يأخذ القدوة ويستنير بأحكام القضاء الإِسلامي على مدى ألف وأربعمائة عام هجرية كيف لا! والمحاكم الشرعية هنا مهيئة وهيئات التمييز والمجلس الأعلى للقضاء وغيرها من أجهزة السلطة القضائية تعمل في جو من الحرية والاطمئنان ولا يوجد ما يضادها أو ينافسها في مجال الحكم والقضاء.
_________________
(١) انظر: نهج البلاغة، للشريف الرضي شرح الشيخ محمد عبده، وعبد العزيز الأهل ١/ ٥٢٥، ٥٢٦، ونظام القضاء في الإِسلام، الصفحات من ٢٢٠ - ٢٢٢.
[ ٣٣٣ ]
فهل آن لصرعى الظلم القضائي وضحايا الإنحرافات البشرية في الدول التي لا تحتكم إلى الشريعة الإِسلامية ولا تُحَكِّمُ القاضي المسلم أما آن لهم أن يلتمسوا أمنهم ومصالحهم وطهارة بيوتهم وعفة نسائهم ورجالهم في تجربة قضاء الإِسلام الذي بسط الإطمئنان والرفاهية على أرض المملكة العربية السعودية وأهلها!!.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١).
رابعًا - في مجال الإقتصاد (٢):
هناك أمور كثيرة ينبغي مراعاتها والقيام بها ليتم بناء الهيكل الإقتصادي في دولة كهذه على أسس سليمة وخطة مدروسة، من هذه الأمور:
١ - أن يستبدل هذا النظام الربوي المستفحل في كثير من المجتمعات الإِسلامية اليوم بنظام لا ربوي وذلك: بالتمهيد بسلسلة من الإجراءات الإقتصادية التي توفر المناخ الصالح لحصول هذا الإستبدال، ولهذا يجب أن تعنى كليات التجارة والإقتصاد والعلوم السياسية والدوائر الاقتصادية بالتعمق في دراسة الإقتصاد الإِسلامي ووضع خطة على أساس علمي وإحصائي لتطهير كل المؤسسات الاقتصادية من رجس الربا ومن كل معاملة تخالف شريعة الإِسلام وإنشاء مصارف (بنوك
_________________
(١) سورة المائدة: آيتان ٤٩، ٥٠.
(٢) انظر في هذا المجال: الحل الإِسلامي، للقرضاوي ص ٥٤، ومن قضايا الفكر الإِسلامي المعاصر ص ٢٦٥، وتطبيق الشريعة الإِسلامية في العصر الحاضر ومعوقاته، للزايدي ١/ ١٥٥.
[ ٣٣٤ ]
إسلامية) تتعامل على أسس شرعية وإلغاء كل البنوك التي لا تخضع لهذا الإتجاه.
٢ - تشكيل لجنة من الأخصائيين وخبراء الإقتصاد وعلماء الدين لعمل صيغة اقتصادية إسلامية ملائمة لهذه التغييرات حتى لا يوجب التغيير فوضى وخللًا في الدولة أو في رخاء الأمة وحتى لا تضطرب أحوال البلاد الإقتصادية المتشابكة مع غيرها.
٣ - جباية الزكاة من كل أموال ظاهرة وباطنة (الظاهرة: الثروة الحيوانية والزراعية وزكاة الفطر والباطنة: أموال التجارة والنقود) بواسطة جهاز قوي أمين من -العاملين عليها- مع توسيع قاعدتها بحيث تشمل كل مال نام وكل دخل فائض عن الحوائج الأصلية وبذلك تسهم هذه الفريضة في تمويل التكافل وتحقيق العدل الإجتماعي ومحاربة الكنز ومقاومة الإستقراض بالربا إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة (١).
٤ - تقريب الفوارق الإقتصادية بين الأفراد والفئات بالعمل الدائب على الحد من طغيان الأغنياء والرفع من مستوى الفقراء وإزالة المظالم وتصفية الإمتيازات التي توارثها بعض الناس بغير حق بحيث يختفي منظر الثراء الفاحش إلى جانب الفقر المدقع.
٥ - وضع خطة على أساس علمرب وإحصائي -لزيادة ثروة الأمة الإِسلامية وتنمية إنتاجها -كمًّا ونوعًا- والإستفادة من التكامل الإقتصادي بين الدول الإِسلامية ووضع منهج اقتصادي إسلامي ليدرس في مؤسسات التعليم وفي مقدمتها كليات الإقتصاد والتجارة والشريعة الإِسلامية.
_________________
(١) الحل الإِسلامي، ليوسف القرضاوي، ص ٥٤، ٥٥.
[ ٣٣٥ ]
٦ - التوسع في إنشاء مؤسسات مصرفية غير ربوية ودعم القائم منها وتشجيع المؤسسات المصرفية الإِسلامية على تطوير نظمها بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإِسلامية (١).
خامسًا - في المجال الإجتماعي:
١ - لابد قبل أن تطبق الشريعة الإِسلامية أَنْ يقوَّم السلوك والمسؤول عن هذا كل فرد في الدولة عملًا بقول النبي - ﷺ -: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته " الحديث (٢).
٢ - على كل فرد في الدولة مقاومة الإنحراف والفساد والسرقات وأداء الأعمال بأمانة وهمة وتوجيه النصح في أناة ورؤية عملًا بقول ربنا -﵎-: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ (٣) الآية.
٣ - لابد أن تنشر الصحف والمجلات بحوثًا تعالج وتواجه الإنحراف عن الإِسلام وتبصر المسلمين رجالًا ونساءً بحقائق الإِسلام وأباطيل خصومه تقويمًا للسلوك وتبيانًا للشريعة لمن غابت عنهم أحكامها أو قصر فهمهم لها ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ (٤).
٤ - "الإهتمام بشأن المرأة المسلمة بحيث تعود إلي فطرتها الأصيلة ورسالتها الجليلة فتاة مهذبة وزوجة صالحة وأمًّا فاضلة تعنى بأداء
_________________
(١) مؤتمر الفقه الإِسلامي المنعقد بالرياض سنة ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م.
(٢) سبق تخريجه ص ٤، ١٤ من هذا الكتاب.
(٣) سورة البقرة: آية ٨٣.
(٤) سورة الحج: آية ٢٤.
[ ٣٣٦ ]
الواجبات وعلى وسائل الإعلام بما تخصصه من برامج للمرأة أن تقاوم التقاليد الدخيلة وتنشر الآداب والتقاليد الإِسلامية الأصيلة.
٥ - تحريم شرب المسكرات والمخدرات بكل أصنافها وإغلاق حاناتها ومنع صنعها واستيرادها والإتجار فيها ومطاردة مدمنيها وتجارها إلى حد الحكم بإعدامهم وإغلاق دور اللهو الحرام التي تشيع الفاحشة وتنتهك فيها الحرمات من دور السينما والمراقص وغيرها.
٦ - تشديد الرقابة على كل أجهزة الدولة ومحاولة إصلاحها وتطهيرها من العناصر الفاسدة والإجتهاد في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتقديم القوي الأمين على غيره" (١).
٧ - تهيئة كل الوسائل التي تؤدي إلى إقامة المجتمع المسلم الذي يطبق الإِسلام بنصه وروحه.
_________________
(١) الحل الإِسلامي فريضة وضرورة، د. يوسف القرضاوي، ص ٤٨ - ٥٢.
[ ٣٣٧ ]