تغيُّر الفتوى بتغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف
تمهيد:
"إن ثمة دعوى - يقوم بها قوم في قلوبهم إِحَنٌ وَدِخَنٌ على الإِسلام وأهله - مفادها: ضرورة تطوير الفقه الإِسلامي وإعادة صياغته ليواكب العصر الذي نعيش فيه ويتسع لمواجهة أوضاع الحضارة الحديثة: وهذه دعوى يدندن حولها هؤلاء المغرضون ذرًا للرماد في العيون وتدليسًا على عباد الله الصالحين" (١).
وردًا على هؤلاء نقول:
أولًا: إن هذه دعوى لا تصدر عن شخص مؤمن بالشريعة عالم بخصائصها إذ الإِيمان بأنها من عند الله يوجب تحكيمها دون سواها من القوانين الوضعية القاصرة.
_________________
(١) بتصرف من: الشريعة الإِلهية لا القوانين الجاهلية ص ١٥٦، ١٥٧. د. عمر سليمان الأشقر ط. الكويت الطبعة الأولى ١٩٨٣ م.
[ ١٣٣ ]
ثانيًا: إنه لو علم خصائصها وميزاتها وما اتصفت به من اليسر والسماحة والمبادئ الفاضلة لأيقن وبدون أدنى شك بصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان.
ثالثًا: إن الشريعة الإِسلامية جاءت مقننة لكل عصر وأوان ولكل حديث وحادثة، فلقد قام فقهاء الإِسلام باستنباط الأحكام ووضعوا القواعد لحل جميع المسائل والمشكلات والمعضلات التي تعرض للمؤمن في حياته ولم يتركوا بابًا من أبواب الفقه أو فصلًا من فصوله إلَّا جالوا فيه جولات واسعة مما لم يعرف له نظير أو شبيه عند متشرعي الأمم والشعوب وواضعي القوانين" (١).
ومثال واحد على ذلك يكفي في الرد على زعم قصور الشريعة وجمودها وعدم تطورها وهو: "أن الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والنيات"، ومعناها: أن الواجب على الفقيه أن لا يجمد على موقف واحد دائم يتخذه في الفتوى أو القضاء أو التعليم أو التأليف وإن تغير الزمان والمكان والعرف والحال، بل ينبغي مراعاة مقاصد الشريعة الكلية وأهدافها العامة عند الحكم في الأمور الجزئية الخاصة (٢) ".
ومن ثم قرر المحققون من أهل العلم أن الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف. يقول الإمام ابن القيم
_________________
(١) أحكام المريض في الفقه الإِسلامي: العبادات والأحوال الشخصية ص ٢١. تأليف: أبو بكر إسماعيل محمد ميقا رسالة ماجستير بالمعهد العالي للقضاء طبعة أولى ١٤٠١ هـ.
(٢) وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ١١٣.
[ ١٣٤ ]
-﵀-: "فصلٌ: في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج، والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح، لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - ﷺ - أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به رواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها" (١).
"فالأحكام قد تتغير بسبب تغير العرف أو تغير مصالح الناس، أو لمراعاة الضرورة أو لفساد الأخلاق وضعف الوازع الديني أو لتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة، فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة ورفع المفسدة وإحقاق الحق والخير.
_________________
(١) أعلام الموقعين عن رب العالمين ٣/ ١٤، ١٥.
[ ١٣٥ ]
وليس معنى هذا أن الأحكام الشرعية كلها قابلة لتغير الفتوى بها بتغير الزمان والمكان والعرف، بل هذا كائن بالنسبة للأحكام الإجتهادية المتعلقة بالمعاملات أو الأحوال المدنية من كل ما له صلة بشؤون الدنيا وحاجات التجارة والإقتصاد، أما الأحكام التعبدية والمقدرات الشرعية وأصول الشريعة الدائمة فلا تقبل التبديل مطلقًا مهما تبدل المكان وتغير الزمان" (١).
ويقول ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
"والأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها. لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة: كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا، وحالًا: كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة؛ فشرع التعذيب بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة، فعن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم. ثم إذا شربوا فاجلدوهم ثم إذا شربوا فاجلدوهم ثم إذا شربوا فاقتلوهم" (٢).
وهذا الذي قرره ابن القيم -﵀- قرره غيره من المحققين في المذاهب الأخرى: كالِإمام القرافي المالكي في كتاب (الفروق) وغيره
_________________
(١) انظر: الخصائص العامة للإسلام ص ٢٢٣ - ٢٣٤.
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/ ٣٣١، طبع مكتبة السنَّة المحمدية بمصر، سنن ابن ماجه ٢/ ٨٩، رقم الحديث ٢٦٠١ - باب ١٧ من أبواب الحدود، الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ مطابع الشركة العربية السعودية الرياض.
[ ١٣٦ ]
وكالعلامة ابن عابدين الحنفي في رسالته. "نشر العَرْف في بناء بعض الأحكام على العُرْف".
أصل قاعدة تغيُّرِ الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف:
لهذه القاعدة دليل وأصل في الكتاب والسنَّة، وفي هدي الصحابة وسير الخلفاء الراشدين وفي عهد التابعين ومن بعدهم.
فمثال ذلك في القرآن الكريم: آيات الصبر والصفح والعفو والإِعراض عن المشركين ونحو ذلك مما قال فيه كثير من المفسرين: نسختها آية السيف والحق أن لهذه الآيات وقتها ومجالها ولآية السيف وقتها ومجالها كذلك.
قال الإمام السيوطي في "الإتقان" في علوم القرآن "ما نصه:
في النوع السابع والأربعين من علوم القرآن: في ناسخ القرآن ومنسوخه: "الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر - حين الضعف والقلة - بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس ناسخًا بل هو من قسم المنسأ، كما قال -تعالى-: ﴿أو ننساها﴾: فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هو من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت مَّا لعلة تقتضي ذلك الحكم بل ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ وإنما النسخ الِإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثااله. اهـ." (١).
_________________
(١) الإتقان في علوم القرآن للإِمام جلال الدين السيوطي الشافعي ٢/ ٢١ طبع دار الفكر - لبنان.
[ ١٣٧ ]
ومثاله من السنَّة النبوية: ما روى البخاري بسنده: عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي - ﷺ -: "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء فلما كان العام المقبل قالوا يارسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي قال: كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها" (١).
فهذا مثل واضح لتغير الفتوى بتغير الأحوال والظروف، فقد نهى النبي - ﷺ - عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام لعلة معينة وأسباب طارئة فلما انتهى هذا السبب العارض وزالت هذه العلة الطارئة زال الحكم الذي أفتى به الرسول تبعًا لها وغير فتواه من المنع إلى الإِباحة. وأكثر الفقهاء على اعتبار هذه الإِباحة نسخًا للنهي المتقدم والتحقيق أنه ليس من باب النسخ بل من باب نفي الحكم بانتفاء علته" (٢).
قال الإمام القرطبي في تفسيره: "اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع عليته يعود الحكم لعود العلة، فلو قدم على أهل بلدة ناس يحتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلدة سعة يسدون بها فاقتهم إلَّا الضحايا لتعين عليهم أن لا يدَّخروها فوق ثلاث كما فعل النبي - ﷺ - " (٣).
والناظر في سنَّة الراشدين وهدي الصحابة - ﵃ - يجدهم أفقه الناس في استعمال هذه القاعدة - قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها - ولذلك أمثلة عديدة منها:
_________________
(١) صحيح البخاري ٦/ ٢٣٩ - باب ١٦ من كتاب الأضاحي.
(٢) وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ١١٨، ١١٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢/ ٤٨.
[ ١٣٨ ]
ما روى البخاري: عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ - وإمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين) (١).
ما روى الدارقطني بسنده عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ أتى بشارب خمر وهو بحنين فحثى في وجهه التراب. ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم، وبما كان في أيديهم، فقال لهم (ارفعوه، فتوفي رسول الله - ﷺ - وتلك السنَّة، ثم جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر أربعين صدرًا من إمارته ثم جلد ثمانين في آخر ولايته، ثم جلد عثمان الحدين جميعًا ثمانين وأربعين، ثم أثبت معاوية الجلد ثمانين) (٢).
فدل على أن الصحابة - ﵁ - لم يثبت لديهم أن النبي - ﷺ - وقت في الخمر حدًا معينًا، ولو ثبت لهم ذلك، لم يحتاجوا إلى المشاورة فيه؛ لذا: تغير حكمهم واختلفت فتاواهم بتغير الزمن واختلاف الأحوال.
وهذا يدل على أن العقوبة تختلف باختلاف حال المجرم، ومقدار عتوه، واشتهاره بالفجور، وتكرار الجريمة منه مرة بعد مرة، وعدم ارتداعه بالعقوبة فمثل هذا يشدد عليه، ليرتدع ويزدجر بخلاف من لم يشتهر بفسق ولا فجور" (٣).
_________________
(١) صحيح البخاري ٨/ ١٤ - باب ٤.
(٢) سنن الدارقطني ٣/ ١٥٨، طبع ونشر مكتبة المتنبي بالقاهرة.
(٣) وجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ١٢٦.
[ ١٣٩ ]
قال الحافظ ابن حجر (١) -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (قال القاضي عياض: أجمعوا على وجوب الحد في الخمر واختلفوا في تقديره فذهب الجمهور إلى الثمانين، وقال الشافعي في المشهور عنه، وأحمد في رواية، وأبو ثور وداود أربعين، وتبعه على نقل الإِجماع ابن دقيق العيد والنووي، وما تبعهما وتعقب بأن الطبري، وابن المنذر وغيرها حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير، بدليل الأحاديث الصحيحة التي سكتت عن تعيين عدد الضرب، وما جاء عن ابن عباس وابن شهاب من أن النبي - ﷺ - كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق بحاله "وللدارقطني عن عبد الرحمن ابن أزهر قال: وكان عمر إذا أتى بالرجل الضعيف الذي كانت منه الذلة ضربه أربعين، قال وجلد عثمان أيضًا ثمانين وأربعين) (٢).
وبعدُ: فإن الإستقراء أثبت أن الأحكام كلها في الشريعة الإِسلامية تقوم على المصلحة الإنسانية، فما من أمر أوحكم للإِسلام إلَّا وقد أثبت فيه المصلحة وحرص فيه على حرية الأفراد وحقوق الجماعات، وضمان أمنها واستقرارها وحريتها التامة وهذه هي الشريعة الإِسلامية قد أوجبت الحد على من شرب السكر من أي نوع دون ضرورة ملجئة إلى ذلك، ولكن مراعاة لحال الشارب واستجابة لظروفه نرى أن حكمه يختلف عن حكم من اشتهر بالعتو والفسوق مما يجعلنا نقول: إن حد شارب الخمر يمكن أن يدخل في باب العقوبة ذات الحدين أي يكون لها حد أدنى يمكن الإكتفاء به إذا رأى الحاكم أن ذلك يكفي لردع الشارب وإن عاد إليها أمكن للحاكم أن يزيد في
_________________
(١) فتح الباري ١٢/ ١٧٣.
(٢) سنن الدارقطني/ ١٥٧.
[ ١٤٠ ]
العقوبة فيما بين الأربعين والثمانين، فيكون ضرب "الثمانين" هو الحد الأعلى في هذه العقوبة وَحَدُّها الأدنى الذي لا يقل عنه "أربعين".
إن من يلقي مجرد نظرة على هذا الحكم العادل، والتشريع الحكيم ويقيسه بتلك الأحكام السخيفة القاصرة التي ما أنزل الله بها من سلطان سيرى البون الشاسع والفرق الكبير: ومن يستعرض مواد القانون الوضعي في هذا المجال فيستضح له الإرتباك من خلال ذلك، والتناقض أيضًا.
فهو يشدد فيما لا يقتضي الشدة ويلين ويتساهل فيما يتطلب ضد ذلك من التحفظ والضبط والزجر والردع ففي المادة (٣٨٥) الفقرة الثانية من القانون المصري مثلًا جاء: "من وُجِد في حالة سُكر بيّن في المحلات العمومية يعاقب بغرامة لا تتجاوز جنيها مصريًا واحدًا أو الحبس لمدة لا تزيد عن أسبوع" (١).
فبالله كيف يرتدع المجرم من مثل هذا الحكم الجائر الناقص، وما يفيد في ردع المجرم السجن أو الغرامة؟! حقًا إنها سوف تتكرر الجريمة حيال هذه العقوبات السخيفة بل سوف تنتشر دون مبالاة بها كما يشهد بذلك الواقع في البلدان التي اتخذت من القانون دستورًا لها.
وهذا مثال من أمثلة كثيرة ترينا "ما تمتاز به الشريعة الغراء بعدالتها في الأحكام وضبطها للشهوات الجامحة والأنفس الثائرة، ووضعها لكل جريمة عقوبة تناسبها وتناسب فاعلها كافية في ردعه ومنعه عن ارتكابها مرة أخرى" (٢). كذلك ما تمتاز به من المرونة والسعة، وما يلمسه الدارس لفقهها
_________________
(١) التشريع الجنائي الإِسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، لعبد القادر عودة ١/ ٦٥٠.
(٢) دراسات في التشريع الجنائي الإِسلامي المقارن بالقانون الوضعي، تأليف: =
[ ١٤١ ]
من الأمثلة والوقائع والأحكام الكثيرة التي تركت فيها النصوص قصدًا لإجتهاد المجتهدين في الأمة ليصدروا فتاواهم بما هو أصلح للناس وأليق بزمانهم وحالهم مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة مهتدين بروحها ومحكمات نصوصها.
• • •
_________________
(١) = عبد الله بن سالم الحميد/ مطابع النصر الحديثة بالرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٠/ ١٤٠١ هـ.
[ ١٤٢ ]