يا لله من عصر تُقْلَبُ فيه الحقائق وينسى فيه أنصار الإِسلام أنهم الذادون عن عرضه وحماه، فهذا الجم الغفير من المسلمين تسود بينهم العادات والتقاليد البالية وتنتشر بين ربوعهم المبادئ الهدامة، والأفكار الفاسدة الخطرة على الدين والأخلاق!!
وتلك كثرة كاثرة من المسلمين تصاغ حياتها وفق أنماط متناقضة فهناك صياغة علمانية وأخرى اشتراكية لا دينية وثالثة ديمقراطية رجعية!!
ومرجع هؤلاء وأولئك قانون ملفق من شرائع شتى ومرقع من قوانين كثيرة كالقانون، الفرنسي، والقانون البلجيكي، والأمريكي وغير ذلك من القوانين الوضعية الهدامة التي غالبًا ما تبارك المنكر وتؤيد الفساد وتحل ما حرم الله وتحرم ما أحله!!
والإِسلام -بشموله وعمومه وأسسه وخصائصه- غائب عن الساحة غريب في أوطانه منكور بين أهله معزول عن الحكم والتشريع!!
والحكام الذين حملهم الله المسؤولية عن شعوبهم المسلمة يسيرون في وادٍ غير وادي الإِسلام يوالون من عادى الله ويعادون من والى الله.
[ ١٧٣ ]
نعم: إن الأمة الإِسلامية قد ابتليت بحكام ظالمين -إلَّا من رحم الله- لا يشجعون مسلمًا يخدم الإِسلام بل يتنمَّرون لكل من يخدم الإِسلام ويعمل للإِسلام لأنهم حريصون عل أن يصبغوا دولهم بغير صبغة الإِسلام تقربًا إلى أعداء الله وإرضاء لمن يحاربون الله؛ فتراهم يجرؤن على استمداد التشريع من غير ما شرع الله زاعمين أنهم يختارون الخير لشعوبهم ويوائمون بين ظروفهم والتشريع الذي ينشؤونه من عند أنفسهم ساء ما يزعمون ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ (١) الآية.
ويدَّعي بعضهم أن القوانين الوضعية تساير التجدد والتطور، وتتناول الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال وأن الشريعة الإِسلامية أحكامها جامدة وقواعدها لا تفي بحاجات العصر الذي نعيش فيه -ساء ما يحكمون- وربما يجحد بعضهم حكم الله بالكلية زاعمًا أن الدين صلة بين العبد وربه وليس له صلة بشؤون التشريع والحكم والقضاء -ساء ما يفترون- ويحتج البعض الآخر منهم بأن القوانين الوضعية أفضل وأهدى وأنها بسبيل الرقى والتقدم أوفق وإليه أسبق:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ (٢).
وقد يدفع الظن والجهل بعض الحكام فيعتقد أن تحكيم القوانين
_________________
(١) سورة الشورى: آية ٢١.
(٢) سورة النساء: آيات ٦١، ٦٢، ٦٣.
[ ١٧٤ ]
الوضعية كتحكيم الشريعة الإِسلامية ولا فرق بينهما، أو تحمله شهوته وهواه على الحكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى" (١).
وبعدُ: فتلك حال أكثر حكام البلاد الإِسلامية اليوم وحال من يحكمونهم وقبل أن نفند ما سبق من دعاواهم ونبين حكم الله فيهم: نقرر حقيقة لا مجال للشك أو المجاملة فيها وهي أن:
كثيرًا من قادة وحكام البلاد الإِسلامية مسلمون ومنهم متدينون، ولكن من المؤسف حقًا أنهم لا يعلمون من الإِسلام إلَّا القشور، بل إن إسلامهم لا يزيد عن إسلام الجهلة والعوام إنهم لا يعرفون عن الإِسلام إلَّا أنه صوم وصلاة وزكاة وحج، وليس وراء ذلك من مطلب فنقول: هؤلاء لا يخلو حالهم من أمرين:
الأمر الأول: إمَّا أنهم يجهلون أحكام ما أنزل الله على رسوله، وعلى هؤلاء أن يعوا جيدًا أن جهلهم قد أودى بهم وبشعوبهم في مهاوي الهلكة وكان سببًا في تخلفهم وتعاستهم!!.
والأمر الثاني: أنهم يعلمون أحكام الشريعة ولكنهم يتجاهلونها أو يجحدونها ظلمًا وعلوًا، وهؤلاء قد نقضوا عهد الله، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، واستنكفوا عن عبادة الله وأفسدوا في الأرض بعد أن أكرمهم الله ومكَّن لهم وجعلهم حكامًا على الناس، وهؤلاء يصدق عليهم قول الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
_________________
(١) تحكيم القوانين الوضعية، للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ص ٥، ٦.
[ ١٧٥ ]
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ (١)، وقوله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾ (٢).
لهذا: كان الحكم بغير ما أنزل الله ليس على درجة سواء ويمكن تقسيمه إلى قسمين:
* القسم الأول: يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا مخرجًا عن الملة.
وهذا هو المبحث الأول.
* القسم الثاني: يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا غير مخرج عن الملة. وهذا هو المبحث الثاني.
• • •
_________________
(١) سورة الرعد: آية ٢٥.
(٢) سورة فاطر: آية ٣٩.
[ ١٧٦ ]