" إن بين الحق والباطل صراع دائم في حياة البشر، صراع يستمد وجوده من ذلك النزاع القائم في كيانه بين النوازع الفطرية التي تتوق إلى الحق وتسعى إلى سيادته وبين نوازع الشهوة والهوى التي تسعى إلى انتهاج الباطل منهجًا واقعيًا بديلًا لمنهج الحق في الحياة الفردية والجماعية (١).
ثم إن للعادات والأعراف سلطانًا على النفوس وتحكمًا في العقول فمتى رسخت العادة اعتبرت من ضرورات الحياة (٢). ولذلك فان كثيرًا ما كان يقاسي الأنبياء والمصلحون من المصاعب والأهوال، فيأخذون الناس بالعنف تارة وبالتدريج تارة أخرى لتحويلهم عن مفاسد عاداتهم وأعرافهم.
فلم تقف مهمتهم - عليهم الصلاة والسلام - عند بيان الحق وإبلاغه فحسب، بل بدعوة الناس إليه والإستجابة له وتحقيقه في أنفسهم اعتقادًا وقولًا وعملًا، فكان كل رسول يدعو قومه إلى الصراط المستقيم ويبينه لهم
_________________
(١) الدعوة الإِسلامية: الوسائل، الخطط، المداخل ص ١٩٩، طبع ونشر الندوة العالمية للشباب الاسلامي طبعة أولى ١٤٠٥ هـ.
(٢) المدخل الفقهي العام للزرقاء ٢/ ٧٣٧، طبع طبرين، دمشق ١٣٨٧ هـ.
[ ٢٩٧ ]
ويهديهم إليه وهذا أمر متفق عليه بين الرسل جميعًا" (١).
ثم كان كل رسول يُقوِّم الإنحراف الحادث في عصره ومصره؛ إذ الإنحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط وهو يتمثل في أشكال مختلفة:
"فنوح - ﵇ - أنكر على قومه عبادة الأصنام وكذلك إبراهيم - ﵇ - وهود - ﵇ - أنكر على قومه الإستعلاء في الأرض، والتجبر فيها، وصالح أنكر على قومه الإفساد في الأرض واتباع سبيل المفسدين. ولوط حارب جريمة اللواط التي استشرت في قومه. وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان. وهكذا فكل هذه الجرائم وغيرها التي ارتكبتها الأمم خروج عن الصراط وانحراف عنه والرسل - عليهم الصلاة والسلام - سمة دعوتهم المخلصة أنهم يبينون هذا الصراط ويحاربون الخروج عليه باي شكل من الأشكال كان" (٢).
ثم ختمت هذه الشرائع بالشريعة الإِسلامية الغراء التي لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا وضعت لها أسلم وأنجح حل يسعد الفرد والمجتمع على السواء.
نعم: (لقد نظر محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - إلى العالم بعين النبوة والرحمة فرأى إنسانًا قد هانت عليه إنسانيته وصار يسجد للحجر والشجر ويعبد شهوته وهواه وما لا يملك لنفسه النفع والضرر. رأى عادات فاسدة من معاقرة الخمر إلى حد الإدمان والخلاعة والفجور إلى حد الإستهتار وتعاطي الربا إلى حد الإغتصاب واستلاب الأموال. رأى الطمع
_________________
(١) الرسل والرسالات، د. عمر سليمان الأشقر ص ٥١، ٥٢، طبع ونشر مكتبة الفلاح بالكويت، الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ.
(٢) الرسل والرسالات ص ٥١، ٥٢.
[ ٢٩٨ ]
وشهوة المال إلى حد الوأد وقتل الأولاد. رأى حكامًا اتخذوا بلاد الله تحت سلطانهم غنيمة وعباد الله عبيدًا لهم، ورأى أممًا كقطعان من الغنم ليس لها راع والحكم كسيف في يد سكران يجرح فيه من يعترض سبيله) (١).
"فكان - ﷺ - المثل الأعلى في فهم واقع الجاهلية والنفاذ إلى نفسيات أهلها، وخوالجهم، فقد أدرك - ﷺ - الأسباب التي تشدهم إلى الباطل وتعوقهم دون قبول الحق ثم أخذ في علاج تلك العوامل والأسباب فكان - ﷺ - بذلك يهدم صورة الواقع الباطل في سلود القوم لبنة لبنة ويبني صورة الحق لبنة لبنة، لقد أمضى الرسول - ﷺ - ثلاث عشرة سنة في مجال العقيدة، ثم انتقل إلى معالجة ما هو فرع لها في السلوك العملي:
فقد عرض - ﷺ - على الناس تصورات الإِسلام الأساسية ومبادئه الخلقية الراسخة، وأخذ يعد الرجال الذين قبلوا هذه الدعوة وانضووا تحت لوائها أمثال أبي بكر الصديق - ﵁ -، وسائر أبطال الدعوة إلى الله -تعالى-، فلما أن تم له ذلك تقدم خطوة أخرى، فأقام في المدينة المنورة حكومة ثابتة الأركان راسخة القواعد، ثم بعد أن أصبحت المدينة معقل الإِسلام، ومشعل الهداية، وتسلم النبي - ﷺ - جميع الزعامات فيها، وتمكن منها كل التمكن، تقدم خطوة ثالثة فقام بمهمة التطبيق العملي في واقع مُهَيَّأ ملموس كان يعمل له من ذي قبل سنوات متعددة بالدعوة والتبليغ وبذا أقام - ﷺ - أحكام الإِسلام وآدابه وسلوكياته مكان العادات والتقاليد الجاهلية الفاسدة، وبفضل هذا السعي الجدي الدائب للإصلاح الشامل ظل - ﷺ - يطبق
_________________
(١) انظر: مقالات إسلامية للعيثاوي ص ١٤٥، ٢٦١، طبع ونشر الدار العربية للطباعة ببغداد سنة ١٣٩٨ هـ.
[ ٢٩٩ ]
أحكام الشريعة الإِسلامية بكل اتزان وتناسب حتى إذا مرت على ذلك تسع سنوات تم فيها إلى جانب بناء الحياة الإِسلامية جانبًا آخر هو تنفيذ وتطبيق الشريعة الإِسلامية في جميع المجالات" (١).
والآن: لسائل أن يقول: كيف الإنتقال من واقع باطل إلى تطبيق الشريعة الإِسلامية؟ وكيف يمكن توفير المناخ النفسي الصالح لذلك الإنتقال ليتعامل مع الواقع تعاملًا موضوعيًا ينتفي فيه التوتر والإضطراب اللذان قد يُحدثان الرفضَ المطلقَ للإستجابة لهذا العمل نتجية التغير الفجئي؟
نقول نعم: إن التغير المفاجيء يحدث في الجسم اضطرابًا قد تكون له آثار سيئة على صحة الجسم والتدرج من الداء إلى العافية في مراتب متعاقبة هو سنَّة الله في خلقه.
لهذا نرى أن التغيير يستلزم العمل التمهيدي في جميع الجوانب حتى تتوفر عوامل النجاح لهذا التغيير ويتهيأ بعد ذلك الوسط المنشود الذي يكون صالحًا لتطبق فيه أحكام الشريعة الإِسلامية في جميع الأقطار الإِسلامية (٢).
ويكون ذلك بإيجاد خطة سليمة وبرنامج مدروس يحدد أهداف الشريعة ومقاصدها وأهمية العمل بها، وترجمة ذلك إلى واقع ملموس في حياة المسلمين.
ويمكن جعل ذلك في أربعة مباحث:
_________________
(١) انظر: نظرية الإِسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، لأبي الأعلى المودودي من ص ١٩١ - ١٩٧، طبع مؤسسة الرسالة، لبنان، طبعة عام ١٣٨٩ هـ، الدعوة الإِسلامية، الوسائل، الخطط، المداخل من ص ٢٢٠ - ٢٢٣ "بتصرف".
(٢) انظر: الدعوة الإِسلامية، الوسائل، الخطط، المداخل ص ٢٢٢ "بتصرف".
[ ٣٠٠ ]