ــ
(باب ما جاء فى فراش) فعال بكسر أوله مبنى للمفعول كما هو الشائع وكذا لباس.
(رسول الله ﷺ) قيل: أراد ذكر خشونة فراشه ﷺ ليقتدى به وهاهنا دقيقة وهى أنه لم يختر هذا الفراش لنفسه وإنما نام فيه رعاية لزوجته وإلا فالغالب أن ينام على التراب ويشهد لذلك أنه لما رأى عليا نائما على التراب ومدحه بأن كناه بأبى تراب، وليس معناه ما يفهم من التصاق التراب ببدنه فإن الأبوة تقتضى التربية فسماه بعمله وناداه يا مربى التراب يعنى أن الأرض فى حفظة تربية وجودك إياه لرياضة اخترتها وقبول حصل به لك من بين يدى ربك. انتهى بلفظه. وأنت فى هذا الكلام العقد ألبس فعلى مجرد الحزر والتخمين الحقيق بأن يوصف بأنه نخالة لا دقيق من وراء التأويل كيف وقوله الغالب أن ينام على التراب لا أصل له ولا وارد يعضده بل المعلوم من حاله ﷺ كما سيعلم مما سأذكره أنه لم ينم إلا على شىء حصيرا وغيره وقوله ويشهداه فى غاية السقوط إذ لا شاهد فى تكنيته لعلى بأبى تراب على زعمه بأن الغالب أنه ﷺ كان ينام على التراب وقوله وليس معناه اه ممنوع بل هذا هو الحاصل له على التكنية كما يشهد له أنه صار ينفض التراب عنه ويقول له: قم أبا تراب فما كناه بذلك إلا ح وإنما نام عليه لأنه كان بينه وبين فاطمة ﵂ شىء فذهب غضبان إلى المسجد ونام على ترابه فجاء ﷺ لفاطمة فسألها عنه فأخبرته فجاء إليه فوجده نائما وقد علاه الغبار فصار ينفضه عنه ويقول قم أبا تراب ويكفى مسوغا للتكنية هذه الحالة التى زاد عليها قوله فسماه بعمله إلى قوله يعنى اه كلام فى غاية السقوط لا يرضى بنسبته إليه إلا عدم التمييز وهو ممن يزعم أنه بلغ رتبة علية من العلم لم يبلغها غيره نعم بلغها فى الفلسفة وعلوم الأوائل التى لا تزيد صاحبها إلا ضلالا وبوارا، هذا واعلم أنه ﷺ كان قد أخذ من الفراش ما يحتاج إليه، وترك ما زاد عليه، وروى مسلم: «فراش الرجل، وفراش لامرأته، وفراش للضيف، والرابع للشيطان» (١) قالوا: وإنما أضافه للشيطان لأنه يضاف إليه كل مذموم، وما زاد على الحاجة مذموم، لأنه إنما يتخذ للخيلاء أو المباهات وقيل: أضيفت إليه، لأنه إذا لم يحتج إليه كان عليه مبيته ومقيله، وتعداد الفراش للزوج والزوجة، لا ينافى
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٨٤)، وأحمد فى مسنده (٣/ ٢٩٣)، والبغوى فى شرح السنة (٣١٢٧)، وذكره التبريزى فى المشكاة (٤٣١٠).
[ ٤٦٦ ]
٣١٣ - حدثنا على بن حجر، أخبرنا على بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
«إنّما كان فراش رسول الله ﷺ الّذى ينام عليه من أدم، حشوه ليف».
ــ
أن السنة بياته معها فى فراش واحد لأنهما قد يحتاجان لذلك لمرض ونحوه.
٣١٣ - (عن عائشة) رواه عنها الشيخان أيضا. (من أدم) بفتحتين جمع أدمة أو أديم وهو الجلد الأحمر (١) المدبوغ أو مطلق الجلد أقوال. (حشوه) الضمير للأدم باعتبار لفظه، وإن كان معناه جمعا فاعله صفة لأدم، خلافا لمن منع ذلك وجعلها حالية من فراش.
(ليف) أى: من ليف النّخل لأنه الكثير بل المعروف عندهم، وعليه فإن النوم على الفراش المحشو واتخاذه لا ينافى الزهد سواء كان من أدم أو غيره حشوه ليف أو غيره، لأن عين الأدم والليف المذكورين فى الحديث ليست شرطا بل لأنها المألوفة عندهم، فيلحق بها كل مألوف مباح نعم الأولى لمن غلب عليه الكسل وميل نفسه إلى الدعة والترفه أن لا يبالغ فى حشو الفراش لأنه سبب ظاهر فى كثرة النوم والغفلة والتعافى عن الخيرات والمهمات، ومن ثمّ قال ﷺ فى الحديث الآتى على الأثر: رديه اه، وروى البيهقى عنها أن أنصارية دخلت فرأت فراشه قطيفة شنبة فبثت له بالفراش حشوه صوف فدخل عليها ﷺ فقال: «ما هذا» فذكرت له القصة فقال: «رديه فو الله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضة» وصح عن ابن مسعود: «نام ﷺ على حصير فقام وقد أثر فى جنبه» ورواه الطبرانى بأبسط من ذلك وهو «أنه دخل عليه فى غرفة كأنها بنية حمام أى: لشدة حرها وكربها وهو نائم على الحصير أثر فى جنبه فبكى» فقال: «ما يبكيك يا عبد الله «فقال يا رسول الله: كسرى وقيصر ينامون على الديباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك قال: فلا تبك يا عبد الله فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة». وصحّ عن عمر معه ﷺ نظير ذلك لكن بزيادة أنه لم يكن معه غير إزار، وإن كان مختلعا على خصفة وأن بعضه لعلى التراب وأنه كان بمشربة لم يكن بها غير
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى اللباس (١٧٦١)، بسنده ومتنه سواء، ورواه البخارى فى الرقاق (٦٤٥٦)، ومسلم فى اللباس (٢٠٨٢)، وأبو داود (٤١٤٧)، وابن ماجه فى الزهد (٤١٥١)، وأحمد فى المسند (٦/ ٤٨،٥٦،٧٣،٢٠٧،٢١٢)، كلهم من طريق هشام بن عروة به فذكره.
(٢) فى (ش): [وهو الجلد المدبوغ أو الأحمر].
[ ٤٦٧ ]
٣١٤ - حدثنا أبو الخطاب: زياد بن يحيى البصرى، حدثنا عبد الله بن ميمون، قال: أنبأنا جعفر بن محمد، عن أبيه، قال:
«سئلت عائشة: ما كان فراش رسول الله ﷺ فى بيتك؟
قالت: من أدم حشوه ليف.
وسئلت حفصة: ما كان فراش رسول الله ﷺ فى بيتك؟
قالت: مسحا، نثنيه ثنيتين، فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة، قلت: لو ثنيته
ــ
حفصة، ووسادة من ليف ونحوه، ونحو صاع من شعير، وإهاب معلق، وأنه لما بكى قال له: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا» (١)، وفى رواية صحيحة أيضا أنه قال: «أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم، وهى وسيلة الانقطاع، وإنا أخرت لنا طيباتنا فى آخرتنا» (٢)، وروى ابن ماجه فى صحيح: «أن أبا بكر وعمر دخلا عليه ﷺ فإذا هو نائم على سرير له مزمل بالبردى، وعليه كساء أسود حشوه بالبردى، فلما رآهما استوى جالسا فنظراه، فإذا أثر السرير فى جنبه الشريف فقالا: يا رسول الله:
ما يؤذيك خشونة ما ترى فى فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر فى فراش الحرير والديباج؟ فقال ﷺ: لا تقولوا هذا فإن فراش كسرى وقيصر فى النار، وأنا فراشى وسريرى هذا عاقبته إلى الجنة».
٣١٤ - (قالت: من أدم حشوه ليف) قيل جملة صفة لمحذوف لا لأدم، لأنه جمع، ولأنه لو كان صفة لأدم لاقتضى أن يكون ذلك الفراش مصنوعا من أدم حشو ذلك الأدم ليف وظاهره أنه ليس للأدم قبل الصنع حشو وإنما يكون بعدما صنع فراشا انتهى،
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا: فيه عبد الله بن ميمون، قال فيه الحافظ: منكر الحديث متروك، (التقريب ٣٦٥٣). وكذلك انقطاع السند بين محمد بن على بن الحسين وعائشة أم المؤمنين ﵂.
(٢) رواه أحمد فى مسنده (٣/ ١٣٩،١٤٠)، وابن حبان فى صحيحه (٦٣٦٢)، وأبو يعلى فى مسنده (٢٧٨٢)، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى (١٦٢،١٦٣)، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٦)، وقال رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة وقد وثقه جماعة وضعفه جماعة.
(٣) رواه البخارى فى المظالم (٢٤٦٨)، ومسلم فى الطلاق (٣٤)، وأحمد فى مسنده (١/ ٣٤)، والبداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٥٧)، والعقيلى فى الضعفاء (٣/ ١٦١).
[ ٤٦٨ ]
أربع ثنيات لكان أوطأ له، فثنيناه أربع ثنيات، فلمّا أصبح قال: ما فرشتمونى اللّيلة؟. قالت:
قلنا: هو فراشك، إلاّ أنا ثنيناه بأربع ثنيات. قلنا هو أوطأ لك.
قال: ردّوه لحالته الأولى، فإنّه منعتنى وطأته صلاتى اللّيلة».
_________________
(١) وفيه تكلف ظاهر وقوله: «لأنه جمع» مر الجواب عنه وقوله: «لاقتضى» اه فى هذه الملازمة التى زعمها نظر، بل لا تصح، لأن الفراش اسم لما يفرش، وهو تارة يكون أدما، وتارة يكون غيره، وإذا كان أدما؛ فتارة يكون محشوا، وتارة يكون بلا حشو فبينت بقولها حشو ليف أنه أدم محشو لا خال عن الحشو، فاندفع قوله: «وظاهر» اه وح فلا يلزم على كونه صفة لأدم محذور أصلا. (مسحا) بكسر فسكون فراش خشن من صوف. (ذات) بالرفع إن جعلت كان تامة، وإلا فالنصب، وح ففيها ضمير يعود للوقف، وعلى كل ذات زائدة. (تثنيه) أى عطفت بعضه على بعض. (أربع ثنيات) أى طباقات لاصقات، وإن اقتضاه كونه مفعولا مطلقا، لأن هذا مردود بقولها الآتى: (فثنيناه أربع ثنيات) الظاهر فيما قلناه. (أوطاء) ألين. (وطأته) أى لين. (صلاتى الليلة) أى صلاة التهجد. ***
[ ٤٦٩ ]