من مظاهر اليسر والسماحة في الشريعة الإِسلامية:
الأخذ بالعرف
" العرف: ما اعتاده الناس، وتواضعوا عليه في شؤون حياتهم، حتى ألفوه واطمأنوا إليه، وأصبح أمرًا معروفًا سواء أكان عرفًا قوليًا أم عمليًا. عامًا أم خاصًا. "والعرف من الأدلة الشرعية عند الفقهاء، وإليه يحتكم في كثير من أحكام الفقه الفرعية وخاصة الأَيْمان والنذور والنكاح والطلاق.
قال ابن عابدين في أرجورته:
وَالعُرْفُ في الشّرع له اعتبارُ لذا عليه الحكمُ قد يُدارُ (١)
هذا وقد نوه به الفقهاء وبنوا عليه كثيرًا من الأحكام واعتبروه حجة في التشريع بدليل قوله -تعالى-: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٢).
وبما جاء عن ابن مسعود - موقوفًا -: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو
_________________
(١) الوسيط في أصول الفقه، لوهبة الزحيلي ص ٤٣٩.
(٢) سورة الأعراف: آية ١٩٩.
[ ١٢٩ ]
عند: الله حسن وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيِّء) (١).
تقسيم العرف:
ينقسم العرف إلى قسمين:
١ - قولي.
٢ - وعملي، وعام وخاص.
فمثال اللفظي:
١ - إطلاق لفظ "الولد" على " الذكر" دون "الأنثى".
٢ - ومثال العرف العملي: اعتياد الناس بيع المعاطاة من غير وجود صيغة لفظية، وتعارفهم قسمة المهر في الزواج إلى مقدَّم ومؤخَّر وتعارفهم أكل البُر ولحِم الضأن وغير ذلك.
٣ - والعرف العام ما يتعارفه غالبية أهل البلدان في وقت من الأوقات مثل تعارفهم عقد الإستصناع.
٤ - والخاص: ما يُتعارف ويشيع في بعض الأقطار أو بعض البلاد دون بعض، أو يخص ببعض الفئات: كالعرف التجاري بين التجار والعرف الزراعي بين الزراع وهكذا (٢).
ومن القواعد الفقهية المشهورة: " (أ) المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. (ب) العادة محكمة. (ج) التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. وغيرها
_________________
(١) انظر: كشف الخفاء ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني ٢/ ١٨٨، حديث رقم ٢٢١٤، طبع دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان الطبعة عام ١٣٥١ هـ.
(٢) الوسيط في أصول الفقه، المرجع السابق، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقاء ٣/ ٨٤٤، مادة ٤٨٦، طابع طبرين، دمشق ١٣٨٧ هـ.
[ ١٣٠ ]
من القواعد التي مبناها على العرف والعادة" (١).
وقد ترك الشارع أشياء كثيرة لم يحددها تحديدًا جامدًا صارمًا بل تركها - رحمة بنا من غير نسيان - للعرف يحكم فيها ويعين حدودها وتفاصيلها، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (٢) الآية، وقوله -تعالى-: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ (٣)، فالعرف هو المُحَكَم في تحديد النفقة للمرأة. والمتعة للمطلقة.
"واعتبار العرف في هذه الحالات إذا لم يصادم نصًا ثابتًا أو إجماعًا يقينيًا وكذلك إذا لم يكن من ورائه ضرر خالص أو راجح؛ فأما العرف المصادم للنصوص الذي يحل الحرام أو يحرم الحلال، أو يبطل الواجبات أو يقر البدع في دين الله أو يشيع الفساد في الأرض، فلا اعتبار له ولا وزن له في فتوى أو قضاء" (٤).
نستنبط مما سبق:
"أن الأخذ بالعرف يعتبر مثالًا واضحًا على مرونة أحكام الشريعة الإِسلامية وخصوبة الفقه الإِسلامي" (٥). وأن الإِسلام بتقريره هذه القاعدة قد استحق صفة اليسر والسماحة، ومراعاة الحاجة والمصلحة، ودفع الحرج
_________________
(١) القواعد الفقهية، للسيد محمد عميم الإحسان البركتي الحنفي ص ٧١ قاعدة رقم ٨٨ وص ٩٠ قاعدة رقم ١٧٦ وص ١٢٥ قاعدة رقم ٣٣٤ مطابع كراتشي باكستان.
(٢) سورة البقرة: آية ٢٣٣.
(٣) سورة البقرة: آية ٢٤١.
(٤) انظر وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ٨٨ (مقال عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإِسلامية للدكتور يوسف القرضاوي).
(٥) الوسيط في أصول الفقه للزحيلي ص ٤٤٧.
[ ١٣١ ]
والمشقة والتيسير في التكاليف الشرعية والإنسجام مع فطر الناس في كل زمان ومكان.
قال في المدخل: (إن العرف في نظر الشريعة يعد مستندًا عظيم الشأن لكثير من الأحكام العملية بين الناس في شتى شعب الفقه وأبوابه وله سلطان واسع المدى في توليد الأحكام وتجديدها وتعديلها وتحديدها وإطلاقها وتقييدها وفي اعتباره تسهيل كبير يغني عن كثير من النصوص التفصيلية في الأحكام التشريعية وفي عقود المعاملات اعتمادًا على ما هو معروف ومألوف في شتى الوقائع المحتملة) (١).
ويحسن بنا تتميمًا للفائدة: أن نضيف إلى ما سبق من مظاهر اليسر والسماحة في الشريعة الإِسلامية مظهرًا آخر يعتبر من الأحكام المبنية على العرف ألا وهو: تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف: -
• • •
_________________
(١) المدخل الفقهي العام ٣/ ٨٥٠، مادة رقم ٤٩١.
[ ١٣٢ ]