٢٤٤ - حدثنى محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء بن عازب ﵄:
«أنّ النبىّ ﷺ كان إذا أخذ مضجعه وضع كفّه اليمين تحت خدّه الأيمن وقال:
ربّ قنى عذابك يوم تبعث عبادك».
ــ
(باب ما جاء فى نوم رسول الله ﷺ)
اعلم أنه ﷺ كان ينام أوائل الليل ويستيقظ عند نصف الليل الثانى فيستاك ثم يتوضأ ثم يصلى إلى أن يبقى من الليل نحو سدسه فيضطجع مع أهله فإن كان له حاجة إلى أهله ألم بهن وإلا حدثهن أو نام إلى قبيل الفجر فلم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه ولا يمنع نفسه من المحتاج إليه منه وكان ينام على شقه الأيمن ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب، وكان ينام تارة على الفراش المحشو بالليف كما مر فى بابه وتارة على النطع وتارة على الحصير وتارة على الأرض.
٢٤٤ - (إذا أخذ مضجعه) بفتح الجيم محل الاضطجاع أى أراد النوم. (خده الأيمن) فيه دليل لندب التيمن فى النوم لأنه أسرع إلى الانتباه لعدم استقرار القلب ح لأنه معلق بالجانب الأيسر فيقلق ولا يستغرق فى النوم فيكون الاستراحة ح أبطأ للانتباه قالوا: والنوم عليه وإن كان أهنئ لكن إكثاره مضر بالقلب يسبب ميل الأعضاء إليه
_________________
(١) صحيح: رواه الترمذى فى الدعوات (٣٣٩٩)، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (٤٤٩،٤٥١)، كلاهما من طريق أبى إسحاق عن طرق مختلفة من حديث البراء فذكره. قال أبو عيسى: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وروى الثورى هذا الحديث عن أبى إسحاق عن البراء، لم يذكر بينهما أحدا. وروى شعبة عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، ورجل آخر عن البراء، وروى شريك عن أبى إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن البراء وعن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن عبد الله عن النبى ﷺ مثله. وبالجملة فالحديث صحيح، وله شاهد عن عبد الله عند ابن ماجه (٣٨٧٧)، وأحمد فى المسند (١/ ٣٩٤).
[ ٣٦٥ ]
٢٤٥ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعى بن حراش، عن حذيفة، قال:
«كان النبىّ ﷺ إذا أوى إلى فراشه، قال: اللهمّ باسمك أموت وأحيا وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».
ــ
فينصب المواد، واعلم أن هذا التعليل، إنما هو بالنسبة إلينا دونه ﷺ، فإنه لا ينام قلبه، فلا فرق فى حقه بين النوم على الشق الأيمن أو الأيسر، وإنما كان يؤثر الأيمن، لأنه كان يحب التيامن فى شأنه كله، ولتعليم أمته، وأراد فى النوم على الظهر بخلاف مجرد الاستلقاء عليه من غير نوم، واردا منه النوم منبطحا على الوجه، وروى ابن ماجه، «أنه ﷺ لما مر بمن هو كذلك فى المسجد، فضربه برجله، وقال: قم، أو اقعد، فإنها نومة جهنمية» (١). (قنى عذابك) ذكر ذلك مع عصمته تواضعا، وإجلالا له، وتعليما لأمته، إذ يندب لهم التأسى به فى الإتيان بذلك عند النوم، لاحتمال أن هذا آخر عمره، وليكون آخر أعمالهم ذكر الله، مع الاعتراف بالتقصير الموجب للعذاب.
٢٤٥ - (حراش) بالحاء المهملة. (باسمك) أى على ذكرى لاسمك مع اعتقادى لعظمة مدلوله، وتفرده بالألوهية والملك. (أموت وأحيا) أى يميتنى ويحيينى وقيل:
الاسم هنا بمعنى المسمى، وقيل: الموت بمعنى النوم، لأنه مثله بجامع زوال العقل والحركة فى كل منهما، وأيضا فانتفاع الإنسان بالحياة إنما هو من حيث الفوز بالطاعة والبعد عن المعصية فمن لم ينتفع بها من هذه الحيثية كان كالميت ويدل لهذا القول قوله ﷺ الآتى: بعد ما أماتنا وقد يطلق على السكون، يقال: ماتت الريح إذا سكنت وعلى الجهل نحو قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ (٢)، فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ اَلْمَوْتى (٣) وقد
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى الدعوات (٥/ ٣٤١٧)، بسنده ومتنه سواء، ورواه البخارى فى الدعوات (٦٣١٢)، (٦٣١٤)، وفى التوحيد (٧٣٩٤)، وأبو داود فى الأدب (٥٠٤٩)، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (٧٤٧)، وفى السنن الكبرى (١٠٥٨٣)، وعنه ابن السنى فى عمل اليوم والليلة (٧٠١)، كلهم من طريق سفيان به فذكره نحوه.
(٢) رواه ابن ماجه فى سننه كتاب الأدب، باب: النهى عن الاضطجاع على الوجه (٢ - ١٢٢٨)، حديث رقم (٣٧٢٥).
(٣) سورة الأنعام: آية رقم (١٢٢).
(٤) سورة الروم: آية رقم (٥٢).
[ ٣٦٦ ]
٢٤٦ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا المفضل بن فضالة، عن عقيل-أراه عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت:
«كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفيه، فنفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ بربّ الفلق، وقل أعوذ بربّ النّاس، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات».
ــ
يستعار للفقر والذل والسؤال والهرم ونحو ذلك (الحمد لله. . .) إلخ إنما حمد على الحياة بعد النوم لأنها من أهم النعم إذ بها يتميز الإنسان من الحيوان ويتأهل للمعارف والعبادات قال الله تعالى: وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرى أى نفس التمييز إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. (وإليه النشور) الإحياء للبعث يوم القيامة نبه ﷺ على أنه ينبغى للإنسان أن يتذكر باليقظة بعد النوم البعث ووقوعه، وأن الأمر ليس غفلا بل لا بد من مرجع الخلق كلهم إلى تلك الدار التى هى دار الثواب والعقاب ليجزوا بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ومر أن حكمة الدعاء عند النوم وقوع الذكر خاتمة أمره وعلمه وحكمته: إذا أصبح افتتح نهاره، ووقوع أول أعماله بذكر التوحيد والكلم الطيب، تذكيرا له بأنه ينبغى له فى جميع يومه أن يكون مستحضرا لعظمة الله وجلاله، وأن لا ينطق إلا بكلام طيب خالص من الإثم وشوائبه.
٢٤٦ - (فضالة) بفتح الفاء. (فنفث فيهما) أى نفخ فيهما. (وقرأ) وفى رواية أخرى: «فقرأ» وبالأولى تبين أن الفاء فى الثانية، ليست لترتيب، بل بمعنى الواو، فلا فرق بين تقدم النفث على القراءة، وعكسه لكن يكون كل منهما متأخر عن جمع الكفين، وظاهر كلام بعضهم: أن الأولى تأخير النفث فيه على القراءة، وأنه حمل رواية الفاء، على أن المراد: فأراد أن ينفث فيهما قرأ فنفث، قيل: وكان اليهود يقرأون
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى الدعوات (٣٤٠٢)، بسنده ومتنه سواء، ورواه البخارى فى فضائل القرآن (٥٠١٧)، ورواه أبو داود فى الأدب (٥٠٥٦)، وابن ماجه فى الدعاء (٣٨٧٥)، وأحمد فى المسند (٦/ ١١٦،١٥٤)، والنسائى فى الكبرى (١٠٦٢٤)، وفى عمل اليوم والليلة (٦٨٨)، كلهم من طرق عن عقيل عن الزهرى به فذكره.
[ ٣٦٧ ]
٢٤٧ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عن ابن عباس:
«أنّ رسول الله ﷺ نام حتّى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام وصلّى ولم يتوضّأ». وفى الحديث قصة.
٢٤٨ - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك:
«أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه، قال: الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممّن لا كافى له ولا مؤوى».
ــ
ولا ينفثون، فزاد عليهم ﷺ النفث مخالفة لهم. (يبدأ. . .) إلخ بيان لجملة. (يمسح) أو بدل منه. (يصنع ذلك) أى الجمع والنفث والقراءة.
٢٤٧ - (نفخ) أى بفمه. (فآذنه) أعلمه. (ولم يتوضأ) لأنه كان من خصائصه أن وضوءه لا ينتقض بالنوم مطلقا، لأن عينيه تنامان، ولا ينام قلبه، فلو خرج منه حدث لأحس به. (قصة) تأتى تقريبا.
٢٤٨ - (أطعمنا وسقانا) ذكرهما لأن الحياة لا تقم ولا تتم بدونهما، كالنوم، فالثلاثة من واد واحد، فكان ذكره مستدعيا لذكرهما، وأيضا النوم فرع الشبع والرى، وفراغ الخاطر عن المهمات، والأمن من الشرور. (وآوانا) بالمد بدليل قوله: (ولا مؤوى له) ويجوز فيه القصر، والأفصح فى اللازم القصر وفى المتعدى المد. (فكم) تعليل للإتيان بالحمد، وبيان سببه الحامل عليه، إذ لا تعرف النعم إلا بقيدها. (ممن لا كافى له ولا
_________________
(١) -إسناده صحيح: رواه البخارى فى الوضوء (١٣٨)، وفى الأذان (٨٥٩)، وفى الدعوات (٦٣١٦)، وكذلك رواه مسلم فى صلاة المسافرين (٧٦٣)، وأبو داود فى الأدب (٥٠٤٣)، والنسائى فى التطبيق (٢/ ٢١٨)، وفى الكبرى (٣٩٧)، (٧٠٨)، وابن ماجه فى الطهارة (٥٠٨)، وأحمد فى المسند (١/ ٢٢٠،٢٣٤،٢٤٥،٢٨٤،٣٤٣)، والبغوى فى شرح السنة (٤/ ١٢)، وأبو نعيم فى المسند المستخرج على مسلم (١٧٤٨،١٧٤٩)، وابن السنى فى عمل اليوم والليلة (٧٦٠)، والخطيب فى تاريخ بغداد (٧/ ٣٣٢)، كلهم من طرق عن سلمة بن كهيل به فذكره نحوه.
[ ٣٦٨ ]
٢٤٩ - حدثنا الحسين بن محمد الحريرى، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزنى، عن عبد الله بن رباح، عن أبى قتادة:
«أنّ النّبىّ ﷺ كان إذا عرّس بليل اضطجع على شقّه الأيمن، وإذا عرّس قبيل الصّبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفّه».
ــ
مؤوى) أى لا راحم له ولا عاطف عليه، ولا يعرف كافية ولا مؤوية أو لا كافى له ولا مؤوى على الوجه الأكمل عادة، فلا ينافى أنه تعليل كاف لجميع لخلقه ومرويهم، ونظيره. ذلِكَ بِأَنَّ اَللهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ اَلْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١) أى لا ناصر لهم، وبتأمل هذا يتعين ازدياد الشكر على من كفاه الله المهمات، ودفع عنه الأذيات وهيأ له مأوى ومسكنا فكم من خلق لم يكف أشر الأشرار، وكم من خلق لم يجعل الله لهم مأوى، بل تركهم يهيمون فى البرارى؟ واستشكل كم هنا للتكثير، ومن هذا حاله قليل، بل نادر، ويرد: بمنع قلته، وعلى التنزل، فالتكثير يصدق بثلاثة فأكثر، ومنه قول الفرزدق:
كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت علىّ عشارى
٢٤٩ - (الحريرى) بالمهملة المفتوحة، كذا قيل، وصوابه: بضم الجيم نسبة إلى جرير مصغرا. (عرس بليل) من التعريس، وهو نزول المسافر آخر الليل للنوم، أو الاستراحة.
(اضطجع على شقه الأيمن) أى وضع رأسه الشريف على لبنة كما فى رواية.
(نصب. . .) إلخ حكمته تعليم أمته بذلك، لئلا يثقل بهم النوم، فتفوتهم صلاة الصبح أول وقتها، ويسن للمسافر تحرى ذلك، اقتداء به ﷺ، وتحصيلا لفضيلة صلاة الصبح أول وقتها.
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه ابن خزيمة فى صحيحه (٢٥٥٨)، والبيهقى فى السنن الكبرى (٥/ ٢٥٦)، كلاهما من طريق حماد بن سلمة به فذكره، ورواه مسلم فى المساجد (٦٨١)، وابن خزيمة (٤١٠)، والحاكم فى المستدرك (١/ ٤٤٥)، والإمام أحمد فى المسند (٥/ ٣٥٠) وأبو نعيم فى المستخرج (١٥٣٣)، كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البنانى، عن عبد الله بن رباح فذكره.
(٢) سورة محمد: آية رقم (٤٧).
[ ٣٦٩ ]