١٧٨ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبى مليكة، عن ابن عباس:
«أنّ رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقرّب إليه الطّعام. فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: إنّما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصّلاة».
ــ
(باب: ما جاء فى صفة وضوء رسول الله ﷺ)
(عند) أى قبل وبعد. (الطعام) وهو ما قصد الطعم اقتياتا، أو تأدما أو تفكها وأما ما يقصد للتداوى، فسماه الفقهاء تارة طعاما نظرا إلى أنه يطعم أى: يؤكل، وتارة أنه غير طعام نظرا للعرف، وقد يختص الطعام بالبر، وليس مرادا هنا والوضوء فى الترجمة، قيل: غسل اليدين بدليل تقييده بعند الطعام، وقيل: حقيقته كما تدل عليه الأحاديث الآتية، وعليه ففائدة التقييد بيان أنه ليس بواجب عند الطعام، والوجه: أنه مراد به كل منهما بقاء على الأصح من جواز استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه، فإرادة الأول من حيث نفيه، والثانى من حيث إثباته، فكأنه قال: صفة وضوئه الشرعى عدم الوقوع وعدم الوجوب، وصفة وضوئه اللغوى الوقوع والندب، ويدل على ذلك أن الأحاديث الآتية فى الباب كلها بالمعنى الأخير فإنه بالمعنى الثانى كما سيأتى، وإن اشتمل الباب على أمرين كان تضمن الترجمة لهما أولى، وإن كانت الزيادة على ما فى الترجمة سائغة، وإنما المعيب النقص عما فيها من.
١٧٨ - (الخلاء) بالمد والفتح، وأصله المكان الخالى، وعبر بعن ذلك استحياء وتجملا. (ألا نأتيك) يحتمل أن سبب صدور ذلك منهم اعتقادهم وجوبه عند الطعام، وأجيبوا: بأن الأمر به منحصر أى أصالة فى القيام إلى الصلاة وما عداه إن ورد فيه
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى الأطعمة (١٨٤٧)، بسنده ومتنه سواء، ورواه أبو داود فى الأطعمة (٣٧٦٠)، والنسائى فى الطهارة (١/ ٨٥)، والإمام أحمد فى مسنده (١/ ٢٨٢،٣٥٩)، وابن خزيمة فى صحيحه (٣٥)، والطبرانى فى الكبير (١١/ ١٢٢)، (١٢/ ٨٢)، والبغوى فى شرح السنة (٢٨٣٥)، كلهم من طرق عن أيوب به فذكره نحوه، قال أبو عيسى: حسن صحيح.
[ ٢٦٣ ]
١٧٩ - حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومى، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس، قال:
«خرج رسول الله من الغائط، فأتى بطعام. فقيل له: ألا تتوضّأ؟ فقال: أصلّى فأتوضّأ؟».
١٨٠ - حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا قيس بن الربيع، (ح) وحدثنا قتيبة، حدثنا عبد الكريم الجرجانى، عن قيس بن الربيع، عن أبى هاشم، عن زاذان، عن سلمان، قال:
ــ
نص كان مثله، وإلا فلا تظهر بما قررته ظهور الاستدلال بالآية، وأن الجواب مطابق للسؤال وفى نسخة: «لا نأتيك» بحذف أداة الاستفهام، والمعنى على العرض نحو ألا تنزل عندنا. (بوضوء) بفتح الواو: الماء الذى يتوضأ به. (بالوضوء) بضمهما أى:
يفعله، وهذا هو الأفصح فيهما، وقيل: بالضم فيهما، وقيل: بالفتح فيهما. (إذا) ظرف الوضوء لأنها مرت كما هو واضح. (قمت) أى أردت القيام، وخرج بإنما إلى آخره الوضوء عند الطعام، فإنه ليس مأمور به حقيقة، إذ هو لا يكون إلا واجبا.
١٧٩ - (من الغائط) هو هنا، وباعتبار الأصل المكان المطمئن من الأرض يقضى فيه الحاجة، وسمى الخارج به للمجاورة كراهة لذكره باسمه، إذ من عادة العرب تجنب النطق بمثل ذلك، والكناية عنه ما أمكن. (تتوضأ) كما فى نسخة: (فقال أصلى) إنكار لما سبق نحوه من إيجاب الوضوء للأكل، وفى نسخة: بحذف أداة الاستفهام.
١٨٠ - (زاذان) بزاى ثم معجمة. (بركة الطعام) أى استمراره على الأكل وغيره،
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه مسلم فى الحيض (٣٧٤)، والإمام أحمد فى المسند (١/ ٤٦٧)، والدارمى فى الحيض (١/ ١٩٦)، وأبو نعيم فى مسنده على مسلم (٨٢١)، وفى حلية الأولياء (٣٣١٨)، وفى معرفة الصحابة (٢/ ٦١/ب)، والخطيب فى التاريخ (٨/ ٢٠٤)، (١١/ ٢٠٤)، كلهم من طرق عن سعيد بن الحويرث به فذكره.
(٢) إسناده ضعيف: فيه قيس بن الربيع: ضعيف رواه الترمذى فى الأطعمة (١٨٤٦) بسنده ومتنه سواء، ورواه الإمام أحمد فى مسنده (٥/ ٤٤١) =
[ ٢٦٤ ]
«قرأت فى التوراة: إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده. فذكرت ذلك للنّبى ﷺ، وأخبرته بما قرأته فى التّوراة. فقال رسول الله ﷺ: بركة الطّعام الوضوء قبله والوضوء بعده».
ــ
وحصول منافعه له، وزوال مضاره عنه. (الوضوء) أى غسل اليدين قبله وقول بعض الشافعية: المراد به هنا الوضوء الشرعى، ليس فى محله لتصريح أصحابنا بأن الوضوء الشرعى ليس صفة عند الأكل. (الوضوء) أى غسلهما (بعده) وجعله نفس البركة للمبالغة، وإلا فالمراد أنها تنشأ عنه فينمو ويزيد بالأول، وتعظم فائدته بالثانى لاستلزامه زوال نحو الغمر المستلزم، لبعد الشيطان ودحضه، وورد بسند ضعيف: «من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وغيره، ولا يؤذى من حذاءه فأعده» (١) روى الطبرانى: «أنه ﷺ أتى بصحفة تفور فقال: إن الله لم يطعمنا نارا»، وأبو نعيم عن أنس مرفوعا «كان يكره الكى والطعام الحار ويقول: عليكم بالبارد، فإنه ذو بركة، ألا وإن الحار لا بركة له» (٢)، وأحمد وأبو نعيم عن أسماء: «أنها كانت إذا ثردت غطته بشىء حتى تذهب فورته، ثم تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هو أعظم بركة» (٣)
_________________
(١) = وأبو داود فى الأطعمة (٣٧٦١)، والطيالسى فى مسنده (٦٥٥)، والطبرانى فى الكبير (٦/ ٢٩٢)، والبغوى فى شرح السنة (٢٨٣٣،٢٨٣٤)، والحاكم فى المستدرك (٤/ ١٠٦، ١٠٧)، والبيهقى فى السنن (١٠/ ١٤)، وأبو بكر بن أبى شيبة فى المسند (١/ ١٢/أ)، جميعهم من طرق عن قيس بن الربيع به فذكره. قال أبو عيسى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع يضعف فى الحديث. وقال الحاكم: تفرد به قيس بن الربيع عن أبى هاشم، وانفراده على علو محله أكثر من أن يمكن تركه فى هذا الباب. وتعقبه الذهبى بقوله: مع ضعف قيس فيه إرسال.
(٢) رواه أبو يعلى فى مسنده (٥٥٦٧)، والطبرانى فى الأوسط (٧١١٥)، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٥/ ٣٠)، وقال: رواه أبو يعلى فى مسنده والطبرانى فى الأوسط وفيه الوازع بن نافع وهو متروك، وابن حجر فى المطالب العالية (٢٣٥١) (٢/ ٣١٥)، والهندى فى كنز العمال (٤٠٧٨٩)، وقال: عن ابن عمر (١٥/ ٢٤٧).
(٣) رواه أبو نعيم فى الحلية (٨/ ٢٥٢)، وذكره الهندى فى كنز العمال (١٨٣٥٩)، وعزاه لأحمد فى مسنده عن أنس (٧/ ١٣٣)، والزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٧/ ١١٦)، وقال: للطبرانى فى الكبير بسند فيه من لم يسم عن جويرية.
(٤) رواه أبو نعيم فى الحلية (٨/ ١٧٧)، وذكره التبريزى فى مشكاة المصابيح (٤٢٤١)، وقال: =
[ ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصح عن أبى هريرة: «أتى النبى ﷺ بطعام مسخن فقال: ما دخل بطنى طعام مسخن منذ كذا وكذا قبل اليوم» (١)، وروى أبو نعيم: «أنه ﷺ كان ينهى عن النوم على الأكل ويذكر أنه يغشى القلب»، ولذا قال الأطباء: من أراد حفظ الصحة فليمش بعد العشاء، ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه، فإنه مضر جدا، ومما يسهل الهضم الصلاة بعد الأكل.
_________________
(١) = رواهما الدارمى (٢/ ١٢٢٣).
(٢) رواه البيهقى فى السنن (٧/ ٢٨٠)، وذكره ابن حجر فى الفتح (١١/ ٢٩٩)، وذكره الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٧/ ١١٦)، وقال: لأحمد بإسناد جيد والطبرانى والبيهقى فى الشعب.
[ ٢٦٦ ]