٢١٨ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عباد بن العوام، أخبرنا الحجاج-وهو ابن أرطأة-عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال:
«كان فى ساق رسول الله ﷺ حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسّما، فكنت إذا انظرت إليه قلت: أكحل العينين، وليس بأكحل».
ــ
(باب ما جاء فى ضحك رسول الله ﷺ)
٢١٨ - (حموشة) بضم أوله المعجم أى دقه، ودقتها مما يتمدح به وقد أكثر أهل القافية من ذكر مما يبين ذلك وفوائده. (لا يضحك) أى فى أكثر أحواله لرواية: «جل ضحكه» السابقة، ولا ينافيه رواية البخارى عن عائشة: «ما رأيته مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى لهواته» (١) إنما كان يتبسم، لأن معناه ما رأيته مستجمعا من جهة الضحك، بحيث يضحك ضحكا تاما مقبلا بكليته عليه، واللهوات بفتح اللام جمع لهات، وهى اللحمة التى بأعلى الحنجرة من أقصى الفم «إلا تبسما» جعله من الضحك مجازا، إذ هو مبدأه فهو كجعل السّنة من النوم بمعنى فتبسم ضاحكا أى: شارعا فى الضحك، إذ هو انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور إن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، وقد يرد على ذلك قول القاموس: الضحك: التبسم، وفسر الضحك بما يبدو فيه جميع الأسنان والأربع من الأضراس والثنايا كذا قاله شارح، وهو عجيب، والذى فى القاموس تبسم يتبسم تبسما وابتسم وتبسم، وهو أقل الضحك وأحسنه انتهى، وهو موافق لما تقرر، لأنه يرد عليه، لأن مراده بكونه أقله أنه مبتدأه وبكونه أحسنه، لأنه ليس فيه رفع صوت، ولا
_________________
(١) إسناده ضعيف: فيه: الحجاج بن أرطأة: صدوق كثير الخطأ والتدليس وقد عنعنه [التقريب ١١١٩). رواه الترمذى فى المناقب (٣٦٤٥)، بسنده ومتنه سواء، ورواه أحمد فى المسند (٥/ ١٠٥)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (٥/ ٩٧،١٠٥)، والحاكم فى المستدرك (٢/ ٦٠٦)، والبيهقى فى دلائل النبوة (١/ ٢١٢)، كلهم من طرق عن الحجاج بن أرطأة به فذكره نحوه.
(٢) رواه مسلم فى صلاة الاستسقاء (٨٩٩)، والحاكم فى المستدرك (٤٥٦) (٢/ ٤٩٥).
[ ٣١٨ ]
٢١٩ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال:
«ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ».
٢٢٠ - حدثنا أحمد بن خالد الخلال، حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحانى، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الله الحارث، قال:
«ما كان ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسّما».
ــ
بدو للأسنان، وقوله وفسر الضحك. . . إلخ لم أره فى النسخة التى عندى. (فكنت) يصح ضم التاء وفتح الفاء فيه وفيما بعده (قلت: أكحل) من الكحل محركا وهو أن يعلو منابت الشعر سواد خلقى، أو أن يسود مواضع الكحل ذكره فى القاموس، والأول هو المشهور. (وليس بأكحل) حقيقة وإنما يظن به عند ابتداء الرؤية والنفى باعتبار الحقيقة ويؤخذ من ذلك أن اسوداد العين بحيث يوهم أنه أكحل أشرف من حقيقة الكحل، لأنه ﷺ لا يعطى إلا الأفضل مطلقا وقوله «وليس» آه يبنى على المذهبين المشهورين فى ليس فعلى ما عليه الأكثرون: أنها لنفى الحال تكون هنا لحكاية الحال الماضية، وعلى ما عليه الأقلون: أنها لمطلق النفى تكون هنا كذلك.
٢١٩ - (جزء) بجيم مفتوحة فزاى ساكنة فهمزة. (أكثر تبسما من رسول الله ﷺ) أى تبسمه أكثر من ضحكه بخلاف سائر الناس، فإن ضحكهم أكثر من تبسمهم وح، فلا ينافى هذا ما مر أنه كان متواصل الأحزان، وأنه كان متواصلها باطنا وفيما يبدو من ظاهره كان يكثر التبسم للناس تألفا لهم.
٢٢٠ - (الخلال) بالمعجمة. (السيلحانى) نسبة لسيلحون قرية بفتح أو كسر أوله
_________________
(١) إسناده ضعيف [وهو صحيح]: فيه: عبد الله بن لهيعة، مدلس وقد عنعن. رواه الترمذى فى المناقب (٣٦٤١)، بسنده ومتنه سواء، ورواه أحمد فى مسنده (٤/ ١٩٠، ١٩١)، من طريق ابن لهيعة به فذكره.
(٢) إسناده صحيح: رواه المصنف فى المناقب (٣٦٤٢)، بسنده ومتنه سواء، وقال: حديث صحيح غريب. قلت: وهو مما تفرد به المصنف فيما أعلم.
[ ٣١٩ ]
٢٢١ - حدثنا أبو عمار: الحسين بن حريث، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبى ذر، قال:
قال رسول الله ﷺ: «إنّى لأعلم أول رجل يدخل الجنة، وآخر رجل يخرج من النّار. يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، تخبأ عنه كبارها. فيقال له: عملت يوم كذا كذا وكذا. وهو يقرّ لا ينكر وهو مشفق من كبارها. فيقال: أعطوه مكان كل سيّئة عملها حسنة فيقول: إنّ لى ذنوبا ما أراها هاهنا».
قال أبو ذرّ: «فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه».
ــ
المهملة فتحتية فلام مفتوحة فمهملة. (إلا تبسما) مر أن الحصر فيه إضافى لا حقيقى، لما صح أنه ﷺ ضحك فى بعض الأوقات حتى بدت نواجذه. (ليث) أى أن غرابته شك من تفرد الليث به الجمع على جلالته وإمامته، فهى غرابة فى السند لا تنافى الصحة.
٢٢١ - (عن أبى ذر) جنادة بضم الجيم وتخفيف النون (لأعلم) أى بالوحى وهو ظاهر. (يؤتى بالرجل) أى الذى هو أول من يدخل الجنة، أو آخر خارج من النار، قيل: إن أول داخل الجنة النبى ﷺ وعليه فلا يصح أن يراد بالرجل أول داخل لأنه ﷺ لا ذنب له ويحتمل وهو الظاهر أن تكون هذه قضية أخرى فهى استئناف لا تعلق لها بما قبلها ثم رأيت شارحا جزم به، (اعرضوا) يؤخذ من قوله الآتى ما أراها هنا أن المعروض هو صحائف الأعمال. (وتخبأ) عطف على «فيقال» فاندفع ما قيل فيه عطف خبر على إنشاء توهما من غير تأمل أنه عطف على اعرضوا، إذ يلزمه أن يكون من مقول القول وهو فاسد كما هو واضح على أنه يحتمل أن هذا خبر بمعنى الأمر أى فيقال للملائكة: اعرضوا وخبئوا عنه ذلك ويخفى. (عنه كبارها) أى الذنوب للحكمة
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى صفة جهنم (٢٥٩٦)، بسنده ومتنه سواء، ورواه الإمام مسلم فى الإيمان (١٩٠)، وأحمد فى مسنده (٥/ ١٨٨)، وأبو نعيم فى مسنده على مسلم (٤٧١)، ثلاثتهم من طرق عن وكيع به فذكره.
[ ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآتية. (مشفق) أى خائفا لتعديه بمن وأما التعدى بعلى فهو بمعنى الرأفة والحنو. (أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة) أى لتوبته النصوح أو لكثرة طاعاته أو لغير ذلك مما يعلمه الله. «فيقول. . .» إلخ أن ما قال ذلك مع أنه كان مشفقا من الصغار فكيف بالكبار، لأنه لما قوبلت صغائره بالحسنات طمع أن يقابل كبائره بها أيضا فزاد رجاؤه فسأل لتتم عليه النعمة، فمن أجل هذا الطمع الدال على سعة فضل الله ورحمته. (ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه) بالمعجمة أى أضراسه وقيل: أربع آخر الأسنان كل منها يسمى ضرس العقل، لأنه لا ينبت إلا بعد البلوغ، وقيل: أنيابه، وقيل: ضواحكه، وفى القاموس: هى أقصى الأسنان أو الأنياب، أو التى تلى الأنياب أو الأضراس قيل:
ضحكه إلى أن يبدو أواخر أسنانه بعيد من شيمته، فلذا قيل: المراد المبالغة فى كون ضحكه هذا فوق ما كان يصدر عنه، ويؤيد قول الصحاح يقال: ضحك حتى بدت نواجذه إذا أسفرت منه، وفيه دليل على أن الضحك فى مواطن التعجب سيما ما هو فى مثل تعجبه ﷺ لا يكره ولا يخرم المروءة إذا لم يتجاوز به الحد المعتاد، ولا ينافى هذا ما مر عن عائشة لأنها إنما نفت رؤيتها، وأبو ذر راوى هذا الحديث أخبر بما شاهده والمثبت مقدم على النافى والحاصل من مجموع الأحاديث كما قاله بعض محققى المتأخرين من المحدثين أنه ﷺ كان فى أغلب أحواله لا يزيد على التبسم، ربما يزيد على التبسم ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه والإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار. قال بعضهم: والذى ينبغى أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك وروى البخارى فى الأدب المفرد وابن ماجه: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (١)، ومرّ «أنه ﷺ كان إذا ضحك يتلألأ كالبدر» (٢) بضم أوليه أى يشرق نوره عليها إشراقا كإشراق الشمس عليها، واعلم أنه ﷺ كان محفوظا من التثاؤب كما فى تاريخ البخارى ومصنف ابن أبى شيبة، زاد الثانى أن ذلك عامّ فى الأنبياء.
_________________
(١) رواه الترمذى فى الزهد (٢٣٠٥)، باب: من اتقى المحارم فهو أعبد الناس (٤/ ٥٥١)، وكذلك ابن ماجه فى الزهد (٤١٩٣)، باب الحزن والبكاء (٢/ ١٤٠٣)، وقال أبو عيسى: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع من أبى هريرة شيئا.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٣٢١ ]
٢٢٢ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن بيان، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبد الله، قال:
«ما حجبنى رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآنى إلا ضحك».
٢٢٣ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس، عن جرير، قال:
«ما حجبنى رسول الله ﷺ، ولا رآنى منذ أسلمت إلا تبسم».
٢٢٤ - حدثنا هناد بن السرى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة السلمانى، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ:
ــ
٢٢٢ - (ما حجبنى) منعنى من الدخول عليه فى الأوقات التى يدخل عليه فيها خواص أصحابه وخدمه. (ولا رآنى) أى (منذ أسلمت) إذ المحذوف الثانى لدلالة الأول كثير، ومذهبنا أن القيد يرجع إلى الجمل المتقدمة عليه والمتأخرة عنه، وأوّل ذلك شارح بما لا يقبله طبع سليم. (إلا ضحك) أى تبسم كما فى الرواية الآتية الموافقة للبخارى، وأراد بذلك إظهار خصوصيته ﷺ، وأنه كان يشهد فيه من مشاهد الفضل والرحمة المقتضى لفرحه المستلزم لتبسمه. قُلْ بِفَضْلِ اَللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. (١)
٢٢٤ - (عبيدة) بفتح فكسر. (زحفا) هو المشى على الأست مع إشرافه بصدره،
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى المناقب (٣٨٢٠)، بسنده ومتنه سواء، ورواه البخارى فى مناقب الأنصار (٣٨٢٢)، ومسلم فى الفضائل (٢٤٧٥)، كلهم من طريق بيان به فذكره.
(٢) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى المناقب (٣٨٢١)، بسنده ومتنه سواء، ورواه البخارى فى الجهاد والسير (٣٠٣٥)، وكذا فى الأدب (٦٠٨٩)، ومسلم فى الفضائل (٢٤٧٥)، وأحمد فى مسنده (٤/ ٣٥٨،٣٦٢،٣٦٣)، وابن ماجه فى المقدمة (١٥٩)، وأبو بكر بن أبى شيبة فى المصنف (١٢/ ١٥٢)، جميعهم من طريق زائدة به فذكره.
(٣) سورة يونس: آية (٥٨).
(٤) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى صفة جهنم (٢٥٩٥) بسنده ومتنه سواء، ورواه البخارى فى الرقاق (٦٥٧١) -
[ ٣٢٢ ]
«إنّى لأعرف آخر أهل النّار خروجا، رجل يخرج منها زحفا. فيقال له: انطلق فادخل الجنة. قال: فيذهب ليدخل. فيجد النّاس قد أخذوا المنازل، فيرجع.
فيقول: يا ربّ قد أخذ النّاس المنازل. فيقال له: أتذكر الزمان الذى كنت فيه.
فيقول: نعم. فيقال له: تمنّ. قال: فيتمنّى. فيقال له: فإنّ لك الّذى تمنيت، وعشرة أضعاف الدّنيا. قال: فيقول: أتسخر بى وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ، ضحك حتّى بدت نواجذه».
٢٢٥ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو الأحوص، عن أبى إسحاق، عن على ابن ربيعة قال:
«شهدت عليا ﵁ أتى بدابة ليركبها، فلمّا وضع رجله فى الركاب
ــ
وفى رواية: «حبوا» وهو المشى على اليدين والرجلين والركبتين، أو والمقعد ولا تنافى، لأن أحدهما قد يراد به الآخر، أو أنه يزحف تارة ويحبو أخرى. (أتذكر. . .) إلخ أى:
تقيس زمنك هذا الذى أنت فيه بزمنك الذى كنت فيه فى الدنيا، إن الأمكنة إذا امتلأت بالساكنين، لم يكن للآتى مكانا فيها، بل لم يك مع امتلائها لساكن كثيرة، والفرق أن تلك دار ضيق ومحنة وهذه دار سعة ومنة. (أتسخر منى) فأصدر منه هذا على جهة المندهش لما ناله من السرور، وسارع بما لا يخطر بباله فلم يكن ح ضابطا لما قال، ولا عالما بما يترتب عليه بل جرى على عادته فى مخاطبة المخلوق، فهو كمن قال ﷺ فى حقه أنه لم يضبط نفسه فى الفرح فى الدعاء فقال: أنت عبدى وأنا ربك، وفى رواية:
«أتسخر بى» والأولى أفصح وأشهر.
٢٢٥ - (شهدت عليا) حضرته. (بدابة) أصلها لغة ما يدبّ على وجه الأرض، ثم
_________________
(١) وفى التوحيد (٧٥١١)، ومسلم فى الإيمان (١٨٦)، وابن ماجه فى الزهد (٤٣٣٩)، وأحمد فى المسند (٥/ ٢٠٢)، والطبرانى فى الكبير (١٠٣٣٩)، (١٠٣٤٠)، وابن خزيمة فى صحيحه (ص ٣١٧،٣١٨)، وابن حبان فى صحيحه (٧٤٢٧)، وابن منده فى الإيمان (٨٤٤)، والبغوى فى شرح السنة (٤٣٥٦)، وأبو نعيم فى المسند على مسلم (٤٦٥)، (٤٦٦)، كلهم من طرق عن إبراهيم به فذكره نحوه.
(٢) صحيح: رواه الترمذى فى الدعوات (٣٤٤٦)، بسنده ومتنه سواء، رواه أبو داود فى الجهاد (٢٦٠٢)، =
[ ٣٢٣ ]
قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله. ثمّ قال: سبحان الذى سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنّا إلى ربنا لمنقلبون». ثم قال: الحمد لله، ثلاثا. والله أكبر، ثلاثا. سبحانك إنّى ظلمت نفسى فاغفر لى، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت. ثم ضحك. فقلت: من أى شىء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، ثمّ ضحك. فقلت: من أى شىء ضحكت يا رسول الله؟ قال: إن ربّك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لى ذنوبى، يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب أحد غيرى».
ــ
خصصها العرف العام بذوات الأربع. (بسم الله) قيل: كأنه مأخوذ من قول نوح لما أراد أن يركب السفينة. «بسم الله» إلخ انتهى، وليس فى محله؛ لأن عليا ﵁ نقل ذلك عن النبى ﷺ وبين أنه تأسى فى ذلك فكيف مع ذلك يقال كأنه مأخوذ. . . إلخ.
(الحمد لله) أى على هذه النعمة العظيمة، وهو بتسيير الدابة وتسخيرها للركوب، ويؤيده ذكر الذى إلخ. تنبيها على سر قوله لك هنا المتأيد به ما ذكرته بقولى؛ وكان إلخ.
(سبحان) تنزيه من أن يكون له شريك فى ملكه، وكان وجه مناسبته أن تسخير الدواب لنا نعمة عظيمة لا يقدر عليها غير الله كمناسب شهود تنزيه عن شريك حينئذ. وقيل:
إنه تنزيه عن الاستواء الحقيقى على العرش المذكور به الاستواء على الدابة. (مقرنين) مطيقين لولا تسخيره. (منقلبون) لراجعون إلى الدار الآخرة وناسب ذكره لأن الدابة سبب من أسباب التلف والهلاك إذ كثيرا ما يسقط راكبها عنها فيندق عنقه، فكان شهود الراكب للموت وقد اتصل به سبب من أسبابه حاملا له على تقوى الله فى ركوبه ومسيره. (ثلاثا) أى كرر الحمد ثلاثا لعظمة تلك النعمة التى لا يقدر عليها غير الله سبحانه، والتكبير كذلك لمزيد إعظام الله وتنزيهه. (سبحانك) زاد فى تكريره توطئة لما
_________________
(١) = وأحمد فى المسند (١/ ٩٧،١١٥،١٢٨)، وابن السنى فى عمل اليوم والليلة (٤٩٧)، والحاكم فى المستدرك (٢/ ٩٨)، كلهم من طرق عن أبى إسحاق السبيعى به فذكره. قال أبو عيسى: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى، ورواه محمد بن فضيل فى الدعاء (٥٦)، ثنا الأجلح، عن أبى إسحاق عن الحارث، عن على مرفوعا به. قلت: وهذا إسناد ضعيف، فيه الحارث بن عبد الله الأعور، وهو ضعيف.
[ ٣٢٤ ]
٢٢٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى، حدثنا ابن عون، عن محمد بن محمد بن الأسود، عن عامر بن سعد قال: قال سعد:
«لقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك يوم الخندق حتّى بدت نواجذه. قال: قلت:
كيف؟ قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، وكان يقول كذا وكذا بالتّرس، يغطّى جبهته، فنزع له سعد بسهم، فلمّا رفع رأسه رماه فلم يخطئ هذه منه «يعنى جبهته» وانقلب وشال برجله فضحك النّبى ﷺ حتّى بدت نواجذه.
قلت: من أىّ ضحك؟ قال: من فعله بالرّجل».
ــ
طلبه بعد ليكون بعد اعترافه بالظلم أنجح لإجابة سؤاله ومحقق آماله. (إنى ظلمت نفسى) قيل: سبب ذكره تذكر ركوبه فى قضاء حاجته نفسها لا للجهاد فى سبيله انتهى، وهو غفلة عن أنه يسن قوله ذلك حتى للمجاهد، وكل من ركب لعبادة ولو ذا جبة والوجه أن سببه أن تذكر النعمة يحمل على شهود التقصير فى شكرها وأن العبد ظلم نفسه بعدم القيام بها فناسب ذكر هذا هنا. (ثم ضحك. . .) إلخ تعجبه تعالى المراد به لاستحالته ذاتية، وهى استعظام الشىء والرضى به المستلزم بجزيل الثواب وهذا الرضى المقتضى لفرح النبى ﷺ ومزيد النعمة عليه.
٢٢٦ - (ضحك) ولما تذكر على ذلك اقتضى مزيد فرحه وبشره فضحك. (الخندق) معرب ولذا اجتمع فيه الخاء والقاف والدال وهى لا تجتمع فى كلمة عربية. (قال) عامر:
(قلت) لسعد: (كيف) أى ما سبب ضحكه ﷺ؟ قال سعد. (وكان سعد راميا) الظاهر بل الصريح بمقتضى السياق الآتى أنه من كلام سعد فيكون التفاتا ويحتمل على بعد أنه
_________________
(١) إسناده ضعيف: فيه: محمد بن محمد بن الأسود: قال فيه الحافظ «مستور» (التقريب ٦٢٦٩). ورواه أحمد فى مسنده (١/ ١٨٦)، والمزى فى تهذيب الكمال (٢٦/ ٣٧٥)، كلاهما من طريق ابن عون به فذكره، وأورده الهيثمى فى مجمع الزوائد (٦/ ١٣٥،١٣٦) وقال: رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح، غير محمد بن محمد بن الأسود وهو ثقة، قلت: فى توثيق الهيثمى نظر! حيث لعله اعتمد فى توثيقه على ذكر ابن حبان له فى الثقات (٧/ ٤٠٤)، ولا يخفى تساهل ابن حبان، وقد ذكره البخارى فى التاريخ الكبير (١/ ٢٤٣،٧٠٦)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكذلك ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل (٨/ ٣٦٨).
[ ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من كلام عامر، وكان هذا من كلام سعد على كل تقدير. (يقول) يفعل. (فنزع) إلخ هذا أيضا من كلام سعد وفيه التفات. (منه) أى من مجمل السهام (بسهم) الباء زائد لصحة المعنى وتعدى نزع بدونها وكأن المعنى أنه أخذ سهما من كنانته ومسكه أو وضعه فى الوتر فلما رفع رأسه رماه. (فضحك النبى ﷺ) أى من قتل سعد وغرابة إصابته لعدوه فرحا بذلك وسرورا بما يترتب عليه من إطفاء نار الكفر، وذل أئمة الضلال، لا من رفعه رجليه حتى بدت عورته، لأن كشف عورة الحربى والنظر إليه قصدا حرام، نعم قياس مذهبنا: أنه يجوز السخرية واللهو بالحربى بسائر وجوههما، ومنها: التشفى ببدو سؤته زيادة فى نكاله، لا من حيث كونه عورة. ***
[ ٣٢٦ ]