ثمة أمور ثلاثة يجب أن نعيها قبل أن نفصل واجبات ومسؤوليات كلًّا من الحاكم والمحكوم وهذه الأمور هي:
° الأمر الأول: فيما يتعلق بقصر عنوان هذا الفصل على واجبات ومسؤوليات الشعوب المسلمة والتي درجت النظم الحديثة على تسميتها بـ (الحقوق السياسية)، وقد آثرت تسميتها بواجبات لأنها -أي الحقوق- يغلب عليها عنصر التكليف والمسؤولية والإيجابية؛ ذلك لأنها كغيرها من الحقوق وسائل موجبة لخدمة الشريعة الإِسلامية ولذلك نسميها "واجبات لا حقوق" (١).
° الأمر الثاني: لسائل أن يقول: ما المقصود بالتعبير بالشعوب المسلمة وما فائدة وصفها بالمسلمة؟
وللإجابة عن هذا السؤال نقول:
الشعوب: مفردها شعب: بفتح فسكون: الجماعة الكبيرة من الناس والتي تخضع لنظام اجتماعي واحد (٢).
_________________
(١) النظام الدستوري في الإِسلام. د. مصطفى كمال وصفي ص ٧٦. (بتصرف) طبعة ١٣٩٤ مطابع الأمانة بمصر.
(٢) المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم تأليف اللواء محمود شيت خطاب ٢/ ٨٤٩ طبع دار الفتح بيروت ١٣٨٦ هـ.
[ ١٩ ]
والشعب المسلم يضم القاعدة الشعبية على اتساعها وهي التي تضم كل أفراد الأمة الإِسلامية، ثم أن الأمة تفوض السلطة للِإمام [الحاكم] فيكون نائبًا عنها في أعماله وهو بدوره يفوض عنه الوزراء أو الأمراء والولاة والقضاة ونحوهم وبذا تتكون الجماعة القيادية التي تباشر الممارسة الفعلية للحياة السياسية والدستورية (١) الإِسلامية وتسمى: " القوى الشعبية الإِسلامية ". ويمكن أن تسمى القاعدة الشعبية [المحكومون] والقوة الشعبية [الحكام]، وكل عليه واجبات ومسؤوليات يؤديها في ظل نظام معين تسير عليه الجماعة الإِسلامية طبقًا لقواعد موضوعية غرضها الأسمى خدمة الشريعة الإِسلامية.
أما لماذا وصفت الشعوب بـ[المسلمة] بالذات والتحديد؛ لأن غير المسلمين الذين يقيمون إقامة دائمة في الدولة الإِسلامية فهم معاهدون بمعاهدة خاصة تسمى "عقد الذمة"، وهم وإن كانوا من رعايا الدولة الإِسلامية إلَّا أنهم ليسوا من الأمة الإِسلامية (٢)، (٣).
° الأمر الثالث: أنه قد ثار الجدل واحتدم النقاس في الآونة الأخيرة في البلاد التي لا تطبق شرع الله -تعالى- حول الِإجابة على سؤال يطرح نفسه وهو: من المسؤول عن عدم تطبيق الشريعة الإِسلامية في هاتيك البلاد؟
_________________
(١) الدستور: كلمة فارسية معناها: القاعدة التي يعمل بمقضاها وجمعها دساتير. المنجد في اللغة والأعلام ص ٢١٤.
(٢) بتصرف من: النظام الدستوري في الإِسلام لمصطفى كمال وصفي ص ٦٦، ٦٧.
(٣) سيجد القارئ تفصيلًا وافيًا في هذا الكتاب عن الأقليات المسلمة ما لها وما عليها في الدولة الإِسلامية ص ٢٢٥.
[ ٢٠ ]
- فمن قائل بأن الحكام وحدهم الذين نتوجه إليهم بهذه اللائمة.
- ومن قائل لا: بل التبعة والمسؤولية على الذين يقومون بهذا التطبيق من قضاة وغيرهم من المسؤولين.
- ومن قائل بأن الأمة كلها -من القاعدة إلى القمة- مسؤولة عن عدم تطبيق الشريعة الإِسلامية، وهذا هو عين الصواب ومنطق الحق في هذا الموضوع، فإن الإِسلام لابد له من أمة تحمله وسلطة تحميه وهما في كفة واحدة يقومان معًا على وجه التضامن والتكافل بمسؤولية واحدة وإعلاء كلمة واحدة مسؤولية إقامة شرع الله في أرض الله وإعلاء كلمة الله!!
نعم: إن الحكام هم رمز الدولة وقمة السلطة ويستطيعون إذا وضعوا ثقلهم ونفوذهم وسلطتهم وراء مطلب تطبيق الشريعة الإِسلامية أن يفعلوا الكثير والكثير وبأسرع ما يظنه الكثيرون!!.
وعلى كل فرد من الرعية أن يؤمن بهذه الغاية النبيلة وأن يجند نفسه لها؛ لهذا لابد من معرفة ما على الحاكم من واجبات ومسؤوليات نحو الأمة أفرادًا وجماعات وما له عليها من حقوق. وما على المحكوم من واجبات ومسؤوليات، وما له من حقوق في ظل شريعة عادلة يتحمل فيها كل إنسان مسؤوليته بما يتناسب ومكانته عملًا بقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - قال: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول
[ ٢١ ]
عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (١).
ونستطيع على ضوء النصوص الشرعية المتعددة وبعد الِإلمام بما قرره الفقهاء في هذا المجال وبتلمس الواقع العملي، والتطبيقي لمسلك الحكم الإِسلامي الأول في عهد الرسول - ﷺ - والخلفاء الراشدين من بعده ومن جاء بعدهم من كل من وكل إليه من أمر المسلمين شيء من مسؤولية الحكم أو الولاية أو القيادة أو الرعاية أخذًا بمفهوم الحديث السابق: (ألا كلكم راع ) الحديث. نستطيع الآن على ضوء ذلك أن نحدد واجبات ومسؤوليات الحاكم المسلم:
فأقول: إن ولاية أمر المسلمين من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلَّا بها لأن ما أوجبه الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصرة المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلَّا بالِإمارة بل أن الأحكام الأساسية التي يقوم عليها نظام الدولة من اجتماعية واقتصادية وسياسية، وسائر ما جاء به الدين الإِسلامي في أشد الحاجة إلى حاكم يدبر أمر الأمة فيها وينفذها ومن ثم كان تنصيب إمام عام وحاكم منفذ تسمع له الأمة وتطيع واجبًا شرعيًا يوجبه الدين لتجتمع كلمة الأمة وتنفذ أحكام الشريعة التي هي المنهج الإِلهي الذي تساس الأمة بأحكامه (٢).
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه ٣/ ١٤٥٩ كتاب الإمارة - باب ٥ حديث رقم ١٨٢٩، ط. ١٤٠٠ هـ طبع ونشر الرئاسة العامة للبحوث العلمية السعودية.
(٢) انظر: موسوعة سماحة الإِسلام لعرجون ٢/ ٥٥٨، ط. الثانية ١٤٠٤ طبع الدار السعودية للنشر والتوزيع.
[ ٢٢ ]
يقول ابن تيمية - رحمه لله -: "ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام للدين إلَّا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلَّا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد عند الإجتماع من رأس" (١).
ويقول إمام الحرمين "الجويني" في وجوب نصب الإمام: (ولا يرتاب من معه مسكة من عقل أن الذب عن الحوزة والنضال دون حفظ البيضة محتوم شعرًا ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع ولا يزعهم وازع ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تفنن الآراء وتفرق الأهواء لانتثر النظام وهلك العظام وفشت الخصومات وتبددت الجماعات وما يزع الله بالسلطان، أكثر مما يزع بالقرآن) (٢).
• • •
_________________
(١) السياسة الشرعية ص ١٦٩. طبع دار الكتاب العربي - لبنان.
(٢) انظر: غياث الأمم في الْتياث الظلم ص ٢٣، ٢٤، لإمام الحرمين الجويني. الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ. مطابع نهضة مصر - القاهرة.
[ ٢٣ ]