فهذا تقرير عدل الله في معاملة العباد، فهو -سبحانه- لا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلَّا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدلوا سلوكهم، ويقلبوا أوضاعهم ويستحقوا أن يغير ما بهم من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها وأي نعمة أتم على العباد من الدين الكامل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
وقد تحدثت عن بعض خصائص ومقومات هذا الدين الكامل الشامل مما يستوجب تحكيمه والعمل به (١).
ولكن -وآسفاه- لقد أتى على هذه الأمة حين من الدهر انقلبت فيها الأوضاع، وتغيرت فيها النوايا وتبدل فيها السلوك وفسدت فيها المفاهيم، فمن القمة الشامخة السامقة إلى الحضيض السحيق، ومن الذروة العليا إلى أدنى دركات الضياع والذل والهوان والهبوط ولا يتسع المجال هنا لذكر كل النكبات التي حاقت بهذه الأمة والنكسات التي منيت بها، والأزمات التي تلاحقت عليها بسبب البعد عن شرع الله والتنكب لدينه ولكن يكفي أن نتحدث عما نشاهده بأعيننا ونسمعه بآذاننا في مجتمعاتنا المعاصرة من الولايات المتلاحقة والنكبات المروعة والمشاكل المخزية التي لا حصر لها وصدق الله العظيم إذْ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ (٢).
١ - ففي مجال العقيدة:
كانت الكارثة الأولى التي منيت بها الأمة هي فساد عقيدتها وإصابتها
_________________
(١) انظر: ص ٤٩.
(٢) سورة يونس: آية ٤٤.
[ ٢٧٠ ]
بلوثات مادية جانحة زرعت الشك والإلحاد في كثير من نفوس أبنائها وعملت
مع الأيام على إشاعة التُّرُّهات والمفاهيم اللادينية.
"مما عرض روح التدين لهزات عنيفة ومخيفة مهدت بعدئذ لظهور الإتجاهات الإلحادية وتسلطها على بلاد المسلمين ومقدراتها ومن ثم محاربتها للإسلام ودعاته تارة بإطلاق الإشاعات والأراجيف وطورًا باختلاق الذرائع والمبررات لإستئصالهم والخلاص منهم" (١).