من مظاهر اليسر والسماحة في الشريعة الإِسلامية:
إجراء الأحكام على وفق الظاهر
" إن اجتماع الناس واتصال بعضهم ببعض يقضي بحاجة كل واحد إلى الآخر بالقيام بالأعمال وعمل الصناعات، والبيع والشراء، والمساقاة، والمزارعة والنكاح، والطلاق، والنفقات، وغير ذلك من ضروريات الحياة وحاجياتها. والشرع الحكيم وضع لهذا التعامل قواعد وشروطًا تحكم التعامل بين الناس وبالتزام هذه القواعد الشرعية، والأمور المرعية تسير الأمور كما ينبغي أن تكون، ولكن قد تحدث بعض المخالفات التي تؤدي إلى وقوع النزاع والشجار بين الأفراد؛ لذا شرع القضاء بين الناس والحكم بينهم والعدل؛ لإزالة الخصومات، وحل المشكلات، وحفظ الحقوق، وتأديتها إلى أصحابها، وقد وضعت الشريعة الإِسلامية الوسائل والطرق التي تثبت الحق لأهله وذلك فيما سمي "بطرق الإثبات" وهي الوسائل الظاهرة التي يعتمد عليها الحاكم في إثبات الدعوى أو نفيها: كالشهادات، والإِقرار، والإِيمان، والوثائق، والقرائن وغيرها. فإذا توفرت هذه الوسائل لدى القاضي حكم بموجبها" (١).
_________________
(١) انظر: النية وأثرها في الأحكام الشرعية "للمؤلف" ٢/ ٩٣٤، ٩٤٥ مطابع الفرزدق التجارية بالسعودية، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.
[ ١٢٤ ]
ولكن قد يحدث أن يبدي بعض الخصوم شيئًا والواقع خلافه، ومن هنا يأمر الإِسلام من يتولى الفصل بين المتنازعين بأن يجتهد وسعه في تحري الحقيقة والواقع مستنيرًا في ذلك بما لدى الخصمين من إقرارات، وحجج وبينات، ولكن يتجلى يسر الإِسلام وسماحته في أنه لم يكلفه إصابة عين الواقع (١). فهو بشر لا يعلم الغيب ولا يطلع على الأفئدة ليعلم الصادق من الكاذب، ولعل بعض الخصوم يكون أبلغ من بعض وأفصح وأبين في حجته منه فيقضي له بما سمعه منه فقط ويجري حكمه على وفق الظاهر ويدع بواطن الأمور لله -تعالى- فهو - سبحانه - وحده الذي يعلم ما تكنه الأنفس وما تخفيه الصدور.
روى البخاري في صحيحه: عن أم سلمة - ﵂ - قالت: سمع النبي - ﷺ - جلبة خصام عند بابه فخرج عليهم فقال لهم: "إنما أنا بشر، وأنه يأتيني الخصم فلعل بعضًا يكون أبلغ من بعض أقضي له بذلك وأحسب أنه صادق فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها) (٢).
قال النووي -﵀- في شرح مسلم: "معناه: التنبيه على حالة البشرية وأن البشر لا يعلمون من بواطن الأمور شيئًا إلَّا أن يطلعهم الله -تعالى-على شيء من ذلك. وأنه يجوز عليه - ﷺ - في أمور الأحكام ما يجوز عليهم، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر، مع إمكان كونه في الباطن
_________________
(١) صور من سماحة الإِسلام، د. عبد العزيز الربيعة ص ٢٢، ٢٣.
(٢) صحيح البخاري ٨/ ١١٧؛؛ باب ٣١ من كتاب الأحكام.
[ ١٢٥ ]
خلاف ذلك ولكنه إنما كلف الحكم بالظاهر، وهذا نحو قوله - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّا بحقها وحسابهم على الله" (١). "ففيه أن الأحكام تجري على الظاهر والله يتولى السرائر، ولو شاء الله -تعالى- لأطلعه على باطن أمر الخصمين فحكم بيقين نفسه من خير حاجة إلى شهادة أو يمين، ولكن لما أمر الله -تعالى- أمته - ﷺ - باتباعه والإقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى له حكمهم في عدم الإطلاع على باطن الأمور ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه فأجرى الله -تعالى- أحكامه على الظاهر الذي يستوي فيه هو وغيره، ليصح الإقتداء به وتطيب نفوس العباد للإنقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن والله أعلم" (٢).
وبما أن الشهادة إحدى الوسائل التي تعين القاضي على إصابة الحق، فقد وردت نصوص في القرآن والسنَّة تنهي عن الكذب في الشهادة وتحذر من كتمانها، فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣)، وقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ (٤) الآية، وغير ذلك.
وقد وضع الفقهاء -﵏- شروطًا إذا توافرت في الشاهد وُصِفَ بالعدالة، وإذا اختل شرط منها وصف بعدم العدالة، ولكن كلها لا تعدو أن تكون شروطًا ظاهرة من غير كشف عن سريرة الشاهد ومعرفة ما
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٥٣ حديث رقم ٢٠ مسلسل ٣٥ باب ٨ كتاب الإِيمان.
(٢) صحيح مسلم بشرح الإِمام النووي ١/ ٢١٢، ١٢/ ٥.
(٣) سورة الحج: آية ٣٠.
(٤) سورة البقرة: آية ٢٨٣.
[ ١٢٦ ]
يكنه ضميره الذي بين جوانحه ولا يطلع عليه أحد إلَّا الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عتبة قال: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: (إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله - ﷺ - وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرًا، أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوء لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة) (١).
هذا:
ولم يقف الإِسلام عند هذا الحد من اليسر والسماحة في هذا الجانب من منهاجه الشامل للحياة، بل عممه في جميع الأحكام سواء أكانت في العبادات أم المعاملات أم في القضاء والشهادات، بل وجد ما هو أصرح في إجراء الأحكام على وفق الظاهر مهما وجدت الملابسات، وتعددت القرائن الدالة على خلاف الحقيقة:
روى مسلم في صحيحه: بسنده عن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلَّا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: "أقال لا إله إلَّا الله وقتله؟ " قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أنِّي أسلمت يومئذ الحديث" (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ١٤٨ كتاب الشهادات باب ٥.
(٢) انظر: صحيح مسلم ١/ ٩٦ كتاب ١، حديث رقم ٩٦، باب ٤١.
[ ١٢٧ ]
قال النووي في شرح مسلم: قوله: "أفلا شققت عن قلبه" فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول: "إن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر" (١).
ومعنى هذا: أننا كلفنا العمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لنا طريق إلى معرفة ما فيه من القصد والإعتقاد.
• • •
_________________
(١) النووي بشرح مسلم ٢/ ١٠٧.
[ ١٢٨ ]