٢ - الصَّنف الثاني: الذين أطاعوا المُبدِّلين المغيرين لشرع الله. ويأتي تفصيل الكلام على هؤلاء (١).
فأما الصِّنف الأَول وهم الذين شرَّعوا القوانين الوضعية والذين يتحاكمون إليها ويرضون بها فهؤلاء قد صرح القرآن الكريم بأنهم كافرون وظالمون وفاسقون (٢) .. قال -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ
_________________
(١) انظر ص ١٩٠ وما بعدها.
(٢) انظر في هذا التقسيم: الشريعة الإِلهية لا القوانين الجاهلية للأشقر ص ١٧٩: ١٩٠ "بتصرف".
[ ١٧٧ ]
قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (١).
وقال - تعالىَ -: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٢).
فمن لم يحكم بما أنزل الله تعالى من أي جيل ومن أي قبيل فهو كافر برفضه ألوهية الله -تعالى- وخصائصها ممثلًا هذا في رفضه شريعة الله تعالى وجحودها أو المماحكة والتأويل والتأول ومحاولة المراوغة والتهرب من تطبيقها.
وهو ظالم: بحمله الناس على شريعة هي غير التي شرعها لهم ربهم وخالقهم صالحة مُصْلِحةً لأحوالهم هذا فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة وتعريض حياة الناس -وهو معهم- للفساد، لأنه جاوز حق الإِنسان واعترض على حق خالص لله -تعالى-.
وهو فاسق: بالخروج عن شرع الله واتباع طريق غير طريقه، إذ ليس لأحد من خلق الله كائنًا من كان أن يشرع لأحد، فالته وحده هو الذي يشرع لعباده ما يتناسب ويتناسق مع فطرتهم وطبيعتهم ويتناسب مع طبيعة الكون الذي يعيشون فيه، فالحكم له وحده، وهو خير الحاكمين .. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (٣).
_________________
(١) سورة المائدة: الآيتان ٤٤، ٤٥.
(٢) سورة المائدة: آية ٤٧.
(٣) سورة الأعراف: آية ٥٤.
[ ١٧٨ ]
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزله الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلًا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر فإنه ما من أمة إلَّا وهي تأمر بالعدل، وقد يكون العدل في ديدنها ما رآه أكابرهم. بل كثير من المنتسبين إلى الإِسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف "البادية" وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي أن يحكم به دون الكتاب والسنَّة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن لا يحكمون إلَّا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلَّا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار لأن الإِنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله") (١).
وقال ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول - ﷺ - فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ٣/ ٢٦٧.
[ ١٧٩ ]
عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا" (١).
وقال العلَّامة الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر نتفًا من "ألياسا" (٢) التي كان يحكم بها التتار: قال: ( وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله - ﷺ - الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر. فكيف بمن تحاكم إلى "الياسا" وقدمها عليه من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين .. قال الله -تعالى-: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٤) (٥).
ويقول -﵀- في تفسير قوله -تعالى-: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ
_________________
(١) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٥٠ - مطابع السعادة بمصر - الطبعة الأولى ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م.
(٢) وتسمى الياسق: وهو كتاب مجموع من أحكام مقتبسة من شرائع شتى وسيأتي التعريف به في قول ابن كثير بعده.
(٣) سورة المائدة: الآيتان ٥٠.
(٤) سورة النساء: آية ٦٥.
(٥) انظر: البداية والنهاية، لإبن كثير -﵀- ١٣/ ١١٩ - مكتبة المعارف - بيروت - ومكتبة النصر بالرياض - الطبعة الأولى ١٩٦٦ م.
[ ١٨٠ ]
يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١)، يقول: "ينكر تعالى على من خرج على حكمه تعالى المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يصنعونها بآرائهم وأهوائهم. وكما يحكم به التتار من السياسات المَلَكِيَّة المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم (الياسق) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإِسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بالكتاب وسنَّة رسول الله - ﷺ - فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير" (٢).
وقال ابن الجوزي -﵀-: ( وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود، فهو كافر ومن لم يحكم به ميلًا إلى الهوى من غير جحود فهو ظالم فاسق وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم) (٣).
وقد ارتضى هذا المذهب أبو جعفر الطبري في "جامع البيان في تفسير
_________________
(١) سورة المائدة: آيتان ٥٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، لإبن كثير -﵀- ٢/ ٦٧ - الطبعة الثالثة ١٣٧٥ هـ - مطابع الإستقامة بالقاهرة.
(٣) انظر: زاد المسير في علم التفسير لإبن الجوزي ٢/ ٣٦٦ - طبع ونشر المكتب الإِسلامي، بيروت دمشق - الطبعة الأَولى.
[ ١٨١ ]
آي القرآن فإنه قال: ( فكل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فهو بالله كافر كما قال ابن عباس لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي) (١).
وقال الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (وهذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإِسلام السافرو العداوة هي في حقيقتها دين آخر، جعلوه دينًا للمسلمين بدلًا من دينهم النقي السامي لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها، والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيرًا كلمات لا تقديس القانون"، "قدسية القانون"، "حرمة المحكمة" وغير ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإِسلامية، وآراء الفقهاء الإِسلاميين، بل هم حينئذٍ يصفونها بكلمات "الرجعية"، و"الجمود"، و"الكهنوت"، و"شريعة الغاب" إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين).
ثم بيَّن، -﵀-، أن المسلمين انحدروا درجة وتجرؤوا على الموازنة بين دين الإِسلام وشريعته وبين دينهم المفترى الجديد قال: (وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأَساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإِسلام سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئًا من أحكام الشريعة وما خالفها وكله باطل وخروج؛ لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة، لا اتباعًا لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف
_________________
(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٠/ ٣٥٨، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري - تحقيق وضبط وتعليق محمود وأحمد محمد شاكر.
[ ١٨٢ ]
مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار، لا يجوز لمسلم أن يخضع له، ويرضى به" (١).
وقال -﵀- في موضع آخر: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس وهي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإِسلام - كائنًا من كان -في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها فليحذر أمرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه" (٢).
ثم يصور حالة العالم الإِسلامي في وقته وما ابْتُلِيَ به المسلمون من جراء هذه القوانين الفاسدة فقال: (والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنَّة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله بل بلغ الأمر مبلغ الإحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها) (٣).
وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي -﵀- في أضواء البيان في قوله -تعالى-: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ (٤) .. قال -﵀-: "قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ بالياء المثناة التحتية وضم الكاف على الخبر، ولا نافية والمعنى: ولا يشرك الله - جل
_________________
(١) عمدة التفيسر ٢/ ٢١٤، ٢١٥.
(٢) عمدة التفسير ٢/ ١٧٢، ١٧٤.
(٣) انظر: تعليق الشيخ أحمد شاكر على تفسير ابن جرير الطبري ١٠/ ٣٤٩ - تفسير سورة المائدة: آية ٤٤.
(٤) سورة الكهف: آية ٢٦.
[ ١٨٣ ]
وعلا- أحدًا في حكمه بل الحكم له وحده -جل وعلا- لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله -تعالى- والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأ ابن عامر من السبعة "ولا تشرك" بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي أي لا تشرك يا نبي الله. أو لا تشرك أيها المخاطب أحدًا في حكم الله -جل وعلا- بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم. وحكمه -جل وعلا- المذكور في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ شامل لكل ما يقضيه -جل وعلا-، ويدخل في ذلك التشريع دخولًا أوليًا. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينًا في آيات أخر وبعد أن ساق -﵀- النصوص الدالة على أن الحكم لله وحده لا شريك له فيه وأن تحكيم القوانين الوضعية شرك قال: وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائ ٥ مخالفة لما شرعه الله -جل وعلا-على ألسنة رسله - صلوات الله وسلامه عليهم -، وأنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلَّا من طمس الله بصيرته وأعماه عن اتباع نور الوحي مثلهم.
ثم بيَّن -﵀- أن هناك فرقًا بين ما يتغير بتغير الأزمان والأحوال وبين ما هو ثابت لا يتغير مهما تغيرت الأحوال والظروف في كل زمان فقال: اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك. وإيضاح ذلك أن النظام قسمان إداري وشرعي:
أما الإِداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف
[ ١٨٤ ]
للشرع فهذا لامانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.
وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم إلخ.
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بمصالحها - ﷾ - عن أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا قال -تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ الآية (١).
وقد أطال -﵀- في تفسير قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ (٢)، ومن جملة ما بينه في هذه المسألة قال "ومن هدي القرآن للتي هي أقوم. بيانه أن كل من اتبع تشريعًا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج عن الملة الإِسلامية) (٣).
_________________
(١) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٤/ ٨٢، ٨٣، ٨٤.
(٢) سورة الإِسراء: آية ٩.
(٣) أضواء البيان ٣/ ٤٣٩.
[ ١٨٥ ]
هذا: وممن كتب في هذا الموضوع سماحة العالم الجليل الثبت الثقة العلامة السلفي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية كتب رسالة بعنوان: "وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه".
وجاء في مقدمتها قول سماحته: "هذه رسالة موجزة، ونصيحة لازمة في وجوب التحاكم إلى شرع الله والتحذير من التحاكم إلى غيره كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنَّة رسوله من العرَّافين والكهان وكبار عشائر البادية، ورجال القانون الوضعي، وأشباههم؛ جهلًا من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاداة ومحادة لله ورسوله من آخرين.
ثم تعرَّض سماحته لبيان الغاية من خلق الجن والإِنس وأورد الأدلة الدالة على أنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وبين -أيده الله- أن العبادة تقتضي الإنقياد التام لله تعالى أمرًا ونهيًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله: يُحل ما أحل الله ويُحرم ما حرم ويخضع في سلوكَه وأعماله كلها وتصرفاته لشرع الله متجردًا من حظوظ نفسه ونوازع هواه، يستوي في هذا الفرد والجماعة والرجل والمرأة، لا يكون عابدًا لله من خضع لربه في بعض جوانب حياته وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى. وقد أورد حفظه الله النصوص التي تؤيد هذا المعنى كقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١).
_________________
(١) سورة النساء: آية ٦٥.
[ ١٨٦ ]
وقوله -﷾-: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١). وقد أفاض سماحته فيها وأجاد وبين المراد فليرجع إليها (٢).
وحول سؤال ورد إلى سماحته لبيان ما يراه في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين مع وجود القرآن الكريم والسنَّة المطهرة بين أظهرهم؟! فأجاب سماحته:
رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله، ويرون شريعة الله غير كافية، ولا صالحة للحكم في هذا العصر هو ما قال -﷾- في شأنهم حيث يقول -﷾-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣).
ويقول -﷾-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٤).
إذن فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله لا شك أنهم يخرجون
_________________
(١) سورة المائدة: آية ٥٠.
(٢) قد طبعت طبعتها الرابعة سنة ١٤٥١ هـ - ١٩٨١ م وصدرت عن الرئاسة العامة للبحوث والِإفتاء والدعوة والإِرشاد - السعودية. وانظرها في مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ص ٧٧، ٩٢.
(٣) سورة النساء: آية ٦٥.
(٤) سورة المائدة: آية ٤٤.
[ ١٨٧ ]
بذلك عن دائرة الإِسلام، ويكونون بذلك كفارًا ظالمين فاسقين كما جاء في الآيتين السابقتين وغيرهما والله الموفق" (١).
كما ورد إلى سماحته سؤال من أحد الأخوة وملخصه: ما حكم الذين يطالبون بتحكيم المبادئ الإشتراكية والشيوعية ويحاربون حكم الإِسلام وما حكم الذين يساعدونهم في هذا المطلب، ويذمون من يطالب بحكم الإِسلام ويلمزونهم ويفترون عليهم، وهل يجوز اتخاذ هؤلاء أئمة وخطباء في مساجد المسلمين؟
فأجاب سماحته:
"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه: (لا ريب أن الواجب على أئمة المسلمين وقادتهم أن يحكموا الشريعة الإِسلامية في جميع شؤونهم، وأن يحاربوا ما خالفهم وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الإِسلام، وليس فيه نزاع بحمد الله، والأدلة عليه من الكتاب والسنَّة كثيرة معلومة عند أهل العلم.
وبعد أن ذكر سماحته بعض النصوص من القرآن الكريم قال: والآيات في هذا المعنى كثيرة قال وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله أو أن هدي غير رسول الله، أحسن من هدي الرسول ﷺ - فهو كافر.
كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال، وبما ذكرنا من الأدلة
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز ١/ ٢٧٥ - طبعة أولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م - الرئاسة العامة لإِدارات البحوث العلمية والإِفتاء.
[ ١٨٨ ]
القرآنية وإجماع أهل العلم يعلم السائل وغيره أن الله ين يدعون إلى الاشتراكة أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإِسلام كُفار ضُلَّال أكفر من اليهود والنصارى لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يجوز أن يجعل أحد منهم خطيبًا وإمامًا في مسجد من مساجد المسلمين ولا تصح الصلاة خلفهم وكل من ساعدهم على ضلالهم وحسَّن ما يدعون إليه وذم دعاة الإِسلام ولمزهم فهو كافر ضال حكمه حكم الطائفة الملحدة التي سار في ركابها وأيدها في طلبها وأرجو أن يكون فيما ذكرنا كفاية ومقنع لطالب الحق والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويجمع كلمتهم على الحق وأن يكبت أعداء الإِسلام ويفرق جمعهم ويشتت شملهم، ويكفي المسلمين شرهم. أنه على كل شيء قدير، وصلَّى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" (١).
• • •
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ١/ ٢٧٣، ٢٧٤.
[ ١٨٩ ]