١٥ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن الجعد بن عبد الرحمن، قال: سمعت السائب بن يزيد، يقول:
«ذهبت بى خالتى إلى النّبىّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنّ ابن أختى وجع.
فمسح ﷺ رأسى، ودعا لى بالبركة، وتوضّأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زرّ الحجلة».
ــ
(باب ما جاء فى) شأن وقدر ولون. (خاتم النبوة) بفتح التاء وكسرها كما مر، والمراد به هنا: الأثر الحاصل له بين كتفيه، لمشابهة الخاتم الذى يختم به، وهو الطابع، وإضافته للنبوة لدلالته عليها، قيل: أو لكونه ختما عليها يختمها وما فيها أو ختم عليها لإتمامها كما تتم الأشياء ثم يختم عليه وقيل: إنه من قبيل خاتم فضة كأنه ذلك الخاتم أيضا من نبوته. انتهى. وفى ذلك كله تكلف لا يخفى.
١٥ - (حاتم) كقاسم. (الجعد) بفتح الجيم وسكون المهملة وبدال مهملة. (وجع) فى لحم القدم لكن مقتضى مسحه ﷺ لرأسه أن مرضه كان برأسه، وقد يجاب: بأنه لا مانع أن يكون به المرضان، وآثر ﷺ مسح الرأس لأنه أشرف (رأسى) ورد عند البيهقى وغيره: «أن أثر مسحه من رأس السائب لم يزل أسود مع شيب ما سواه من رأسه» (١)، وفيه: أنه ينبغى لعائد المريض مسح محل الوجع منه، إذا كان ممن يتبرك بمسحه. (ودعا لى بالبركة) أى فى العمر برعاية المقام أو فى غيره معه أو وحده. (وضوئه) بفتح الواو وهو من حيث هو ما اتخذ للوضوء بالضم، أو ما فضل منه، أو ما استعمل فيه.
(وقمت خلف ظهره) أى تحريا لرؤية الخاتم، أو اتفاقا، فوقع نظره عليه. (فنظرت إلى الخاتم) لانكشاف محله أو لكشفه ﷺ له ليراه. (بين كتفيه) حال من الخاتم أو ظرف لنظرت. قال القاضى: وهو أثر شق الملكين بين الكتفين، واعترضه النووى بأن ما قاله
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى «المناقب» (٣٦٤٣) بسنده ومتنه سواء. ورواه البخارى (١٩٠)، (٣٥٤١)، (٥٦٧٠)، (٦٣٥٢)، ومسلم (٢٣٤٥)، من طريق الجعد بن عبد الرحمن به فذكره نحوه.
(٢) رواه البيهقى فى «دلائل النبوة» (١/ ٢٥٩).
[ ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باطل لأن شقهما إنما كان فى صدره وبطنه انتهى (١)، ويؤيده خبر مسلم عن أنس. «فلقد كنت أرى أثر المخيط فى صدره» (٢)، وانتصر بعضهم للقاضى فأوّل عبارته بما يصححها وإن كانت تنبو عنه وهو أن سبب التغليط فهم أن بين الكتفين متعلق بالشق، وليس كذلك، بل بأثر الختم لخبر أحمد وغيره «أنهما لما شقا صدره قال أحدهما للآخر: خطه فخاطه، واختم عليه بخاتم النبوة» (٣) فلما ثبت أنه بين كتفيه حمل القاضى ذلك على أن الشق لما وقع فى صدره، ثم خيط حتى التأم، كما كان ووقع الختم بين كتفيه، كان ذلك أثر الخاتم والبينة المذكورة تقريبية، وإلا فالصحيح أنه كان عند أعلى كتفه الأيسر. قال السهيلى (٤): وسيأتى التصريح به فى خبر مسلم، أو فى رواية: «أنه كان عند كتفه الأيمن»، والأول أرجح وأشهر فوجب تقديمه. واختلفوا: هل ولد به أو وضع بعد ولادته؟ قولان: لكن فى حديث البزار وغيره بيان وقت وضعه، وكيف وضع ومن وضعه وهو «قلت: يا رسول الله كيف علمت أنك نبى؟ وبم علمت حتى استيقنت؟ قال: «أتانى اثنان وفى رواية: «ملكان» وأنا ببطحاء مكة، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطنى، فأخرج قلبى فأخرج منه مغمر الشيطان، وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه الملا، ثم قال أحدهما لصاحبه:
خط بطنه فخاط بطنى وجعل الخاتم بين كتفى كما هو الآن، ووليا عنى، فكأنى أرى الأمر معاينة» وعند أبى نعيم: «أنه لما ولد أخرج الملك صرة من حرير أبيض فيها خاتم، فضرب على كتفيه كالبيضة» وأخرج الحاكم عن وهب بن منبه: «لم يبعث الله نبيا إلا
_________________
(١) انظر: شرح الإمام النووى على مسلم (١٥/ ٩٩)، وهو قول القرطبى أيضا فى المفهم شرح صحيح مسلم كما نقل المناوى فقال: وهل ولد به أو وضع حين ولد أو عند شق صدره وهو صغير أو أنبأ؟ أقوال، قال الحافظ ابن حجر: أثبتها الثالث، وبه جزم القاضى عياض، لكنه بما لا يرتضى؟ حيث قال: هو أثر شق الملكين بين الكتفين وذلك كما قال النووى والقرطبى: باطل؛ لأن الشق فى صدره وبطنه، وتأويله بين الكتفين متعلق بأثر الختم لا بالشق حتى نفذ من وراء ظهره، ولو ثبت كونه مستطيلا، وهذه غفلة من الإمام! ولعله تحريف من نساخ كتابه، فإنه لم يسمع عليه فيما علمت. انتهى.
(٢) رواه مسلم فى الإيمان (٢٦٤)، وكذلك رواه البخارى فى مناقب الأنصار (٣٨٨٧).
(٣) رواه أحمد فى المسند (٤/ ٢٥٤،٢٥٥).
(٤) انظر: الروض الأنف له (١/ ٢٠٦،٢٠٧).
[ ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعليه شامات النبوة فى يده اليمنى، إلا نبينا، فإن شامات النبوة بين كتفيه، وعليه فوضع الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص على سائر الأنبياء». (مثل زر) بالزاى والراء. (الحجلة) بمهملة فجيم واحد الحجال، وهى نبت كالقبة لها أزرار وعرى، هذا هو الصواب كما قاله النووى، وقال بعضهم: المراد به الطائر المعروف، وزرها بيضها، وأسلم إليه المصنف وأنكر عليه العلماء لأن الزر لم يأت بمعنى البيض وحمله على الاستعارة تشبيها لبيضها بأزرار الحجال إنما يصار إليه إن ورد ما يصرف اللفظ عن ظاهره، وأما إذا لم يرد ذلك فلا ينبغى صرفه عن ظاهره المتبادر إلى هذا الخفى البعيد، ورواية: «لبيض الحمام» الآتية لا تؤيد ذلك الصرف، خلافا لمن زعمه، وكونه «كزر الحجلة» رواه البخارى وزاد: «وكان ينم مسكا أيضا» وفى مسلم: «جمع» أى: بضم فسكون. «عليه خيلان كأمثال الثآليل السود عند نفض كتفيه» أى بنون فمعجمتين أعلى كتفه، وقيل: عظم رقيق بطرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، وسيأتى عن المصنف بعضه، وفى مسلم أيضا: «كبيضة الحمام». وفى صحيح الحاكم: «شعر مجتمع» (١) وللبيهقى: «مثل السلعة» (٢)، وللمصنف كما يأتى: «بضعة ناشزة»، وللمصنف والبيهقى: «كالتفاحة» ولابن عساكر: «كالبندقة»، والسهيلى: «كأثر المحجم القابضة على اللحم» (٣) ولابن أبى خيثمة: «شامة خضراء محتفرة فى اللحم» وله أيضا: «شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف فرس» (٤)، وللقضاعى:
_________________
(١) رواه الحاكم فى المستدرك (٢/ ٢٠٦)، وصححه ووافقه الذهبى. وسيأتى تخريجه حديث رقم (١٩).
(٢) رواه الإمام أحمد فى المسند (٢/ ٢٢٦،٢٢٧،٢٢٨)، (٣/ ٤٣٥)، والبيهقى فى الدلائل (١/ ٢٦٥).
(٣) انظر: الروض الأنف له (١/ ٢٠٦).
(٤) ذكره الصالحى فى «سبل الهدى» (٢/ ٦٦)، وعزاه لابن أبى خيثمة فى تاريخه عن بعضهم، وقال فى «التنبيهات» (٢/ ٧٢) من كتابه «سبل الهدى»: قال الحافظ: ما قيل إن الخاتم كان كأثر محجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليها «لا إله إلا الله محمد رسول الله» أو: سر فإنك المنصور، ونحو ذلك، فلم يثبت من ذلك شىء ولا يغير بما وضع فى صحيح ابن حبان فإنه غفل حيث صحح ذلك. وقال القطب فى «المورد» والمحب بن الشهاب بن الهائم فى «الغرر»: إنه حيث باطل. . اه.
[ ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«ثلاث شعرات مجتمعات» (١) وللترمذى الحكيم: «كبيضة حمام مكتوب بباطنها الله وحده لا شريك له، وبظاهرها توجه حيث كنت فإنك منصور» (٢)، ولابن عائذ: «كان من نور يتلألأ»، ولابن أبى عاصم: «عذرة كعذرة الحمام» (٣) أى قرطمية وقرطمتان بكسر القاف نقطتان على أصل منقاره، وفى تاريخ نيسابور: «مثل البندقة مكتوب فيها باللحم محمد رسول الله» (٤)، وروى عن عائشة: «كثنية صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكان مما يلى القفار» قال فى فتح البارى ورواية: «كأثر المحجم، أو كشامة خضراء، أو سوداء مكتوب فيها محمد رسول الله، أو سر فإنك المنصور» لم يثبت منها شىء، وتصحيح ابن حبان ذلك وهم، وقال صاحبه الحافظ الهيثمى: إن رواية كتابة محمد رسول الله اختلط عليه، هذا خاتمه الذى كان يختم به، وقال بعض العلماء: وليست هذه الرواية، مختلفة حقيقة، بل كل شبّه بما سنح له، وتلك الألفاظ كلها مؤداها واحد، وهو قطعة لحم، ومن قال: شعر، فإن الشعر عليه متراكب عليه كما فى الرواية الأخرى. وقال القرطبى: الأحاديث الثابتة تدل على أن خاتم النبوة، كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قل جعل كبيضة الحمام، وإذا كبر جعل كجمع اليد وقال القاضى: رواية «جمع الكف» تخالف «بيضة الحمام، وزر الحجلة» فتتأول على وفق الروايات الكثيرة أى كهيئة الجمع لكنه أصغر منه فى قدر بيضة الحمامة. «عذرة» هى قطعة من اللحم المرتفعة.
_________________
(١) ذكره الصالحى (٢/ ٦٦) وقال: رواه القضاعى فى «تاريخه»
(٢) ذكره الصالحى أيضا (٢/ ٦٦) وقال: رواه الحكيم الترمذى وأبو نعيم، ثم قال فى «التنبيهات» من كتابه (٢/ ٧٢): قال فى «المورد»: وهو حديث باطل، ونقل أبو الخطاب أبو دحية ﵀ عن الحكيم الترمذى أنه قال: كان الخاتم الذى بين كتفى رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمامة مكتوب فى باطنها «الله وحده» وفى ظاهرها: «توجه حيث شئت فإنك منصور». قال أبو دحية: وهذا غريب واستنكروه اه.
(٣) ذكره الصالحى فى «سبل الهدى» (٢/ ٦٧)، وعزاه لابن أبى عاصم فى «السيرة».
(٤) رواه ابن حبان فى صحيحه (٦٣٠٢)، من حديث ابن عمر ﵄ قال: كان خاتم النبوة فى ظهر رسول الله ﷺ مثل البندقة من لحم، عليه مكتوب محمد رسول الله ﷺ. قلت: وفى إسناده راو ضعيف وهو إسحاق بن إبراهيم السمرقندى.
[ ٨٣ ]
١٦ - حدثنا سعيد بن يعقوب الطّالقانى، حدثنا أيوب بن جابر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال:
«رأيت الخاتم بين كتفى رسول الله ﷺ غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة».
١٧ - حدثنا أبو مصعب المدينى، أخبرنا يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدته رميثة، قالت:
«سمعت رسول الله ﷺولو شاء أن أقبّل الخاتم الذى بين كتفيه من، لفعلت- يقول لسعد بن معاذ يوم مات: اهتزّ له عرش الرّحمن».
ــ
١٦ - (حمراء) أى مائلة إلى الحمرة فيكون فى لون بدنه، قيل: وفيه رد لرواية أنها سوداء وخضراء انتهى، ولا رد فيه، لأن حمرتها بالنسبة للون جلدها، وخضرتها وسوادها بالنسبة لما فيها وحواليها من الشعر.
١٧ - (المدينى) فى الصحاح النسبة لطيبة مدنى ولمدينة المنصور مدينى ولمدائن تسرى مدائنى وعليه فالمدينى: هنا لا يصح لأنه من طيبة نعم قال البخارى: المدينى من أقام بطيبة، ولم يفارقها، والمدنى: من أقام بها ثم فارقها، وعليه يصح ذلك. (الماجشون) بفتح الجيم وضم الشين المعجمة. (سمعت رسول الله) أى كلامه. (ولو شاء أن أقبل الخاتم الذى بين كتفيه) فيه إثبات الخاتم، وأنه بين الكتفين، أى بالمعنى الذى قدمناه، وهذا هو المقصود من سياق هذا الحديث (من) تعليلية. (يقول) بدل اشتمال من مفعول
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى «المناقب» (٣٦٤٤) سنده ومتنه سواء، ورواه مسلم فى «الفضائل» (٢٣٤٤)، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٩٠،٩٥،٩٨،١٠٤،١٠٧)، والبغوى فى «شرح السنة» (٣٦٥٤)، وابن سعد فى «الطبقات» (١/ ٤٢٥،٤٣٣)، والطبرانى فى «الكبير» (١٩١٨)، (١٩٦٣)، والبيهقى فى «الدلائل» (١/ ٢٣٥،٢٦٢)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٢٩٨)، كلهم من طرق عن سماك بن حرب به فذكره نحوه.
(٢) إسناده: صحيح: رواه الإمام أحمد فى «المسند» (٦/ ٣٢٩)، يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر ابن قتادة به فذكره نحوه. وجملة «اهتز له عرش الرحمن» رواها البخارى فى «مناقب الأنصار» (٣٨٠٤)، ومسلم فى «الفضائل» (٢٤٦٦)، والمصنف فى «المناقب» (٣٨٤٨)، وأحمد فى «المسند» (٣/ ٢٣٤،٢٩٦،٣١٦،٣٤٩)، كلهم من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
[ ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سمعت، أو جملة حالية تبين المحذوف الذى قدرته، وأتى به مضارعا بعد سمع الماضى، إما حكاية لحال وقت السماع، أو لاستحضار ذلك فى ذهن السامع وما ذكرته فى أن فى ذكر سمعت فلانا مضافا محذوفا والجملة بعده تبين المحذوف هو المشهور، وقيل: سمعت يتعدى لمفعولين فلا محذوف بل أولهما فلان، وثانيهما الجملة، واعترض: بأن محل تعديتها لهما إن كانت فيما يظن، وأجيب: بمنع الحصر، نعم قال الزمخشرى (١) فى «سمعنا مناديا» تقول سمعت رجلا يتكلم فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره ولولا الوصف أو الحال لم يكن فيه بد من أن تقول سمعت كلامه. انتهى، وبه يعلم عدم صحة تعديتها لمفعولين؛ لأنه إنما جاز حذف المسموع الذى هو المفعول الأول، لأنه وصف مفعولها بما يسمع، وجعله حالا عنه ولولا ذلك، لصرح به، فافهم كلاما ذكرناه (لسعد ابن معاذ) سيد الأنصار كما أخبر به النبى أى: عنه أو لأجله أو فى حقه لما حكم فى بنى قريظة عقب وقعة الأحزاب التى أصيب فيها بسهم فقطع أكحله بأن يقتل رجالهم، وتقسم أموالهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، ففعل بهم ذلك، لما أنه حكم فيهم بحكم الله، كما أخبر بذلك النبى بقوله: «لقد حكمت فيهم بحكم الله» (٢)، وفى رواية «الملك» بكسر اللام «من فوق سبعة رفعه الله» كما فى رواية أخرى: «من فوق طرف الحكم» ثم انفجر به جرحه عقب ذلك، ومات، وحضر جنازته سبعون ألف ملك (يوم) ظرف ليقول، فيكون من كلام الراوى، وهو الظاهر، أو لاهتزّ، فيكون من كلامه ﷺ (اهتز له عرش الرحمن) رواه الشيخان أيضا أى: تحرك فرحا بقدوم عروجه، وإعلاما للملائكة بفضيلته وموته، لما أن الله جعله فيه تمييزا أدرك به ذلك كما قال تعالى: وَإِنَّ مِنْهالَمايَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللهِ (٣) قال النووى: وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار، أى لأنه جسم يقبل الحركة والسكون والإدراك، وقيل: المراد بالاهتزار:
_________________
(١) انظر: «تفسير الكشاف» للزمخشرى (١/ ٤٥٥).
(٢) رواه البخارى فى الجهاد (٣٠٤٣) وفى الاستئذان (٦٢٦٢)، ومسلم فى الجهاد (١٧٦٨، ١٧٦٩)، وأحمد فى مسنده (٣/ ٢٢) (٦/ ١٤٢)، والبغوى فى شرح السنة (٢٧١٨)، والبيهقى فى السنن الكبرى (٦/ ٨)، (٩/ ٩٧)، وفى دلائل النبوة (٤/ ١٩،٢٦،٢٧)، وابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ١٠٨،١٢٢).
(٣) سورة البقرة آية رقم (٧٤)
[ ٨٥ ]
١٨ - حدثنا أحمد بن عبدة الضبى، وعلى بن حجر، وغير واحد قالوا: ثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال: حدثنى إبراهيم بن محمد-من ولد على بن أبى طالب. قال:
«كان علىّ إذا وصف رسول الله ﷺ فذكر الحديث بطوله، وقال: بين كتفيه خاتم النّبوّة، وهو خاتم النّبيّين».
ــ
الاستبشار والقبول، لا الحركة والاضطراب، وقيل: هذا تعظيم لشأن وفاته، وقيل: هو اهتراز نعشه وإبطاؤه برواية: «عرش الرحمن» وقيل: اهتزاز حملة العرش، ولما حمل فقال المنافقون: ما أخف جنازته، رد عليهم ﷺ بقوله كما رواه المصنف وصححه «إن الملائكة كانت تحمله» (١)، وروى أبو نعيم فى مستخرجه على مسلم: «أنه أهدى للنبى حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال ﷺ: «تعجبون من لين هذه، لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة خير منها وألين» (٢) قال العلماء: هذه إشارة إلى عظم منزلته فى الجنة، إذ المناديل لذى الثياب، لأنه بعد الوسخ والامتهان، فإن كان ألين منها، فما بالك بغيره؟، وقال ﷺ كما عند ابن سعد، وأبى نعيم: «لما مات قبض إنسان من تراب قبره قبضة، فإذا هى مسك، سبحان الله لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها، وضم ضمة، ثم فرج الله عنه».
١٨ - (فذكر) أى على وإبراهيم والأول أقرب.
_________________
(١) إسناده ضعيف: وتقدم برقم (٦).
(٢) رواه الترمذى فى المناقب (٣٨٤٩)، والبغوى فى شرح السنة (١٤/ ١٨٢)، وفى جمع الجوامع للسيوطى (٥٩٣٦)، وذكره ابن حجر فى فتح البارى (٧/ ١٢٤) ذكره التبريزى فى مشكاة المصابيح (٦٢٢٨)، وقالوا: رواه الترمذى (٣/ ١٧٥٧)، وذكره الهندى فى كنز العمال (٣٣٣٢٠)، وعزاه للترمذى: حسن صحيح غريب عن أنس (١١/ ٦٨٧).
(٣) رواه أحمد فى مسنده (٤/ ٣٠٢).
[ ٨٦ ]
١٩ - حدثنا محمد بن بشار، أنا أبو عاصم، أنا عزرة بن ثابت، حدثنى علباء ابن أحمر، قال: حدثنى أبو زيد: عمرو بن أخطب الأنصارى قال:
«قال لى رسول الله ﷺ: يا أبا زيد، ادن منّى فامسح ظهرى، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعى على الخاتم. قلت: وما الخاتم؟ قال: شعرات مجتمعات».
٢٠ - حدثنا أبو عمار: الحسين بن حريث الخزاعى، حدثنا على بن حسين بن واقد، حدثنى أبى، حدثنى عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبى بريدة، يقول:
ــ
١٩ - (عزرة) بمهملة مفتوحة فزاى ساكنة فراء (علباء) بمهملة مكسورة فلام ساكنة فموحدة فالمد. (أحمر) أفعل بحاء مهملة فراء. (فامسح ظهرى) فيه حل مس ما عدا العورة من الأجنبى، مع اتحاد الجنس، ثم يحتمل أنه لحاجته إلى مسحه لعارض، أو تشريفه بمس جسده الشريف، والملامسة على خاتم النبوة، قلت: القائل علباء لأبى زيد، لا أبو زيد للنبىّ كما هو واضح. (وما الخاتم) أى وما قدره وهيئته. (شعرات مجتمعات) أى ذو شعر مجتمع، ومرّ الكلام فى ذلك بما يعلم أنه لا بد من قولنا: ذو شعرات، وإن من استبعد ذلك، غفل عن بقية الروايات الصريحة فى أنه لحم ناتئ.
٢٠ - (حريث) تصغير حرث بمهملة فراء مثلثة. (واقد) بالقاف. (سلمان الفارسى) (١)
_________________
(١) صحيح: رواه الإمام أحمد فى «مسنده» (٥/ ٧٧،٣٤١)، وابن سعد فى «الطبقات» (١/ ٤٢٥)، وابن حبان فى «صحيحه» (٦٣٠٠)، وأبو يعلى فى «مسنده» (٦/ ٦٨٤)، والطبرانى فى «الكبير» (١٧/ ٢٧)، (٤٤)، والحاكم فى المستدرك (٢/ ٦٠٦)، كلهم من طريق عزرة بن ثابت به فذكره قال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبى، وذكره الهيثمى فى «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٨١)، وعزاه لأحمد والطبرانى وأبى يعلى وقال: أحد أسانيد أحمد رجال الصحيح.
(٢) إسناده حسن وهو صحيح: على بن الحسين بن واقد: قال فيه الحافظ: «صدوق يهم» (٤٧١٧) قلت: وللحديث متابعات عن سلمان ﵁، رواه الإمام أحمد فى «المسند» (٥/ ٣٥٤)، الطبرانى فى «الكبير» (٦٠٧٠)، (٦/ ٢٢٨)، والطحاوى فى «شرح معانى الآثار» (٢/ ١٠)، والبيهقى فى «الدلائل» (٦/ ٩٧)، وفى «السنن» (١٠/ ٣٢١)، والحاكم فى «المستدرك (٢/ ١٦)، كلهم من طرق عن زيد بن الحباب به فذكره نحوه تاما ومختصرا. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى. وقال الهيثمى (٣/ ٩٠): رجاله ثقات.
(٣) انظر فى ترجمته: التاريخ الكبير (٤/ ١٣٥)، المسند (٥/ ٤٣٥)، مسند ابن أبى شيبة (١/ ٣٠٠) بتحقيقنا، حلية الأولياء (١/ ١٨٥)، تاريخ بغداد (١/ ١٦٣)، جامع المسانيد (٥/ ٣٤٥)، أسد الغابة (٢/ ٤١٧)، الإصابة (٤/ ٢٢٣)، الاستيعاب (١٠١٩)، معجم ابن قانع (٣٤٢).
[ ٨٧ ]
«جاء سلمان الفارسىّ إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعها بين يدى رسول الله ﷺ، فقال: يا سلمان، ما هذا؟ فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: ارفعها، فإنّا لا نأكل الصّدقة. قال: فرفعها.
فجاء الغد بمثله، فوضعه بين يدى رسول الله ﷺ. فقال: ما هذا يا سلمان؟ فقال: هديّة لك. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: ابسطوا. ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله فآمن به.
وكان لليهود، فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهما، على أن يغرس لهم نخلا، فيعمل سلمان فيه حتّى تطعم.
فغرس رسول الله ﷺ النّخل، إلاّ نخلة واحدة غرسها عمر. فحملت النخل من عامها، ولم تحمل النّخلة. فقال رسول الله ﷺ: ما شأن هذه النخلة؟ فقال عمر: يا رسول الله، أنا غرستها.
فنزعها رسول الله ﷺ فغرسها، فحملت من عامها».
ــ
هو أبو عبد الله يعرف بسلمان الخير مولى رسول الله ﷺ سئل عن نسبه فقال: أنا ابن الإسلام، وسئل على ﵁: علم العلم الأول والعلم الآخر وهو بحره ينزف، وهو من أهل البيت. قال أبو نعيم: أدرك عيسى ﵇، وقرأ الكتابين، وكان عطاؤه خمسة آلاف يفرقه، ويأكل من كسب يده، يعمل الخوص، وله مزّية فى الزهد، فإنه مع طول عمره المستلزم لزيادة الحرص والأمل كما أخبره ﷺ لم يزدد إلا زهدا.
(بمائدة) باؤه للتعدية جاء وجعلها للمصاحبة بعيدة، وهو خوان عليه به طعام، وإلا لم يسم مائدة كما فى الصحاح (١). (عليها رطب) لا ينافيه الرواية الصحيحة: «أنه احتطب
_________________
(١) قال القارئ فى «جمع الوسائل» (١/ ٧٩): قال صاحب المحكم: المائدة نفس الخوان، وقال العسقلانى: قد تطلق المائدة على كل ما يوضع عليه الطعام، لأنها مما تميد، أى: تتحرك، ولا تختص بوصف مخصوص، أى ليس بلازم أن تكون خوانا اه. وانظر: الصحاح للجوهرى (٢/ ٥٤١).
[ ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حطبا فباعه، ثم صنع به طعاما، وأتى به النبى ﷺ» (١) فى رواية إسنادها جيد: «ذلك الطعام أنه لحم جزور، وثريد فى القصعة» (٢) ولا الرواية الضعيفة: «أنه جاء بتمر» (٣) لاحتمال تعدد الواقعة. (ما هذا؟) أى الرطب إذ هو المقصود ولا المائدة فمن ثم لم يقل ما هذه. (ارفعها) أى عنى فلا ينافى رواية أحمد والطبرانى أنه قال لأصحابه: «كلوا وأمسك يده» (لا نأكل) أراد نفسه، وقرابته من مؤمنى بنى هاشم والمطلب (الصدقة) أى الزكاة، ومثلها كل واجب، ككفارة، ونذر، ولحرمة ذلك عليه وعليهم، فإنه أريد بها ما يعم المندوبة أيضا، كانت النون للتعظيم، لحرمة صدقة التطوع عليه دون قرابته، وزعم أن الامتناع عن الأكل لا يدل على التحريم، لأن الأصل فيه ذلك. (فجاء) سلمان (بمثله) أى برطب على مائدة. (ابسطوا) أى: أيديكم أى: مدوها لتناول ما جاء به، وهو بضم الهمزة، وفى بعض النسخ: «انشطوا» من النشاط (فآمن به) لما رأى من انطباق أوصافه المذكورة فى التوراة عليه. (وكان) حال من فاعل آمن. (فاشتراه) أى كاتبه، أى كان سببا لكتابة سيده اليهودى له بذلك، حتى وفاه النبى ﷺ. (بكذا وكذا درهما) قيل: أربعون أوقية من فضة، وقيل: من ذهب، والأوقية كانت إذ ذاك:
أربعون درهما (فيعمل) الظاهر أنه بالنصب، ليفيد أن عمله من جملة بدل الكتابة، وما قيل: قد يروى رفعه، فيكون عمله تبرعا، ففيه نظر ظاهر (فيه) ذكره نظرا إلى ظاهر اللفظ حتى تطعم-بالبناء للفاعل، أى يدرك ثمر من أطعم النخل أدرك ثمره، وروى
_________________
(١) رواه الإمام أحمد فى «المسند» (٥/ ٤٣٨،٤٤٠)، وابن أبى شيبة فى «المسند» (٤٦٨)، بتحقيقنا، وفى «المصنف» (١٤/ ٣٢١)، والطبرانى فى «الكبير» (٦١٥٥)، (٦/ ٢٥٩)، من حديث سلمان ﵁، وذكره الهيثمى (٨/ ٢٤١): ورجاله ثقات.
(٢) و(٣) قال الملا على القارئ (١/ ٧٩): قال العراقى فى «شرح تقريب الأسانيد»: اعلم أن ظاهر هذه الرواية أن ما أحضره سلمان كان رطبا فقط، وروى أحمد والطبرانى بإسناد جيد من حديث سلمان نفسه أنه قال: فاحتطبت حطبا فبعته فصنعت طعاما، فأثبت به النبى ﷺ، وروى الطبرانى أيضا بإسناد جيد: فاشتريت لحم جزور بدرهم ثم طبخته، فجعلت قصعة ثريد فاحتملتها على عاتقى ثم أتيت بها ووضعتها بين يديه، فلعل المائدة كان فيها طعام ورطب، وأما ما رواه الطبرانى من حديث سلمان أيضا أنها تمر فضعيف. قلت-أى القارئ-: ولا مانع من الجمع بين الثلاثة لو صحت الرواية، ولعل الاكتفاء بالرطب فى هذا الحديث لأن معظم الطعام كان رطبا، وأما قول ابن حجر-أى المصنف-لاحتمال تعدد الواقعة فبعيد جدا لما سيأتى من أنه جاء الغد بمثله اهـ.
[ ٨٩ ]
٢١ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا بشر بن الوضاح، حدثنا أبو عقيل الدورقى، عن أبى نضرة العوفى، قال:
«سألت أبا سعيد الخدرىّ عن خاتم رسول الله ﷺ، فقال: كان فى ظهره بضعة ناشزة».
ــ
بالبناء للمفعول أى يؤكل ثمرها ولا يؤكل، إلا إذا أدركت من عامها الذى فيه، معجزة له ﷺ، ويستعجل تخليص سلمان من الرق، ويزداد رغبة فى الإسلام، وفيه: ندب إعانة المكاتب، وجواز الكتابة بالمال، وغرس النخل، لكن إن قيد له مدة معلومة، ويجاب عن الحديث: بأنه حال محتملة، لأن يكون مالكه امتنع عن مكاتبته، إلا بذلك المجهول، فلذا أذن ﷺ، على أن قولهم تعاطى العقود الفاسدة، ينبغى أن يستثنى منه الفاسد الذى يترتب عليه من الآثار المقصود منه ما يترتب على الصحيح، كالكتابة، فإن فاسدها كصحيحها فى العتق وتوابعه، فلا يبعد عن تعاطى فاسدها، لأن الأثر صحيح يقصد منه شرعا، بخلاف نحو البيع الفاسد، فإنه لا أثر له شرعا يقصد به مطلقا.
٢١ - (الوضاح) بتشديد المعجمة. (عقيل) بفتح العين. (الدورقى) نسبة لدورق بلد بفارس (١). (نضرة) المحفوظ بنون فمعجمة وضبطه بموحدة فمهملة ساكنة، وقال: إنه منسوب لمحل بالبصرة، يعنى قائله أبو عقيل، وضمير يعنى لأبى نضرة. (فى ظهره) حال من بضعة أو ظرف كان. (بضعة) خبر كان على نقصها، وهو الأولى والأنسب بالمقام ويجوز كونها تامة فيكون مرفوعا، ثم رأيت فى كلام بعضهم ترجيح الثانى، لأن المفاد على النقص، ثبوت فى ظهره بضعة، وهو ليس بمقصود فى جواب السؤال انتهى، وليس كما زعم، بل مقصود، وأى مقصود، كيف وقد زعم زاعم أنه كان من أمام لا من خلف؟ فتعين ذكر ظهره بدليل هذا الزعم (ناشزة) أى مرتفعة، ومر الكلام على ذلك.
_________________
(١) إسناده حسن: بشر بن الوضاح: صدوق (التقريب ٧٠٨) تفرد بإسناده المصنف هنا، ورواه الإمام أحمد فى «المسند» (٣/ ٦٩) من طريق آخر بنحوه.
(٢) انظر معجم البلدان للحموى (٢/ ٥٤٩).
[ ٩٠ ]
٢٢ - حدثنا أحمد بن المقدام: أبو الأشعث العجلى البصرى، أخبرنا حماد بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال:
أتيت رسول الله ﷺ وهو فى ناس من أصحابه، فدرت هكذا من خلفه، فعرف الّذى أريد، فألقى الرّداء عن ظهره، فرأيت موضع الخاتم على كتفيه مثل الجمع، حولها خيلان كأنّها ثآليل سود، فرجعت حتّى استقبلته، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، فقال: ولك. فقال القوم استغفر لك رسول الله ﷺ؟ فقال:
نعم، ولكم. ثمّ تلا هذه الآية: وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِناتِ.
ــ
٢٢ - (الأشعث) بالمعجمة ثم المثلثة. (العجلى) نسبة إلى بنى عجلة. (سرجس) بمهملتين بينهما جيم مكسورة، وزن نرجس. (الذى أريد) وهو النظر إلى خاتم النبوة.
(على كتفه) أى قريبا من كتفه الأيسر كما مرّ، وهذا أولى من قول بعضهم مشرفا على كتفه، والمقصود أن ارتفاعه يزيد على ارتفاع كتفه. (موضع الخاتم) هى الطابع الذى ختم به، كما مر ذلك فى بعض الروايات، ويصح أن تكون الإضافة بيانية والأول أقرب وأظهر. (على كتفيه) أى بينهما. (مثل الجمع) بضم الجيم وسكون الميم أى مثل جمع الكف، وهو صورته بعد جمع الأصابع وضمها. (حولها) أنثه باعتبار أنه قطعة لحم.
(خيلان) بكسر الخاء المعجمة فسكون التحتية جمع خال، وهو الشامة على الجسد، (كأنها ثآليل سود) وهى بالمثلثة جمع ثؤلول بمثلثة مضمومة فهمزة ساكنة حيث يعلو ظاهر الجسد واحدة كالحمصة فما دونها. (غفر الله لك يا رسول الله) بالمعنى الآتى، وأتى بذلك شكرا لما فعله ﷺ معه من النعم الجليلة التى تضمنتها، إلقاؤه الرداء عن ظهره، حتى تملا برؤية ذلك الخاتم. (استغفر لك) استفهام بدليل قوله هو أو للنبى ﷺ.
(فقال) إن كان الضمير له ﷺ فواضح، وإلا ففيه التفات إذ مقتضى الظاهر فقلت، وقيل: إن أريد بالقوم تلامذة ابن سرجس، لم يحتج لدعوى الالتفات انتهى، وهو
_________________
(١) صحيح: رواه مسلم (٢٣٤٦)، وأحمد فى «المسند» (٥/ ٨٣٨٢)، وابن سعد فى «الطبقات الكبرى» (١/ ٣٢٧)، والحميدى فى «مسنده» (٨٦٧)، والنسائى فى «عمل اليوم والليلة» (٢٦٥،٤٢١، ٤٢٢)، والبغوى فى «شرح السنة» (٣٦٣٤)، كلهم من طريق عن عاصم الأحول به فذكره نحوه.
[ ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غفلة عن سياق الحديث الصريح بأن المراد بهم الصحابة. (نعم ولكم) أى واستغفر لكم، وما قيل: إن جعله إخبارا أظهر، فهو غير صحيح، بل الأظهر فيه فضلا عن كونه أظهر إذ لو كان إخبارا لخلا قوله ﷺ نعم من الفائدة، وما قيل: إن نعم قد يقال لتصديق لازم الإخبار فى مقابلته، فبعيد لا يعول عليه. (ثم تلا) أى هو والنبى ﷺ، والثانى: معناه ظاهر، وكذا الأول لأنهم لما خصصوه بالدعاء له بيّن لهم أنه يستغفر لكل أمته، بدليل أنه أمر بذلك فى الأمة، وقد علم من شأنه، أنه يبادر إلى فعل المأمور به ما أمكنه. (لذنبك) هو من المشابهة نحو لِيَغْفِرَ لَكَ اَللهُ ماتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَماتَأَخَّرَ (١) مما اختلف المقصود لنفى تأويله، فقال ابن عباس: إنك مغفور لك، غير مؤاخذ بذنب إن لو كان، وقال غيره: المراد ما كان من سهو أو غفلة، أو ما تقدم لأبيك آدم مما يشبه الذنب، وما تأخر من ذنوب أمتك، أو ذنوب أمته فقط، والمراد بالذنب، ترك الأولى، كما قيل: حسنات الأبرار، سيئات المقربين، وترك الأولى، ليس بذنب فى الحقيقة، لكنه مشابه له بالنسبة إلى مقام الكمّل فى ندرة وقوعه منهم، ولقد حقق السبكى هذا المقام بما حاصله: أن الآية لا تحتمل إلا وجها واحدا، وهو تشريفه ﷺ من غير أن يكون هناك ذنب، وبيّن ذلك أحسن بيان وأبلغه، ثم قال: وكيف يتخيل وقوع ذنب منه؟ وَمايَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٢) وقد أجمع الصحابة ﵃ على اتباعه، والتأسى به فى كل ما يفعله، من قليل، أو كثير، صغير وكبير، لم يكن عندهم فى ذلك توقف، ولا بحث حتى أعماله فى السر والخلوة، يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها، علم بهم، أو لم يعلم، ومن تأمل أحوالهم معه، استحى من الله أن يخطر بباله خلاف ذلك. انتهى.
_________________
(١) سورة الفتح: آية رقم (٢).
(٢) سورة النجم: آية رقم (٣،٤).
[ ٩٢ ]