إن مما يحمل على تطبيق الشريعة الإِسلامية -بل يعد دافعًا ومحركًا قويًا وعنصرًا فعالًا في تطبيقها- الإِيمان بخصائص هذه الشريعة سواء فيما يتعلق بالأصول والقواعد أم بالمبادئ والفضائل أم بالمناهج والوسائل أم بالأهداف والغايات بمعنى أن الإِيمان بالإِسلام يعني الإِيمان به عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
وأُسس هذه العقيدة وركيزتها الإِيمان بالله ولن يتحقق الإِيمان إلَّا إذا صدقه العمل، فإذا وقر في وجدان المسلم بل والأمة جميعها ظهرت آثاره وانبسطت شعابه في واقع الحياة، وطريق الإِيمان بالله هو هدى الله المنزل على عبده المرسل محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - وبذل المسلم وسعه في طاعته واتباعه والعمل بشريعته هو عنوان السعادة في الدنيا والآخرة. ولن تُستكملَ مسيرة الإِيمان حتى يعتقد المسلم اعتقادًا لا يساوره فيه شك أن الشريعة التي جاء بها محمد بن عبد الله شريعة عامة خالدة صالحة للِإنسان في كل زمان ومكان وأنها دعوة الله للِإنسانية كلها ولسائر أجناس البشر لا فرق في ذلك بين أبيضهم وأسودهم أو بين غنيهم وفقيرهم ورئيسهم ومرؤوسهم والرجل والمرأة في دعوة الله سواء وخطاب الله موجه إلى الناس
[ ٥١ ]
كافة وأنها -أي الشريعة- نظم متكامل متسق ليس بها نقص يستدعي الِإكمال ولا قصور يستدعي الِإضافة ولا محلية ولا زمانية تستدعي التطوير أو التحوير، فأيما جانب من هذه الجوانب السابقة يحيد فيه المرء عن طاعة الله ويتولى فيها عن شريعته يعد نكثًا لعهد الإِيمان وفسقًا عن الدين وانحرافًا عن الصراط المستقيم.
وكذا الإِيمان بالله ورسوله وشرعه يستوجب الإِيمان بأن الإِسلام هو آخر الشرائع السماوية إلى البشر وأن محمدًا خاتم النبيين وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع السابقة وأن الأمة المسلمة قد اختارها الله من بين الأمم لتتلقى تراث الرسالة كله وتقوم على دين الله في الأرض.
ومن آيات عمومها وخلودها وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان يسرها وسماحتها ومرونتها وتطورها وسعتها ووفائها بحاجات البشر في كل زمان ومكان، ومن مظاهر اليسر والسماحة في هذه الشريعة الغراء: مشروعية الرخص بعمومها والتكليف بما في الطاقة والوسع وإجراء الأحكام على وفق الظاهر والأخذ بالعرف وما ينبني عليه من تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمنة
والأمكنة والأعراف.
ولا يجوز في شريعة الإِسلام الأخذ بكل ما ذكر والِإيمان به من عقيدة وشريعة مع إغفال تلك الجوانب العملية التي إذا استقامت على قواعدها الأمة الإِسلامية انتظم أمرها والتأم شملها وتوحدت كلمتها وقويت شوكتها وأول هذه الجوانب العملية والدعامات التطبيقية في قواعد الشريعة الإِسلامية ومنهج الحكم الإِسلامي [الشورى] ثم تأتي بقية الجوانب والدعامات كالعدالة] [والمساواة] إلخ.
[ ٥٢ ]
وإليك هذه القواعد والأسس مجملة في المباحث الآتية.
أولًا: الإِيمان بالله -تعالى-.
ثانيًا: الإِيمان برسالة محمد - ﷺ - وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين.
ثالثًا: الإِيمان بعموم الشريعة وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
رابعًا: الإِيمان بكمال الشريعة ووفائها بحاجات البشر في كل زمان ومكان.
خامسًا: الإِيمان بأن الشريعة الإِسلامية خاتمة الشرائع وأنها ناسخة لكل الشرائع التي تقدمتها.
سادسًا: الإِيمان بيسر الشريعة وسماحتها ومرونتها واتساعها لحاجات البشر في كل عصر ومصر.
سابعًا: الإِيمان بالقواعد والأسس التي قامت عليها الشريعة الإِسلامية كالشورى والعدالة والمساواة إلخ.
وسنفصل فيما يلي كل مبحث من هذه المباحث على حدة.
[ ٥٣ ]