والشذوذ والجنس واقتراف الرذائل. وكم قرأنا عن شباب في عنفوان شبابهم قد استأثرتهم الشهوات وانعدمت فيهم القيم والأخلاق فانفصلوا عن واقعهم هربًا من مواجهة الحياة وصاروا يبنون لأنفسهم عالمًا حالمًا هو عالم إباحي مجنون انقلبت فيه القيم والمقاييس وتلاشت بل وانعدمت فيه الروح الدينية بسبب سيطرة النظم الوضعية والأفكار البالية القائمة أساسًا على المنفعة الفردية" (١).
٤ - وفي مجال السياسة ونظام الحكم:
تقدم (٢) أن الشريعة الإِسلامية تقوم على أسس راسخة وقيم أصيلة وسمات أخلاقية تعتبر هي ميزان الإجتماع في الإِسلام وهي الدعامة الوطيدة التي يقوم عليها بناء الجماعة الإِسلامية ويستقيم عليها أمرها، فالعدل في الإِسلام عدل مطلق يطبق على الكبير والصغير والشريف والوضيع والأمير والسوقة والمسلم وغير المسلم، ولا يفلت من قبضته أحد إلخ. والمساواة على إطلاقها فلا قيود ولا استثناءات، وإنما مساواة تامة بين الأفراد ومساواة تامة بين الأجناس ومساواة تامة بين الحاكمين والمحكومين ومساواة تامة في الحقوق والواجبات والمسؤوليات إلخ.
والشورى من أهم قواعد الشريعة الإِسلامية وهي لأهل الحل والعقد والتجربة والخبرة وهي الدعامة التي يقوم عليها نظام الحكم في الإِسلام.
_________________
(١) بتصرف يسير من: كيف ندعو إلى الإِسلام ص ٥٠، ووجوب تطبيق الشريعة الإِسلامية ص ٣٣٦، ٣٣٧، والإسلام وأوضاعنا القانونية لعبد القادر عودة ص ١٢٣، ١٢٤ مطابع المختار الإِسلامي للطباعة والتوزيع الطبعة الخامسة ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.
(٢) انظر من ص ١٤٣: ١٦٩.
[ ٢٧٣ ]
وتلك هي أهم الأسس الرئيسية التي يقيم عليها الإِسلام بناءه في نظام الحكم ولكن هذه الأسس وغيرها قد تعطلت بسبب أهواء الكثير من الحكام واستبدادهم وتحكيمهم القوانين الوضعية، ولقد عانت الشعوب الإِسلامية من جراء ذلك وكابدت الأمرين!!
والذي ينظر في حال كثير من المجتمعات الإِسلامية اليوم يرى برهان ذلك.
فقد: "اكتظت البلاد بحكام وزعماء وأصحاب رأي تفرقوا أحزابًا وشيعًا يتآمر بعضهم على بعض ويتقول كل منهم على الآخر بالحق والباطل ويتبادلون القذف والسباب كما لوكانوا يتقارضون المدح والثناء، رضوا بأن يعيشوا متنابذين متفرقين وكل فريق يحاول تحقير الآخر وتشويهه ليعلوا على هامته أو ليخلوا له الجو فينطلق" (١).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:
(وإذا خرج ولاة الأمور عن الحكم بغير ما أنزل الله وقع بأسهم بينهم، قال النبي - ﷺ -: "ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلَّا وقع بأسهم بينهم"، وهذا من أعظم أسباب تغير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه، فإن الله يقول في كتابه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ (٢).
_________________
(١) الإِسلام وأوضاعنا القانونية ص ١٢٣، ١٢٤.
(٢) سورة الحج: الآيتين ٤٠، ٤١.
[ ٢٧٤ ]
فقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم) (١).
ومن نظر في حال المسلمين مهتديًا بما قرره شيخ الإِسلام هنا علم أن ما ابتلي به المسلمون اليوم من ضعف وذلة، واختلاف وفرقة وهزائم ونكسات سببه البعد عن شريعة الله، وتحكيم القوانين الوضعية القاصرة.
"وإذا كان الإِسلام يوزع العدل بالقسطاس المستقيم على القريب والبعيد والعدو والصديق فهذا العدل قد ذهب من البلاد التي تحتكم إلى غير ما أنزل الله ولا تجد إلَّا المحاباة الكريهة والمحسوبية العمياء، والحكام الجائرين الذين نكثوا أيمانهم وخانوا أماناتهم وأتوا من الأعمال ما لا يغتفر وأتوا بكل ما يناقض الإيمان وانحرفوا عن كل اتجاه يرجع إلى الإِسلام" (٢).
يقول أبو الأعلى المودودي -﵀-:
"من ثم نرى أن كل مكان قامت فيه ألوهية الناس على الناس قد فشا فيه الظلم والجور والإستئمار الممقوت والتكبر في أرض الله بغير حق" (٣).
ويكفي هؤلاء الحكام ظلمًا ووخزًا في ضميرهم أنهم يباغتون بمكائدهم كل من قام يدعو إلى الله وينادي بالإصلاح فيذلونه بالخوف والقهر ويفقرونه ومن يلوذ بطرفه بالمصادرة لأمواله أو الحراسة عليها ويسلبونه حريته بالسجن والرعب ويذيقونه ألوانًا من العذاب ولم يكن إلَّا هذا شاهدًا على ظلمهم وجبروتهم وطغيانهم لكفى!!
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ٣٥/ ٣٨٨.
(٢) بتصرف من: الإِسلام وأوضاعنا القانونية عبد القادر عودة ص ١٢٣، ١٣٤، ١٥٥.
(٣) نظرية الإِسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور ص ٢٦، طبع مؤسسة الرسالة ١٣٨٩ هـ، لبنان.
[ ٢٧٥ ]