_________________
(١) (باب ما جاء فى تواضع رسول الله ﷺ) اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع وهو التذلل والتخشع، إلا إذا دام تجلى نور الشهود فى قلب، لأنه ح يذيب النفس، ويصفيها عن غش الكبر والعجب، فتلين وتطمئن للحق والخلق لمحو آثارها، وسكون ريحها، ونسيان حقها، والذهول عن النظر إلى قدرها، ولما كان الحظ الأوفى من ذلك لنبينا ﷺ كان أشد الناس تواضعا، وحسبك شاهدا على ذلك أن الله سبحانه خيره بين أن يكون نبينا ملكا، أو عبدا نبيا، فاختار أن يكون نبيا عبدا، ومن ثمه لم يأكل متكئا بعد حتى فارق الدنيا، ولم يقل لشىء فعله أنس خادمه أف قط، وما ضرب أحدا من عبيده، وإمائه، وهذا أمر لا يتسع له الطبع البشرى لولا التأييد الإلهى، وفى مسلم: «ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ» وورد عن عائشة: «أنها سئلت كيف كان إذا خلى فى بيته؟ قالت: ألين الناس سهاما ضاحكا، لم ير قط مادا رجليه بين أصحابه»، وعنها: «ما كان أحدا أحسن خلقا منه ما دعاه أحد من أصحابه إلا قال: لبيك، وكان يركب الحمار ويردف خلفه»، وروى أبو داود وغيره: «أن قيس بن سعد صحبه راكبا حمار أبيه، فقال له: اركب فأبى فقال: إما أن تركب، وإما أن تنصرف»، وفى رواية: «اركب أمامى فصاحب الدابة أولى بمقدمها» وفى مختصر السيرة للمحب الطبرى: «أنه ركب حمارا ليعود إلى قباء ومعه أبو هريرة فقال: أحملك فقال: ما شئت يا رسول الله فقال: اركب، فوثب ليركب فلم يقدر فاستمسك به رسول الله ﷺ فوقعا جميعا، ثم ركب وقال له مثل ذلك، ففعل فوقعا جميعا، ثم ركب، وقال مثل ذلك، فقال: لا والذى بعثك بالحق ما رقيتك ثالثا، «وأنه ﷺ كان فى سفر فأمر أصحابه بإصلاح شاة فقال رجل: علىّ ذبحها، فقال آخر: عليّ سلخها، وقال آخر: علىّ طبخها فقال ﷺ علىّ جمع الحطب فقالوا: يا رسول الله ﷺ نكفيك العمل، فقال: قد علمت أنكم تكفونى، ولكنى كرهت أن أتميز عليكم، وإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» انتهى، وروى ابن عساكر القصة الأخيرة مختصرة وروى أيضا أنه ﷺ: «كان فى الطواف فانقطع شسعه فقال بعض أصحابه: ناولنى أصلحه فقال: هذه أثرة ولا أحب الأثرة هى بفتح أولها الاستبثار أى: الانفراد بالمشى»، وفى الشفاء: «أنه ﷺ خدم وفد النجاشى، فقال له أصحابه: نكفيك، فقال:
[ ٤٧٠ ]
٣١٥ - حدثنا أحمد بن منيع، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومى، وغير واحد، قالوا:
أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الزهرى، عن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ:
«لا تطرونى كما أطرت النّصارى عيسى ابن مريم، إنّما أنا عبد الله، فقولوا:
عبد الله ورسوله».
ــ
إنهم كانوا لأصحابنا مكافئين، وأنا أحب أن أكرمهم».
٣١٥ - (لا تطرونى) أى لا تتجاوزوا الحدّ فى مدحى بغير الواقع، فيجركم ذلك إلى الكفر، كما جر النصارى إليه لما جاوزوا الحدّ فى مدح عيسى ﵇ بغير الواقع واتخذوه إلها وحرفوا قوله فى الإنجيل عيسى ابنى، وأنا ولدته، فجعلوا الأول بتقديم الباء الموحدة، وجعلوا اللام فى الثانى فلعنة الله عليهم، وقد كان بعض أن يدعى نحو ذلك فى نبينا حين قالوا له: ألا نسجد لك فقال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (١) فنهاهم عما عساه يجرّهم لعبادته إنما لقصر القلب، أو القصر فيه إضافى فلا ينافى أن أوصافا غير العبودية والرسالة. (عبد الله) أى ملكه يتصرف فىّ بما شاء، فلا خروج لى عن دائرة العبودية بوجه كسائر العباد. (فقولوا: عبد الله ورسوله) أى قولوا ذلك، وما يلائمه مما يليق بالعبودية والرسالة وهذا من مزيد تواضعه ﷺ وشفقته على أمته، ولقد أشار الإمام الشرف البوصيرى: إلى هذا المقام بقوله: دع ما ادعته النصارى فى نبيهم. . . الأبيات الثلاثة وأشار يعجز آخرها إلى
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه البخارى فى الأنبياء (٣٤٤٥)، وأحمد فى مسنده (١/ ٢٣،٢٤،٥٥)، والدارمى فى الرقاق (٢/ ٣٢٠)، والطيالسى فى مسنده (ص ٦)، والحميدى فى مسنده (٢٧)، والبغوى فى شرح السنة (١٣/ ٢٤٦)، (٣٦٨١)، والطبرانى فى الأوسط (١٩٣٧)، والبيهقى فى الدلائل (٥/ ٤٩٨)، كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة عن الزهرى به فذكره نحوه.
(٢) رواه أبو داود فى النكاح (٢١٤٠)، والترمذى فى الرضاع (١١٥٩)، وأحمد فى مسنده (٤/ ٣٨١) (٦/ ٧٦)، والطبرانى فى الكبير (٥١١٦،٥١١٧)، (٦٥٩٠)، والحاكم فى المستدرك (١٨٧)، وابن عدى فى الكامل (٤/ ٧٥،٣١٦)، والبيهقى فى السنن الكبرى (٧/ ٢٩١، ٢٩٢)، وفى دلائل النبوة (١٣٦)، وابن أبى شيبة فى مصنفه (٢/ ٤٠٩)، (٣/ ٣٩٨).
[ ٤٧١ ]
٣١٦ - حدثنا على بن حجر، أنبأنا سويد بن عبد العزيز. عن حميد، عن أنس ابن مالك:
«أنّ امرأة جاءت إلى النّبىّ ﷺ، فقالت: إنّ لى إليك حاجة. فقال: اجلسى فى أىّ طريق المدينة شئت أجلس إليك».
ــ
مادحيه، وإن انتهوا إلى أقصى ما يمكنهم من الغايات لا يصلون لثناء علوه أن لا حد له، ولقد روى العارف ابن الفارض فقيل له: لم مدحت النبى ﷺ أى: بأكثر مما أشرت إليه، وإلا فقد أشار إلى مدحه مما يعجز عنه الفحول خلافا لمن غلبه هوى فى هواه فأضله الله على علم فقال: أرى كل مدح فى النبى مقصرا، وإن بالغ المثنى عليه، أو أكثر اه، إذ الله أثنى بالذى هو أهله عليه فى مقدار ما تمدح الورى به، قال البدر الزركشى: ولهذا أحجم فحول الشعراء: كأبى تمام، والبحترى عن مدحه، لأنه عندهم من أصعب ما يحاولونه، فإن كل ما تخيلوه (١) من المعانى والأوصاف دون كماله، فكل غلو فى حقه تقصير، فيضيق على البليغ مجال النظم. انتهى.
٣١٦ - (أن امرأة) أى كان فى عقلها شىء، كما فى رواية مسلم. (فى أى طرق المدينة) أى فى طرق من طرق المدينة، أى: سكة من سككها كما فسرته رواية مسلم الآتية. (أجلس) بالجزم جواب الأمر. (إليك) أى معك أقضى حاجتك كما بينته أيضا رواية مسلم وهى: «انظرى أى السكك شئت حتى أقضى حاجتك، فخلى معها فى بعض الطرق حتى قضى حاجتها» (٢) وفيه دليل على حل الجلوس فى الطريق لحاجة والمنهى عنه محله فيمن يؤذى، أو يتأذى بجلوسه فيها وروى البخارى «إن كانت الأمة لتأخذ بيده ﷺ فتنطلق به حيث شاءت»، وأحمد: «فتنطلق به فى حاجتها» (٣) وعنده
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه البخارى فى الأدب (٦٠٧٢) معلقا، ومسلم فى الفضائل (٢٣٢٦)، وأبو داود فى الأدب (٤٨١٨) (٤٨١٩)، والإمام أحمد فى المسند (٣/ ٩٨،١١٩،٢١٤)، والبغوى فى شرح السنة (٣٦٧٢) (١٣/ ٢٤٠) كلهم من طرق عن أنس ﵁ فذكره نحوه بألفاظ متقاربة وبمعناه.
(٢) فى (ش): [يخيلونه].
(٣) رواه مسلم فى الفضائل (٢٣٢٦)، والبيهقى فى دلائل النبوة (١/ ٢٤٧).
(٤) رواه البخارى فى الأدب (٦٠٧٢) وابن ماجه فى الزهد (٤١٧٧) وأحمد فى مسنده (٣/ ٢١٦).
[ ٤٧٢ ]
٣١٧ - حدثنا على بن حجر، أنبأنا على بن مسهر، عن مسلم الأعور، عن
ــ
أيضا: «إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة، لتجيئ فتأخذ بيد رسول الله ﷺ فما ينزع يده منها حتى تذهب به حيث شاءت» (١) والمراد بالأخذ باليد، ما حقيقة لأنه كان محرما للأجنبيات، وبه يندفع قول شارح: إنما طلب الجلوس مع تلك المرأة فى الطريق لتنتفى الخلوة المحرمة فى الطريق، إما حقيقة، وإما لازمة من الانقياد، وعند النسائى:
«كان ﷺ لا يأنف أن يمشى مع الأرملة والمسكين فتقضى له الحاجة» (٢)، وروى أبو داود: «وبايعت النبى ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها فى مكانها فنسيت فذكرته بعد ثلاث، فإذا هو فى مكانه، فقال: لقد شققت علىّ أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» (٣) وفى هذا كله أنواع من المبالغة فى الوفاء بالعهد وفى التواضع للنص على المرأة والأمة دون الرجل والحرة وعلى أنها تذهب به حيث شاءت من الأمكنة، وعلى غاية التصرف فيه المشار إليها بالتعبير باليد، وهذا من مزيد تواضعه، وبراءته مع جميع أنواع الكبر وأفعاله، وفى ذلك أيضا بروزه للناس، وقربه منهم، ليصل إليه ذوو الحقوق إلى حقوقهم، ويسترشد الناس بأقواله وأفعاله، وفيه أيضا: معبرة على تحمل الإنسان لأجل غيره، بل رضاه بذلك، واستلذاذه به، فى هذا كله تنبيه منه حكام أمته ونحوهم على أن يتأسوا به فى ذلك.
٣١٧ - (يعود المريض) حتى لقد عاد غلاما يهوديا كان يخصصه، وعاد عمه وهو
_________________
(١) إسناده ضعيف: فيه مسلم الأعور: ضعيف، ضعفه وكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخارى، والترمذى، وأبو داود. وانظر: تهذيب الكمال (٢٧،٥٣٢). ورواه الترمذى فى الجنائز (١٠١٧)، بسنده ومتنه سواء، ورواه ابن ماجه فى الزهد (٤١٧٨)، والطيالسى فى مسنده (ص ٢٨٥)، (٢١٤٨)، والبغوى فى شرح السنة (١٣/ ٢٤١)، (٣٦٧٣)، والحاكم فى المستدرك (٢/ ٤٦٦)، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى ﷺ (ص ٦٢)، والبيهقى فى الدلائل (٤/ ٢٠٤)، كلهم من طرق عن مسلم الأعور به فذكره نحوه.
(٢) رواه أحمد فى مسنده (٣/ ٢١٦).
(٣) رواه النسائى فى الجمعة (٣/ ١٠٨،١٠٩)، والدارمى (١/ ٣٥)، وابن حبان فى صحيحه (٦٤٢٣،٦٤٢٤)، والحاكم فى المستدرك (٢/ ٦١٤)، وعنه البيهقى فى دلائل النبوة (١/ ٣٢٩) من طريق على بن الحسين بن واقد عن أبيه به وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٤) رواه البيهقى فى السنن (١٠/ ١٩٨)، وابن سعد فى الطبقات الكبرى (٧/ ٤١)، وذكره ابن كثير فى تفسيره (٥/ ٢٣٤).
[ ٤٧٣ ]
أنس بن مالك قال:
«كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويشهد الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد. وكان يوم بنى قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، عليه إكاف من ليف».
ــ
مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وقصته فى البخارى وكان ﷺ يدنو من المريض ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله ويقول له: كيف تجدك؟ وفى الحديث المتفق عليه عن جابر: «مرضت فأتانى النبى ﷺ يعودنى وأبو بكر وهما ماشيان فوجدانى أغمىّ علىّ فتوضأ النبى ﷺ ثم صب وضوءه علىّ فأفقت، فإذا النبى ﷺ» (١)، وعند أبى داود: «ونفخ فى وجهى فأفقت، وفيه أنه قال: يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا» (٢) وصح عند مسلم: «يجب للمسلم على المسلم أمور، وذكر منها: عيادة المريض» (٣)، والمراد بالوجوب: الندب المتأكد كما فى «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٤) وصح: «أطعموا الجوائع، وعودوا المرضى» (٥)، وافهم إطلاق الأمر
_________________
(١) رواه البخارى فى الوصايا (٢٧٤٤)، روى جزءا منه وفى المرضى (٥٦٥١)، بلفظه وفى الفرائض (٦٧٢٣)، (٦٧٣٣) جزء منه، (٦٧٤٣)، روى بعضا منه، وفى الاعتصام (٧٣٠٩) بلفظه. ومسلم فى الفرائض (١٦١٦)، وأبو داود فى الطب (٣٨٧٥)، روى بعضا منه والترمذى فى التفسير (٣٠١٥)، روى جزء منه، والنسائى فى الطهارة (١/ ٨٧)، وابن ماجه فى الفرائض (٢٧٢٨)، وأحمد فى مسنده (٣/ ٣٠٧).
(٢) رواه أبو داود فى الفرائض (٢٨٨٧).
(٣) مسلم فى البر والصلة (٤/ ١٩٩٠)، فضل عيادة المريض (٢٥٦٨)، (٢٥٩٩).
(٤) رواه البخارى فى الجمعة (٨٧٩)، وفى الأذان (٨٥٨)، وفى الشهادات (٢٦٦٥)، ومسلم فى الجمعة (٨٤٦)، وأبو داود فى الطهارة (٣٤١)، والنسائى فى الجمعة (٣/ ٩٣،٩٧)، وابن ماجه فى الإقامة (١٠٨٩)، والدارمى فى الطهارة (١/ ٣٦١)، ومالك فى الموطأ (١/ ١٠٢)، وأحمد فى مسنده (٣/ ٦٠)، وابن حبان فى صحيحه (١٢٢٨،١٢٢٩،١٢٣٣)، وابن خزيمة فى صحيحه (١٧٤٢)، والبيهقى فى السنن (١/ ٢٩٤) (٣/ ١٨٨)، والطحاوى فى شرح معانى الآثار (١/ ١١٦)، والشافعى (١/ ١٥٤)، وابن الجارود فى مسنده (٢٨٤)، والحميدى فى مسنده (٧٣٦)، وابن أبى شيبه فى مصنفه (٢/ ٩٢).
(٥) رواه البخارى فى الأطعمة (٥٣٧٣)، وفى النكاح (٥١٧٤)، وفى الأحكام (٧١٧٣) وفى الجهاد (٣٠٤٦)، وفى المرضى (٥٦٤٩)، وأبو داود فى الجنائز (٣١٠٥)، والنسائى فى الكبرى كما =
[ ٤٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ندب العيادة حتى للأرمد لما صح عن زيد بن أرقم: «عادنى رسول الله ﷺ من وجع كان بعينى» (١) وأما خبر: «ثلاثة ليس لهم عيادة: الرمد، والدمل، والضرس» فصحح البيهقى أنه موقوف على يحيى بن أبى كثير، فأخذ بعضهم بقضيته ليس فى محله، وافهم أيضا: أنه لا فرق بين طول مرضه وقصره، وهو الأصح خلافا للغزالى فى إحيائه، وحديث ابن ماجه: «كان ﷺ لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث» (٢) ضعيف، بل قال أبو حاتم: باطل، وورد فى فضل العيادة أحاديث كثيرة منها عند المصنف وحسنه: «من عاد مريضا ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا» (٣)، وعند أبى داود: «من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم سبعين خريفا» (٤) وعند أحمد: «من عاد مريضا فآمن فى الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها» (٥) زاد الطبرانى: «وإذا قام من عنده، فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج» (٦) لا يقال عيادته ﷺ المرضى فيها قصد رضى الله، وحيازة هذا الثواب فأىّ
_________________
(١) = فى التحفة (٦/ ٤١٨) والبغوى (١٤٠٧)، وأحمد فى مسنده (٤/ ٣٩٤،٤٠٦)، وابن حبان فى صحيحه (٣٣٢٤)، والبيهقى فى السنن (٣/ ٣٧٩) (٩/ ٢٢٦) (١٠/ ٣).
(٢) رواه أبو داود فى الجنائز (٣١٠٢).
(٣) رواه ابن ماجه فى الجنائز (١٤٣٧)، والطبرانى فى الصغير (٤٧٥)، والبيهقى فى شعب الإيمان (٩٢١٦) وذكره الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٦/ ٢٩٩)، وقال أخرجه ابن ماجه وابن أبى الدنيا فى المرض والكفارات والبيهقى فى الشعب كلهم من طريق مسلمه بن على مصغرا.
(٤) رواه مسلم فى البر والصلة (٢٥٦٨)، وروى جزءا منه، والترمذى فى الجنائز (٩٦٧) جزء منه، وفى البر والصلة (٢٠٠٨)، وابن ماجه فى الجنائز (١٤٤٣)، بلفظه.
(٥) رواه أبو داود فى الجنائز (٣٠٩٨)، وذكره المنذرى فى الترغيب والترهيب (٤/ ٣١٩،٣٢٠) وقال: رواه أبو داود من رواية الفضل بن دلهم القصاب وذكره الهندى فى كنز العمال (٢٥١٣١)، عزاه لأبى داود عن أنس (٩/ ٩٣).
(٦) رواه أحمد فى مسنده (٣/ ٤٦٠)، والطبرانى فى الكبير (١١٤٨١)، بلفظ: غمرته الرحمة (٣٥٣)، بلفظ وذكره الهندى فى كنز العمال (٢٥١٧٥)، وعزاه للطبرانى فى الكبير عن كعب ابن عجرة، ولأحمد فى مسنده، وابن جرير والطبرانى عن كعب بن مالك.
(٧) رواه البخارى فى الأدب المفرد (١١٣٨)، ومسلم فى السلام (٢١٧٩)، وأبو داود فى الأدب (٤٨٥٣)، وابن ماجه فى الأدب (٣٧١٧)، وأحمد فى مسنده (٢/ ٢٦٣،٢٨٣،٢٨٩) والدارمى (٢/ ٢٨٢)، والبيهقى فى السنن (٣/ ٢٣٣)، وعبد الرزاق فى مصنفه (١٩٧٩٢)، وابن حبان فى صحيحه (٥٨٨).
[ ٤٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تواضع فيها لأنا نقول التواضع خروج الإنسان عن مقتضى جاهه، وتنزل من عادة مرتبته إلى ما هو دون ذلك، وعيادة المريض، وكونه بذلك القصد كذلك وافهم أيضا أن سائر الأيام يطلب فيها العيادة، وترك العيادة يوم السبت، من البدع ابتدعها يهودى ألزمه ملك بمرض بملازمته، فأراد يوم الجمعة الذهاب لسبته فمرض فخاف استحلاله على نفسه فقال له: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ثم أشيع ذلك، وصار بعض من لا علم عنده، يحسب أن ذلك أصلا، وقد علمت أصله، ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن القراء: أنها تندب شتاء ليلا، وصيفا نهارا وحكمته تضرر المريض، بطول الليل شتاء والنهار صيفا فيحصل له بالعيادة من الاسترواح ما يزيل عنه تلك المشاق الكثيرة ومما كان يفعله ﷺ حال العيادة ويأمر به تطييب نفس المريض وقلبه لخبر: «إذا دخلتم على مريض فنفسوا له فى أجله فإن ذلك يطيب نفسه» أو خبر: «لا بأس عليك طهور إن شاء الله حالك الآن أحسن» ويذكر ثواب المريض ككون المرض كفارة وأرشد ﷺ بذلك إلى نوع من أشرف أنواع العلاج من كلام يقوى به الطبيعة وينبعث به الحار الغريزى إذ فى إدخال السرور عليه تأثير عجيب فى شفائه؛ لأن الروح تقوى بذلك فتساعد الطبيعة على دفع المؤذى وهذا غاية تأثير الطيب وربما سأله عن شكواه وكيف يحدو عما يشتهيه، فيدعو له ويصف له ما ينفعه فى علته وربما قال له: لا بأس عليك طهور إن شاء الله وربما قال كفارة وطهور، وورد بسند حسن: «كان إذا عاد مريضا يضع يده على المكان الذى يألم ثم يقول: بسم الله» (١) وفى حديث بسنده: «كان تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته ويسأله كيف هو» (٢) وفى رواية: «كيف أصبحت وكيف أمسيت» (٣). (ويشهد الجنائز) فيندب لنا بل يتأكد علينا التأسى به فى ذلك وأثر قوم العزلة ففاتهم بسببها خيرات كثيرة وإن حصل لهم بها خير كثير، لأن الأكمل العزلة عن الشر فقط، والمخالطة فى الخير مع التحفظ ما أمكن من تطرق الشر وأسبابه، وهذا
_________________
(١) رواه ابن السنى فى عمل اليوم والليلة (٥٥١)، وذكره السيوطى فى اللآلئ المصنوعة (٢/ ٤٠٦)، وذكره ابن حجر فى فتح البارى (١٠/ ١٢٦).
(٢) رواه الترمذى فى الاستئذان (٢٧٣١)، وابن عدى فى الكامل فى الضعفاء للرجال (٤/ ٣٢٤)، وذكره ابن حجر فى فتح البارى (١/ ١٢٦).
(٣) رواه الدينورى فى عمل اليوم والليلة (١٨٤)، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٢)، وقال: إسناده حسن.
[ ٤٧٦ ]
٣١٨ - حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أنس بن مالك قال:
«كان النّبىّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة فيجيب، ولقد كانت له درع عند يهودىّ، فما وجد ما يفكّها حتّى مات».
ــ
حال الكمل من العلماء العالمين والأئمة الوارثين، فإن ضعف حال الإنسان من المخالطة كانت العزلة فى بعض الأحيان خيرا له، وللعيادة، وتشييع الجنائز شروط وآداب تطلب فى محلها من كتب الفقه. (دعوت العبد) وفى رواية: «المملوك» أى: إلى أى حاجة دعاه إليها قرب محلها أو بعد. (يوم بنى قريظة) خصه لأن الحمار يومئذ، وقد ظهر له ﷺ من النصرة عليهم، والظفر بهم، وبأموالهم ما يدل على غاية التواضع، ونهاية الخضوع. (مخطوم بحبل) هو الخطام، وهو أن يجعل فى حلقه، ويسلك فيها طرفه الآخر حتى تصير كالحلقة ثم قاد بها البعير. (إكاف) هو بردعة لذوات الحوافر، ويغلب فى الحمر كالرحل لذوات الخفّ، والبردعة بفتح أوله وثالثة: حلسن يجعل تحت الرحل.
٣١٨ - (والإهالة) هى كل دهن يؤتدم به، وقيل: يختص بالألية والشحم، وقيل:
هى الدسم الجامد. (السنخة) بالنون: المتغيرة وفيه حل أكل المنتن من اللحم وغيره حيث لا ضرر فيه. (كان) فى نسخة: «كانت» وهى الأولى لأن درع الحديد مؤنث، لأنها بمعنى اللائمة بالهمز بخلاف درع المرأة، فإنه يذكر، لأنه بمعنى القميص. (يهودى) هو أبو الشحم من الأوس «رهنها عنده ﷺ فى ثلاثين صاعا من شعير» (١) رواه الشيخان، وروى المصنف «بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله»، وقد يجمع بأنه أخذ
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى البيوع (١٢١٥)، بسنده ومتنه سواء، ورواه البخارى فى البيوع (٢٠٦٩)، وفى الرهن (٢٥٠٨)، والنسائى فى البيوع (٧/ ٢٨٨)، وفى الكبرى (٦٢٠٣)، وأحمد فى المسند (٣/ ١٣٣،٢٠٨،٢٣٢،٢٣٨،٢٧٠)، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى ﷺ (ص ٢٣٤)، كلهم من طرق عن قتادة به فذكره نحوه.
(٢) رواه البخارى فى الجهاد (٢٩١٦)، وفى المغازى (٤٤٦٧)، والنسائى فى البيوع (٧/ ٣٠٣)، وابن ماجه فى الرهون (٢٤٣٩)، والدارمى فى البيوع (٢/ ٢٦٠)، وأحمد فى مسنده (١/ ٢٣٦، ٣٠٠،٣٦١) (٦/ ٢٢٧،٤٥٧).
[ ٤٧٧ ]
٣١٩ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الجفرى، عن سفيان، عن
ــ
منه أولا عشرين، ثم عشرة، ثم رهنه إياها على الجميع، فمن روى العشرين، لم يحفظ العشرة الأخرى، ومن روى الثلاثين حفظها على أن روايتها أصح وأشهر، فكانت أولى بالاعتبار، قيل: ذكر هذه القصة لتمام الحديث لا لبيان التواضع فيها وانتهى، ويرد: بأن فيها غاية التواضع، ووجهه أنه ﷺ لو سأل مياسرى أصحابه فى رهن درعه لرهنوها على أكثر من ذلك، أو لترك سؤالهم، وسأل يهوديا، ولم يبال بأن منصبه الشريف يأبى أن يسأل مثل يهودى فى ذلك، دل على غاية تواضعه، وعدم نظره لفوت مرتبته. (يفكها) أى يخلصها. (حتى مات) ﷺ وفيه دليل على ضيق عيشه، لكن من اختيار لا من اضطرار، لأن الله فتح عليه فى أواخر عمر من الأموال ما لا يحصى، فأخرجها كلها لله، وصبر هو وأهله، وأهل بيته على مر الفقر والضيق والحاجة التامة، ولا ينافى ذلك قوله ﷺ: «نفس المؤمن معلّقة ما دام عليه دين» (١) أى: محبوسة عن مقامها الكريم حتى يقضى عنه دينه، لأنه فى غير الأنبياء على أن محله فيمن استدان لمعصية، وإلا لم يطالب قيل: إجماعا.
٣١٩ - (على رحل) هو للجمل كالسرج للفرس. (وعليه) أى رسول الله ﷺ كذا
_________________
(١) إسناده ضعيف وهو صحيح بشواهده: فيه يزيد بن أبان الرقاشى: قال الحافظ فيه: «زاهد ضعيف» (التقريب ٧٦٨٣). رواه ابن ماجه فى المناسك (٢٨٩٠)، وابن أبى شيبة فى المصنف (٤/ ١٠٦)، وابن سعد فى الطبقات (٢/ ١٣٤)، وأبو نعيم فى الحلية (٣/ ٥٤)، والعقيلى فى الضعفاء (٢/ ٨)، كلهم من طريق الربيع بن صبيح به فذكره نحوه. قلت: ويشهد له ما رواه الطبرانى فى المعجم الأوسط (١٣٧٨)، من حديث عبد الله بن عباس ﵄، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد (٣/ ٢٢١): وفيه أحمد بن محمد بن القاسم ابن أبى بزّة ولم أعرفه. وما رواه البيهقى فى السنن (٥/ ١٢٩)، من حديث ابن عمر ﵄، وقال البيهقى: عبد الله بن حكيم ضعيف، ورواه أيضا بشر بن قدامة الضبابى ﵁ كما عند ابن خزيمة فى صحيحه (٢٨٣٦)، وفيه سعيد بن بشير وهو مجهول. وبالجملة فللحديث شواهد، وإن كانت ضعيفة إلا أنها ترتقى به إلى الصحة إن شاء الله والله أعلم. وقد صححه الشيخ الألبانى حفظه الله.
(٢) رواه الترمذى فى الجنائز (١٠٧٨،١٠٧٩) وابن ماجه فى الصدقات (٢٤١٣)، والدارمى (٢/ ٢٦٢)، والبغوى (٢١٤٧)، وابن حبان فى صحيحه (٣٠٦١)، وأحمد فى مسنده =
[ ٤٧٨ ]
الربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، قال:
حج رسول الله ﷺ على رحل رثّ وعليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم فقال:
«اللهمّ اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة».
٣٢٠ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا عفان، أخبرنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، قال:
«لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ. قال: وكانوا إذا رأوه لم
ــ
قيل، ويحتمل رجوع الضمير للرحل، بل السياق هنا، وفى الحديث الآتى آخر باب التواضع يدل عليه. (قطيفة) هى كساء له خمل وهى الخيوط بطرفه المرسلة من السدى من غير لحمة عليها. (ولا سمعة) هذا من عظيم تواضعه إذ لا يتطرق السمعة إلا لمن حج على المراكب النفيسة والملابس الفاخرة، وأما من تمن تمثيل حاله ﷺ فلا يتطرف إلى حجه شىء من ذلك، والرياء: العمل لغرض مذموم كأن يعمل ليراه الناس، والسمعة: أن يعمل ليسمع الناس عنه بذلك، فيكرموه بإحسان، أو مدح أو تعظيم جاهه فى قلوبهم، وكل ذلك موجب للفسق، ومحبط لثواب العمل، فإن عمل لذلك بأن قصد بوضوئه التبرد مثلا، قال ابن عبد السلام: لا ثواب له أيضا قال تعالى فى الحديث القدسى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيرى، فأنا منه برىء هو للذى أشرك» (١)، وقال الغزالى: إن غلبه باعث الأخيرة أثيب، وإلا فلا وبينت فى حاشية مناسك النووى الكبرى أن الذى دل عليه كلام الشافعى والأصحاب: أنه حيث خلى عن قصد محرم أثيب بقدر قصده للعبادة.
٣٢٠ - (أحب) قيل: هذا مشكل لأن الأحبية لا تقتضى القيام، لأن الولد أحب من
_________________
(١) = (٢/ ٤٤٠،٤٧٥،٥٠٨)، والبيهقى فى السنن (٦/ ٧٦)، والطيالسى (٢٣٩٠)، والحاكم فى المستدرك (٢/ ٢٦،٢٧).
(٢) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى الأدب (٢٧٥٤)، بسنده ومتنه سواء، ورواه أحمد فى المسند (٣/ ١٣٢)، والبخارى فى الأدب المفرد (٩٤٦)، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى ﷺ (ص ٦٣)، ثلاثتهم من طريق حماد بن سلمة به فذكره نحوه.
(٣) رواه مسلم فى الزهد (٢٩٨٥).
[ ٤٧٩ ]
يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك».
ــ
الأب ولا يقوم له الأب انتهى، وليس فى محله، لأن الذى يصرح به كلام الأئمة هذا القائل أن الولد إن كان فيه فضيلة تقتضى القيام له سن حتى للأب القيام له، فبطل إشكاله المبنى عليها وهم فيه، وبأن الأحبية من حيث الدين اقتضى ندب القيام. (إليهم) أى إلى أصحابه. (وكانوا) أى والحال: أنهم كانوا مع تلك الأحبية المقتضية لمزيد الإجلال والتعظيم، ومنه القيام كانوا. (إذا رأوه لم يقوموا) له (لما يعلمون من كراهته) أى لأجل المعلوم المستقر عندهم وهو كراهته، وفى نسخة: «كراهيته» وهو مصدر كره كعلم. (لذلك) تواضعا وشفقه عليهم وإسقاطا لبعض حقوقه المتعينة عليهم، فاختاروا إرادته على إرادتهم، لعلمهم بكمال تواضعه، وحسن معاشرته لهم ولا يعارض ذلك قوله ﷺ للأنصار: «قوموا لسيدكم» (١) أى سعد بن معاذ سيد الأوس لما جاء على حمار لإصابة أكحله بسهم فى وقعة الخندق كان منه موته بعد، لأن هذا حق الغير فأعطاه ﷺ له وأمرهم بفعله بخلاف قيامهم له فإنه ﷺ حق لنفسه وتركه تواضعا، وهذا أولى، بل أصوب من قول زاعم: القيام الذى أمرهم به؛ هو إعانته حيث ينزل من حماره، لكونه كان مجروحا وهذا هو مذهبنا: من ندب القيام لكل قادم فيه فضيلة نحو نسب، أو علم، أو صلاح، أو صدقة قد ثبت «أنه ﷺ قام لعكرمة بن أبى جهل لما قدم عليه، ولعدى بن حاتم كل ما دخل عليه» وضعفهما لا يمنع الاستدلال بهما هنا، خلافا لمن وهم فيه، لأن الحديث الضعيف يعمل به فى فضائل العلم اتفاقا، بل إجماعا كما قاله النووى: فى القيام للإكرام، لا للرياء، والإعظام، فإنه مكروه، ويفرق بينه وبين حرمة نحو الركوع للغير إعظاما؛ بأن صورة نحو الركوع لم يعهد، إلا عبادة بخلاف صورة القيام، ولبعضهم هنا ما لا يوافق مذهبنا فليحذر.
_________________
(١) رواه البخارى فى الجهاد (٣٠٤٣)، وفى مناقب الأنصار (٣٨٠٤) وفى المغازى (٤١٢١)، وفى الاستئذان (٦٢٦٢)، ومسلم فى الجهاد (١٧٦٨)، وأبو داود فى الأدب (٥٢١٥،٥٢١٦)، والنسائى فى الفضائل (١١٨)، والبغوى (٢٧١٨)، وابن حبان فى صحيحه (٧٠٢٦)، وأحمد فى مسنده (٣/ ٢٢،٧١)، وأبو يعلى فى مسنده (١١٨٨)، والبيهقى فى السنن (٦/ ٥٧،٥٨)، (٩/ ٦٣) والطبرانى فى الكبير (٥٢٣).
[ ٤٨٠ ]
٣٢١ - حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلى، حدثنى رجل من بنى تميم من ولد أبى هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله، عن ابن لأبى هالة، عن الحسن بن على، قال:
«سألت خالى هند بن أبى هالة، وكان وصّافا، عن حلية رسول الله ﷺ وأنا أشتهى أن يصف لى منها شيئا، فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر» فذكر الحديث بطوله.
قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا. فسأله عمّا سألته، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله، ومخرجه، وشكله، فلم يدع منه.
قال الحسين: فسألت أبى عن دخول رسول الله ﷺ.
ــ
٣٢١ - (يكنى) بسكون فتخفيف، وبفتح فتشديد من كنى: ستر سميت بذلك لما فيها من ترك التصريح بالاسم. (أبا عبد الله عن أبى هالة) قيل: فيه انقطاع، لأن ابن أبى هالة من قدماء الصحابة. (وصّافا) أى كثير الوصف والمعرفة لما لم يصف به بالحق، وهذه الجملة كجملة. (وأنا أشتهى) إما معترضتان بين السؤال والجواب، لبيان كمال الوثوق والضبط لما يرويه حتى يتلقى منه القبول، أو حاليتان مترادفتان، أو متداخلتان عن الفاعل، أو المفعول، أو الأولى عن المفعول، والثانية عن الفاعل، وكذا قيل، وفى هذا غفلة وتكلف، فالأول أولى. (يتلألأ وجهه) أى يظهر لمعان نوره. (القمر) خصه دون الشمس لما مر أول الكتاب. (الحديث بطوله) قد مر الكلام عليه غير مرة.
(فكتمتها) أى هذه الحلية. (الحسين زمانا) أى لأختبر اجتهاده فى تحصيل العلم بحلية جده ﷺ. (أباه) فى نسخة: «أبى: وهو على كرم الله وجهه. (إليه) أى إلى السؤال عنها من خاله. (عن مدخله) لبيته. (ومخرجه) منه أى: عن حاله فيهما. (وشكله) بكسر أوله هو حسن طريقته وهيبته، ويجوز فتحه، ومعناه ح الميل والذهاب. (فلم يدع) أى على. (منه) أى مما سأله عنه أو فلم يدع الحسين منه أى من السؤال عن أحواله شيئا إلا سأل عنه وعجيب من جعل ضمير منه لعلى. (أوى) أى رجع وورد فيه
_________________
(١) إسناده ضعيف: وقد تقدم تخريجه (٧)، (٢١٧).
[ ٤٨١ ]
فقال: كان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله،
ــ
القصر والمد. (جزّأ دخوله) أى زمان دخوله. (جزء لله) أى يستفرغ فيه وسعه للعبادة والفكر. (وجزء لأهله) أى يعاشرهم فيه ويتألفهم، لما أنه كان حسن المعاشرة معهن، ومن ثم صح: «أنه كان يرسل لعائشة بنات الأنصار يلعبن معها، وأنها إذا شربت من إناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب، وأنه كان يتكئ فى حجرها، ويقبلها وهو صائم، وأنه كان يريها الحبشة-أى: لعبهم فى المسجد-وهى متكئة على منكبه، وهو يقول لها: أشبعت وهى تقول له: لا لا» (١) وروى أبو داود: «أنه ﷺ سابقها فى سفر على رجلها فسبقته، قالت: فلما حملت اللحم سابقته فسبقنى، قال: هذه بتلك» (٢) وكانوا يوما عنده ﷺ فى بيتها، فأتى بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة، فوضعت بين يديه فقال: «ضعوا أيديكم فأكل وأكلوا، وعائشة تصنع طعاما أعجلته، فوارت الصحفة التى أتى بها فلما فرغ ما فيها، جاءت بطعامها فوضعته، ورفعت تلك فكسرتها فقال ﷺ: كلوا غارت أمكم، ثم أعطى صحفتها أم سلمة فقال: طعام مكان طعام وإناء مكان إناء» (٣) رواه الطبرانى، ورواية البخارى: «فضربت به الخادم فسقطت الصحفة، وانقطع فجمع ﷺ ثلثها، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذى كان فى الصحفة، ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التى هو فى بيتها، فدفع الصحفة إلى التى كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة فى بيت التى كسرت» (٤).
وعند أحمد وغيره عن عائشة: «ما رأيت صانعة طعاما مثل صفية، أهدت للنبى ﷺ إناء من طعام فما ملكت نفسى أن كسرته فقلت: يا رسول الله؛ ما كفارته؟ فقال: إناء كإناء وطعام كطعام» (٥)، وفى رواية: «فأخذتها من بين يديه فضربت بها الخادم وكسرتها فقام
_________________
(١) رواه أحمد فى مسنده (٤/ ٢٣٦).
(٢) رواه أبو داود فى الجهاد (٢٥٧٨)، وأحمد فى مسنده (٦/ ٣٩،٢٦٤)، والبيهقى فى السنن الكبرى (١٠/ ١٨)، والطحاوى فى مشكل الآثار (٢/ ٣٦٠).
(٣) رواه النسائى فى عشرة النساء (٧/ ٧١)، وذكره الهندى فى كنز العمال (١٨٦٦٣)، وعزاه لابن أبى شيبة (٧/ ٢١٠).
(٤) رواه البخارى فى النكاح (٥٢٢٥)، وأبو داود فى البيوع (٣٥٦٧)، والنسائى فى عشرة النساء (٧/ ٧٠)، وابن ماجه فى الأحكام (٢٣٣٤)، وأحمد فى مسنده (٣/ ١٠٥)، والبيهقى فى السنن الكبرى (٦/ ٩٦).
(٥) رواه أبو داود فى البيوع (٣٥٦٨)، والنسائى فى عشرة النساء (٧/ ٧١)، وأحمد فى مسنده =
[ ٤٨٢ ]
وجزء لنفسه. ثمّ جزّأ جزّأه بينه وبين النّاس، فردّ بالخاصّة على العامّة، ولا يدّخر
ــ
يلتقط اللحم والطعام ويقول: غارت أمكم، فوسع خلقه الكريم صفحات غيرتها ولم يتأثر، بل أنصف منها وهكذا كانت أحواله معهن يعذرهن، وينصف بعضهن من بعض من غير قلق ولا غضب، وفى خبر مسند، لا بأس به عن عائشة مرفوعا «إن الغير لا يبصر أسفل الوادى من أعلاه» (١)، وروى الملائى وابن غيلان: «أنها أتت بحزيرة-أى بلحم يقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج در عليه الدقيق-طبختها للنبى ﷺ فقالت لسودة وهو قائم بينهما: كلى، فأبت، ثم قالت لها: كلى فأبت، فقالت: كلى أو لألطخن بها وجهك فأبت، فلطخت بها وجهها، فضحك النبى ﷺ» وبالجملة: من تأمل سيرته مع أهله، ونحو الأيتام والأرامل، علم أنه بلغ من التواضع واللين، والرأفة غاية ما حظىّ بمثلها مخلوق. (جزء لهم) بدل بعض من كل إن كان ما عطفت عليه بعد الإبدال، وكل من كل إن كان قبله. (وجزء لنفسه) يفعل فيه ما يعود عليه بالتكميل الدنيوى والأخروى وفصله عن الجزء الأول بمحض الشهود، والتحلى بجمال الحق، فلم يصف للنفس وإن عاد عليها بجميل العوائد وأحلّها «بينه وبين الناس»، فصيرهن جزئين، لا ينافى قوله: «ثلاثة أجزاء» لأن كلا من هذين لما عادا لشىء واحد، وهو نفسه الشريفة كانا بمنزلة شىء واحد، فاتضح قوله: «ثلاثة أجزاء». (فيرد) وفى نسخة: فردّ ذلك إلى جزء الناس. (الخاصة) بسببهم. (على العامة) لأن خواصه الحاضرين لديه يستفيدون منه، ثم يبلغون ذلك لعموم الناس، وبين على ﵁ قوله: «فرد» معنى كونه قسم جزئه بينه وبين الناس إذ لا يمكن تعميم الناس، إلا بتلك الوسائط، وأفهم أن المراد بالناس هنا؛ من جاء بعده إلى قيام الساعة، لأنك تجده ﷺ قد رد عليهم أجمعين من علومه، بواسطة خاصية ما كان سببا لهدايتهم وأمنا من غوايتهم. (ولا يدخر عنهم) أى عن الناس الخاصة والعامة، وقيل: عن العامة بأن لا
_________________
(١) = (٦/ ١٤٨)، والبغدادى فى تاريخ بغداد (٤/ ١٣٢)، والبيهقى فى السنن الكبرى (٦/ ٩٦)، ذكره السيوطى فى جمع الجوامع (٤٤٨٦)، وقال رواه النسائى عن عائشة (٣/ ١٤٠١)، وذكره الهندى فى كنز العمال (٣٩٨٢٤)، عزاه للنسائى عن عائشة (٧١٥).
(٢) رواه أبو يعلى فى مسنده (٤٦٧٠)، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٤،٣٢٢)، وقال: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وسلمه بن الفضل، وقد وثقه جماعة، وابن معين وابن حبان وأبو حاتم وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح، وذكره الحافظ ابن حجر فى فتح البارى (٩/ ٢٣٦)، وقال: فيه قصة، وفى المطالب العالية أيضا (١٥٤٠).
[ ٤٨٣ ]
عنهم شيئا. وكان من سيرته فى جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم فى الدّين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مسألتهم عنه. وإخبارهم بالذى ينبغى لهم، ويقول: ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب، وأبلغونى حاجة من لا يستطيع
_________________
(١) يخص الخاصة عنهم بشىء مما يشترك الكل فيه شيئا مما يتعلق بالنصح والهداية. (ويذخر) بذال معجمة، أو مهملة، إذ أصله: يذتخر، قلبت التاء ذالا معجمة ثم مهملة وهذا هو الأكثر ومهملة، ثم هى معجمة وأدغمت. (قد جزّأ الأجزاء) الذى يجلبه لهم وانظر تعبيره بالأمة فإنه يدل على ما مر فى الناس إيثار. (أهل الفضل) من الصلاح والعلم الشريف أى: تقديمهم على غيرهم فى نحو الاستفادة والدخول عليه لها وإبلاغه أحواله للعامة كل ذلك إنما كان بإذنه لهم فى ذلك، وفى رواية بفتح أولاه، وأصله صغار نحو الإبل والغنم، وأريد به هذا التحف التى يخصهم بها، وكان من سيرته فى ذلك الجزء أيضا. (قسمه) ما عنده من جزئى الدنيا والآخرة، وهو بفتح القاف مصدر قسم. (على قدر فضلهم فى الدين) دون أحسابهم وأنسابهم، لأن أولئك أكرم وأفضل. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللهِ أَتْقاكُمْ. (فيتشاغل بهم) أى بذى الحاجة وكان بعده، فيشتغل بهم، ويشتغلون به على قدر حاجتهم دنيا وأخرى. (ويشغلهم) بضم أوله وفتحه من شغله كمنعه، والأول لغة بعيدة أو قليلة، أو ردية ذكره فى القاموس. (فيما) وفى نسخة «بما» فالباء بمعنى فى أى فى الذى. (يصلحهم) ويصلح (الأمة) بتعليم ما استفادوه منه إليهم وفى نسخة «أصلحهم». (من) بيان لما كنا قبل وفيه نظر والأصوب أنها تعليلية. (مسألتهم) أى سؤالهم إياه. (عنه) أى عما يصلحهم وفى نسخة عنهم أى: عن أحوالهم. (وإخبارهم) مضاف أى: للمفعول وفاعله النبى ﷺ أى ومن أجل إخبارة إياهم، فهو عطف على مسألتهم، وزعم عطفه على ما يصلحهم تكلف غير مرض، وفى نسخة: «بإخبارهم» عطف على «بهم»، وهو ظاهر، بل لو حمل عليه النسخة الأولى لكان أوضح. (ينبغى لهم) من الأحكام اللائقة بهم وبأحوالهم وبزمانهم ومكانهم، والمعارف التى تسعها عقولهم. (ويقول) لهم بعد أن يفيدهم ذلك (ليبلغ الشاهد) أى الحاضر. (منكم) عندى الآن. (الغائب) من بقية الأمة ويقول لهم أيضا. (وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغها) إلىّ لعذر كمرض أو بعد أو غيرهما، وهذا من
[ ٤٨٤ ]
إبلاغها، فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبّت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلّة على الخير.
قال الحسين: فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟
ــ
كمال تواضعه ﷺ وشفقته لأمته، واعتنائه بأمورهم وهدايتهم وإصلاحهم، ما استطاع، ومن ثمة حثهم على إبلاغه ذلك بقوله تعليلا لأمره بالإبلاغ. (فإنه) أى الشأن. (من أبلغ سلطانا) أى قادرا على إنفاذ ما يبلغه بفتح اللام وإن لم يكن له سلطنة، وهى القوة والمنعة. (حاجة من لا يستطيع إبلاغها) دنيوية كانت أو دينية. (ثبت الله قدميه يوم القيامة) لأنه حركها فى إبلاغ حاجة هذا الضعيف جوزى بعود صفة كاملة تامة لهما وهى ثباتهما على الصراط يوم تزل فيه الأقدام. (لا ذكى) أى المحتاج إليه دنيا وأخرى دون ما لا ينفع فيهما كالأمور المباحة التى لا فائدة فيها، فإنها كانت لا تذكر عنده غالبا، لأنه وإياهم فى شغل شاغل عن ذلك. (ولا يقبل) ﷺ. (من) كلام. (أحد) شيئا.
(غيره) أى غير المحتاج إليه، أى: لا يمش ويرضى ويشتغل إلا بذكر المحتاج إليه دون غيره. (روادا) أى طلابا للمنافع جمع رائد، وهو فى الأصل: من يتقدم القوم لينظر فى أمر الكلأ ومساقط الغيث، واستعير هنا؛ لتقدم أفاضل الصحابة فى الدخول عليه ﷺ ليس تعبد منها ما يصلح شأن بقية الأمة، ويكون سببا لوقايتهم من مهالك الجهل وغوائل الهوى. (إلا عن ذواق) مطعوم حسىّ غالبا، ومعنوى من العلم والأدب دائما، فهو لأرواحهم مقام الطعام والشراب لأبنائهم، وعن بمعنى بعد. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١). (أدلة) هداة للناس يعنى. (على الخير) من العلم، والعمل، ومن ثمة قال ﷺ: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٢). (قال الحسين) ﵁.
(فسألته) أى أبى. (عن مخرجه) أى عن صنعه فى حال خروجه من البيت. (يخزن) بضم الزاى وكسرها أى يحفظ عما لا. (يعنيه) أى يهمه ما لا يعود عليه، ولا غيره بنفع
_________________
(١) سورة الانشقاق آية رقم (١٩).
(٢) رواه القضاعى فى مسند الشهاب (١٣٤٦)، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله (٨٩٨)، (٩٠٩)، وذكره الحافظ ابن حجر فى تلخيص الحبير (٢٠٩٨)، وعزاه لعبد بن حميد فى مسنده، والدار قطنى فى غرائب مالك، وأبو ذر الهروى فى كتاب السنة، وضعفوه. وقال ابن حزم: هذا خبر مكذوب موضوع باطل.
[ ٤٨٥ ]
قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلّفهم، ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم، ويولّيه عليهم، ويحذّر النّاس ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا فى
ــ
دينى، ولا دنيوى «فكان ﷺ كثير الصمت» (١) كما مر عن أبى هالة. (ويؤلفهم) أى يجعلهم ألفين له مقبلين عليه بكليتهم، ولا متسع فيهم لغيره لما كان يتنزل إليه معهم من مؤاسنتهم، ومباسطتهم، وربما يمازحهم، كل ذلك لسعة أخلاقه وعظيم تفضله وتكرمه، أو يؤلف بعضهم على بعض، حتى لا يبقى بينهم تباغض بوجه، ومن ثمة امتن الله تعالى عليهم بذلك فقال عز قائلا: وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا (٢). وأما ما قيل: إن معنى؛ يؤلفهم:
يعطيهم الوفاء فهو لا يوافق اللغة، ولا المراد، لأنه ﷺ إنما كان يتألف بالمال من جفاه من أصحابه، ممن لم يتمكن الإسلام فيهم تمكنه فى غيرهم ومن ثم قال ﷺ: «إنى لأعطى الرجل، وغيره أحب إلىّ مخافة أن يكبه الله على وجهه فى نار جهنم» (٣)، ويؤيد إرادة المعنى الأول قوله: (ولا ينفرهم) أى لا يوجد فعلا من أفعاله يكون سببا فى تفرقهم، وإعراضهم عنه لما عنده من مزيد الصفح، والعفو، والرأفة عليهم، والحلم عنهم قال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ. (كريم كل قوم) هو أفضل دينا وحسبا ونسبا ويوليه عليهم وهذا من تمام حسن نظره وعظيم تدبره، إذ القوم أطوع لكبيرهم، وأخشى منه مع ما فيه من الكرم المقتضى للرفق بهم ولاعتدال أموره معهم. (ويحذر الناس) أى يخوف الناس من عقاب الله وعذابه ويحثهم على طاعته. (ويحترس منهم) أى مخالطتهم المؤدية إلى سقوط هيبته وجلالته من قلوبهم، ولكن لا مطلقا بل إنما يحترس احتراسا (من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره) أى طلاقة وجهه وبشاشته. (ويسأل الناس) وهو اتصاف الباطن بسائر صفات الكمال فاحتراسه وتحفظه إنما هو عن كثرة مخالطتهم كثرة تؤدى إلى ما مر، لا عن نوع مخالطة على أن تكون مقرونة بغاية البشر وسعة الخلق، فلا مشقة.
_________________
(١) رواه أحمد فى مسنده (٥/ ٩١)، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٧)، وقال: رواه أحمد والطبرانى فى حديث طويل، ورجال أحمد رجال الصحيح غير شريك وهو ثقه.
(٢) سورة آل عمران آية رقم (١٠٣)
(٣) رواه مسلم فى الإيمان (١٣٢).
[ ٤٨٦ ]
النّاس، ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، ولا يغفل مخافة أن يغفلوا ويملّوا، لكلّ حال عنده عتاد لا يقصّر عن الحقّ ولا
_________________
(١) عليهم فى ذلك الاحتراس، بل فيه غاية المصلحة لهم. (ويتفقد أصحابه) يطلبهم عند غشيته. (فى الناس) يحتمل أن يراد بهم العموم، ويحتمل أن يراد بهم الخصوص، أى: ويسأل خواص أصحابه وأفاضلهم. (ويحسن الحسن) من المحاسن والمساوئ ليعامل كلا بما يقتضيه أفعاله وأوصافه، ومن ثمة قال: (ويحسن الحسن) الواقع من غيره أى: يظهر حسنه بمدحه، أو مدح فاعله. (ويقبح القبيح) الواقع من غيره أى: يظهر قبحه بذمه وذم فاعله، وإن بلغ من الجاه ما بلغ به، ثم سؤاله من ذلك سؤال يترتب عليه مصالح عامة فلا غيبة فيه، إذ من أنواع الغيبة الجائزة، بل الواجبة أن من أراد مخالطة إنسان وجب على من يعلم فيه عيبا أو منفرا أن يذكره لذلك المريد لمخالطته، وإن لم يسأل فكيف إذا سأل. (ويوهيه) معنى يوهيه يسقطه عن النظر والاعتبار وفى نسخة بالنون من الوهن. تنبيه: إنما لم يقل عما فهم كما هو القياس ليس الطريق الأوضح أن المسئول غير المسئول عنه، وفى هذا إرشاد منه ﷺ إلى أكابر أمته من الحكام، والعلماء، والصحابة الذين يكثر أتباعهم، أنه ينبغى لهم أن يتعرفوا أحوالهم ليعاملوا كلا بما يستحقه، ولا يغفلون عن ذلك لئلا يترتب عليهم الضرر العظيم كما هو مشاهد. (معتدل الأمر) ظاهر السياق نصبه عطفا على خبر كان، وما عطف عليه بحذف حرف العطف وفى بعض الأصول المصححة: رفعه بتقدير مبتدأ محذوف وسببه أن ذلك الأخبار المتعاطفة، وأمور تطلق عليه تارة، وأضدادها أخرى لكونه يجرى لبيانه، وما عطف عليه، فإما كونه معتدل الأمر، وما بعده، فهى أمور لا رغد له لا ينفك عنها أبدا لرفادة ذلك قطعا عما قبل وذكرها على هذا الوجه البديع فتأمل، فإنه مهم وقد غفل عنه بعضهم فقال: وكأن جملة معتدل الأمر معترضة أى: بناء على ما فى بعض النسخ: «ولا يعتل» بالعطف، لكن الذى فى الأصول المصححة حذف الواو فتعين ما ذكرته. (غير مختلف) حال بمعنى أن جميع أفعاله وأقواله على غاية الاستواء والاعتدال، وجميع ذلك محفوظة عن أن يصدر به فيها أمور متخالفة المجامل، متناقضة الأواخر والأوائل، وأن ذلك إنما ينشأ عن خفة العقل، وسفاهة الرأى، وعدم المروءة وسوء الخلق وأيا من كملت فيه تلك المحاسن فحاشاه من ذلك. (لا يغفل) عن تذكيرهم وإرشادهم ونصحهم وتعليمهم. (مخافة أن يغفلوا) عن استفادة. (علىّ) أقواله وأحواله. (أو يلجئوا) إلى
[ ٤٨٧ ]
يجاوزه، الذين يلونه من النّاس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة، أحسنهم مواساة وموازرة.
ــ
الدعة والرفاهية. (أو يميلوا) من الميل فى أخرى: «ويميلوا» بالواو لكل حال من أحواله وأحوال غيره. (عنده عتاد) بفتح أوله أى: عدة وتأهب بما يصلحه ويناسبه. (لا يقصر) من التقصير والقصور. (عن الحق) وسائر أحواله حتى يستوفيه لصاحبه إن علم منه عما فيه، ولا يعطى فيه رخصة ولا تهاونا. (ولا يجاوزه) فلا يأخذ أكثر منه، وزعم أن لا يقصر بالمعنى الثانى صفة عتاد ليس فى محله، لأن المقام ينبو عنه بكل وجه كما هو جلى ومن شرح جملة قوله: «ولا يقصر» والتى بعدها بقوله: «ولا إفراط ولا تفريط» فقد غفل، إذ لا مجال هنا لذكر إفراط ولا تفريط إثباتا ولا نفيا. (الذين يلونه من الناس) أى يقربون منه لاكتساب الفوائد وشرها وتعليمها لهم. (خيارهم) فيه دليل على أن الأولى للعالم أن يجعل الذين يقربون منه ويتلقون عنه خيار أصحابه، لأنهم الذين يؤتمنون ويوثق بهم علما وفهما أو تبليغا ومن ثم قال ﷺ: «ليلينى منكم-أى فى الصلاة-أولى الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم» (١) فكذا حلق العلم ومجالسيه ينبغى أن يكون أهله كذلك. (أفضلهم عنده أعمهم نصيحة) للمسلمين أى: أكثرهم نفعا، وبهذا وما بعده علم أن الأفضل عند الله من الصحابة رتب الخلفاء الأربعة فى الفضل على ما عليه أهل السنة والجماعة، إلا بعضا منهم: فضلوا عليا على عثمان ﵃، ومن تتبع سير أحوالهم وانكشفت له مناقبهم علم ذلك علما يقينا، وأما من انطمست بصيرته وفسدت سريرته، فإنه يجرى فى ميادين ضلالته وشقائه. (مواساة) أى بالنفس والمال. (ومؤازرة) مهموز الفاء أى معاونة فى مهمات الأمور بالنفس والمال أيضا: كما وقع للإنصار مع المهاجرين فى كل من الأمرين.
تنبيه: مخرجه ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أجزاء أيضا قسم لله، وهو وقت إقامة الصلاة، وتعلم العلوم، وقسم لنفسه، وهو ما تدعو إليه ضرورة، وقسم للناس، وهو السعى فى حوائجهم، فلم خص تلك النعمة بمدخله فقط، ويجاب: بأنهم يعلمون أحواله فى
_________________
(١) رواه مسلم فى الصلاة (٤٣٢)، وأبو داود (٦٧٥)، والترمذى (٢٢٨)، والدارمى (١/ ٢٩٠)، وأحمد فى مسنده (١/ ٤٧٥)، وابن حبان فى صحيحه (٢١٨٠)، وابن خزيمة فى صحيحه (١٥٧٢)، والطبرانى فى الكبير (١٠٠٤١)، والبيهقى فى السنن الكبرى (٣/ ٩٦،٩٧)، وأبو عوانة فى مسنده (٢/ ٤٢)، والبغوى فى شرح السنة (٨٢١).
[ ٤٨٨ ]
قال: فسألته عن مجلسه.
فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، ويأمر بذلك، يعطى كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، من جالسه، أو فاوضه، فى حاجة صابره حتّى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يردّه إلاّ بها، أو بميسور من القول،
_________________
(١) خروجه فلم يحتج إلى ذكرها لهم بخلافها فى دخوله، فاحتاج إلى ذكرها وأيضا فالغالب فى من فى بيته أنه يشتغل بعياله وحوائجه فى أكثر الزمن فتبين أنه ﷺ ليس كذلك، وأيضا فهو فى خروجه أكثر زمنه مصروف للنفع العام، وفى دخوله بالعكس فكان بيان هذا أهم، ثم رأيت بعضهم أجاب عن ذلك بما لا يفهم بعضه ولا ينفع باقيه، فاجتنب. (عن مجلسه) أى أحواله فى وقت جلوسه مع الناس وهذا من ذكر الأخص بعد الأعم إذ ذكر أحوال مخرجه يدخل فيه ذكر أحوال مجلسه المذكور. (إلا على ذكر) أى ذكر الله كما فى نسخة إلا حال كونه متلبسا بالذكر. (حيث ينتهى به) ﷺ خلافا لمن زعم أن الضمير للجلوس. (المجلس) لكرم أخلاقه ومزيد تواضعه إذ لم يتكلف خطوة زائدة على الحاجة لحظ نفسه حتى يجلس صدر المجلس. (ويأمر بذلك) أى بالجلوس حيث انتهى المجلس إعراضا عن رعونات النفس وأغراضها الفاسدة، المنبئة عن مزيد التكبر والترفع. (بنصيبه) من البشر والكرامة اللائقين به، وأفرد الضمير؛ لأن كل إذا أضيفت إلى الجمع دلت على أن المراد كل فرد من أفراد ذلك الجمع، وأدخل الباء على المفعول الثانى تأكيدا، ويصح أنه محذوف، وأن بنصيبه صفته أى: شيئا بقدر نصيبه (لا يحسب جليسه. . .) إلخ فلكمال خلقه وحسن معاشرته ظن كل أنه من جلسائه لما ظهر له من عظيم بشره وقربه أنه أقرب الناس إليه، وهذا هو الغاية فى الكمال وقوله: (أحدا) أى من أمثاله كما هو ظاهر لا مطلقا وإلا فمن المعلوم المستقر أن الصحابة بأسرهم كانوا يعتقدون أن أبا بكر مثلا كان أكرم عليه منهم. (صابره) أى يصبر على ما يصدر منه، ولا يبادر بالقيام عنه، ولا يقطع كلامه، بل يستمر معه. (حتى يكون هو المنصرف) عنه ﷺ وهذا من عظيم خلقه وكريم تواضعه وهذا يتعلق بمجالسه، وأما فاوضه فالمراد بمصابرته فيه أنه يصبر لمفاوضته حتى ينقضى كلامه. (إلا بها) أى يتسرب عنده. (أو بميسور) أى حسن. (من القول) ليكون ذلك علاقته مسلاة له عن حاجته، وهذا من
[ ٤٨٩ ]
قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده فى الحقّ سواء، مجلسه مجلس علم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن
_________________
(١) فيه كمال سخائه، ومروءته، وحيائه، ومن ذلك الميسور: أن يعده العطاء إذا جاء أحد شىء، كما وقع له مع كثيرين، بل لما استخلف أبو بكر وجاءه مال قال: من كان له على رسول الله ﷺ عدة فليأتنا، فجاءه الذين كان وعدهم ﷺ فوفى لهم أو يرغبه عن الدنيا وزينتها، حتى يخرج حبها عن قلبه أو يشفع له إلى من يعطيه من مياسير أصحابه بسطه بشره، وطلاقة وجهه وخلقه، أى: أمر ذاته الظاهرة والباطنة. (فصار لهم أبا) فى الشفقة والرحمة وأعظم من أب، لأن غاية الأب أن يسعى فى صلاح الظاهر، وهو ساع فى صلاح الظاهر والباطن، ومن ثم أشفق على أهل الكبائر من أمته وأمرهم بالستر فقال: «من بلى بهذه القاذورات-يعنى المحرمات-فليستتر» وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود، ويترحموا عليه لما سبوه ولعنوه، فقال: «قولوا: اللهم اغفر له اللهم ارحمه»، وقال لهم فى رجل كان كثيرا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر فلعنوه مرة، فقال: «لا تلعنوه فإنه يحبّ الله ورسوله». (وصاروا عنده فى الحق سواء) أى سواء توصل إليهم من معارفه وعلومه ما يستحقونه من غير أن يميزّ أحدا منهم على مساويه فى التأهل لقبول ذلك والاستعداد له لكمال عدالته ﷺ. (مجلس علم) نبيهم إياه. (وحياء) عظيم يتحلون به، ومن ثم كانوا يجلسون فيه على غاية من الأدب كأن على رءوسهم الطير. (وصبر) منه على جفائهم. (وأمانته) منهم على ما يقع فيه بحيث لا يمكن أحدا أن يزيد على ذلك، أو ينقص منه شيئا وإن قل، وذلك لما أنه كان فى مجلس تذكير بالله، وترغيب فيما عنده، وترهيب من سطوات انتقامه، إما بإقرائهم القرآن غضا طريا، أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليمهم أحكام دينهم وأسراره الظاهرة والباطنة، فترق قلوبهم ويزهدون فى الدنيا، ويرغبون فى الآخرة، ومن ثم قال أبو هريرة كما عند أحمد وغيره: «قلنا: يا رسول الله ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا فى الدنيا، وكنّا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك وعافينا أهلنا وشمّنا أولادنا، أنكرنا قلوبنا فقال ﷺ: «لو أنكم إذا خرجتم من عندى كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة فى بيوتكم» الحديث. (لا ترفع فيه الأصوات) لأنهم كانوا على غاية الخضوع والتأدب والإطراق كأنما على رءوسهم الطير، فليسوا ككثيرين من طلبة العلم يرفعون به أصواتهم فى درسهم ومجالسهم، إما لرياء، أو لعدم فهم، أو
[ ٤٩٠ ]
الحرم، ولا تنثنى فلتاته، متعادلين، يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب».
_________________
(١) لعدم علم، أو صبر، أو أمانة. (ولا تؤبن) من الأبن وهو العيب. (فيه الحرم) أى المحارم، أى: لا يعبن ولا يرمين محلة سوء لصون مجلسه عن رفث القول وقبيحه. (لا تنثنى) بفوقية فنون فمثلثة من الثنو من ثنى يثنو إذا تكلم بقبيح أى: لا يشاع ولا يذاع. (فلتاته) أى زلاته، أى: إن وقع من أحد فيه زلة سترت فلا تذكر فى مجلس غيره، أو أن المراد كما قال ابن الأعرابى: إنه لا فلتات فيه تثنى فانثنى، فالنفى للفلتات نفسها لا لوصفها من الإذاعة، فالنفى لا يقيد لا للقيد وحده على حد لا يَسْئَلُونَ اَلنّاسَ إِلْحافًا أى لا سؤال منهم فلا إلحاف، فإن قلت: قد وقع فيه فلتات من أجلاء فالعرب يقول بعضهم له: «أعطى من مال الله الذى أتاك لا من مال أبيك وجدك». وقول الأنصارى: للزبير فى السقى فقضى ﷺ للزبير: «أن كان ابن عمتك» قلنا: مثل هذه الأجلاف لا تسمى فلتة، كيف وهى دأبهم ونشأتهم؟ وإنما تسمى فلتة ما وقع من كامل على خلاف طبعه وعادته، وهذه لم يحفظ وقوع شىء منها فى مجلسه، فإن حفظ، كان المراد بها،؛ لو وقعت نادرا سترت على صاحبها. (متعادلين) قيل: بنصب بتقدير كانوا وأولى منه؛ أنه حال متقدمة من ضمير. (يتفاضلون) أى متساوين فيما بينهم، فلا ترى أحدا منهم له تميز على جليسه وإن كان أجل منه علما وأقدم صحبة. (الكبير) أى هنا وقد لا: (الصغير) أى كذلك وورد: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا». (ويؤثرون ذا الحاجة) على أنفسهم فى تقربه من النبى ﷺ وتحدثه معه وغير ذلك. (ويحفظون الغريب) من الفوائد أى: يعتنون بحفظه وإتقانها، ومن الرجال، أى: يحفظون وده وإكرامه، ومن تواضعه ﷺ أنه لم يكن له بواب كما فى البخارى، لكنه اتخذ أبا موسى الأشعرى بوابا لما جلس على البئر ولا تنافى، بل الأول فيما إذا لم يكن فى شغل من أهله ولا انفراد فى أمره ح، فكان يرفع الحجاب بينه وبين الناس، والثانى فيما إذا كان فى شىء من ذلك، ومن ثم لما حلف النبى ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرا، وانفرد فى المشربة استأذن عليه عمر ﵁ فقال: «يا رباح استأذن لى».
[ ٤٩١ ]
٣٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:
«لو أهدى إلىّ كراع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت».
٣٢٣ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر، قال:
«جاءنى رسول الله ﷺ ليس براكب بغل ولا برذون».
٣٢٤ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا يحيى بن الهيثم العطار، قال: سمعت يوسف بن عبد الله بن سلام، قال:
«سمّانى رسول الله ﷺ يوسف، وأقعدنى فى حجره، ومسح على رأسى».
ــ
٣٢٢ - (كراع) هو ما دون الركبة من الساق. (عليه) أى إليه كما فى نسخة.
(لأجبت) فيه: ندب قبول الهدية وإجابة الدعوة، ولو بشىء قليل فى كمال خلقه وحسن تواضعه.
٣٢٣ - (ولا برذون) هو الأعجمى، وهو أصبر من العربى، والعربى أسرع منه، ومجيئه ﷺ بدونهما دليل على تواضعه.
٣٢٤ - (فى حجره) هو بالكسر ما بين يديك من بدنك، وبالفتح فرج الرجل والمرأة، وحكى أنه بهما الحسن، وهو ما دون الإبط إلى الكشح، وأنه روى هنا بهما، والمصدر الذى هو المنع بالفتح لا غير، وفى الحديث: أنه يندب لمن يقتدى به، ويتبرك به تسمية
_________________
(١) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى الأحكام (١٣٣٨)، بسنده ومتنه سواء.
(٢) إسناده صحيح: رواه الترمذى فى المناقب (٣٨٥١)، بسنده ومتنه سواء، ورواه البخارى فى المرضى (٥٦٦٤)، وأبو داود فى الجنائز (٣٠٩٦)، وأحمد فى المسند (٣/ ٣٧٣)، ثلاثتهم من طريق عبد الرحمن به فذكره.
(٣) إسناده صحيح: رواه الإمام أحمد فى المسند (٤/ ٣٥)، (٦/ ٦)، من طريق يحيى بن الهيتم به فذكره.
[ ٤٩٢ ]
٣٢٥ - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو داود، أنبأنا الربيع بن صبيح، حدثنا يزيد الرقاشى، عن أنس بن مالك:
«أنّ النّبىّ ﷺ حجّ على رحل رث وقطيفة، كنّا نرى ثمنها أربعة دراهم، فلمّا استوت به راحلته قال، لبّيك بحجّة لا سمعة فيها ولا رياء».
٣٢٦ - حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ثابت البنانى وعاصم الأحول، عن أنس بن مالك:
«أنّ رجلا خيّاطا دعا رسول الله ﷺ، فقرّب له ثريدا عليه دبّاء فكان ﷺ يأخذ الدّبّاء، وكان يحبّ الدّبّاء.
قال ثابت: فسمعت أنسا يقول: فما صنع لى طعام أقدر على أن يصنع فيه دبّاء إلا صنع».
ــ
ولد أصحابه، وتحسين الاسم، وأن أسماء الأنبياء من الأسماء الحسنة، ووضعه فى الحجر، ومسح رأسه وفى فعله ﷺ هذين كمال خلقه وعظيم رحمته وتواضعه وملاطفته.
٣٢٥ - (راحلته) هى من الإبل البعير القوى على الأسفار والأحمال، الذكر والأنثى فيه سواء. (لبيك) أى إقامة على إجابتك بعد إقامة من ألب بالمكان أقام، والأصل:
ألبيت على خدمتك إلبابا أى: قمت عليها إقامة بعد إقامة. (لا سمعة فيها ولا رياء) بل خالص لوجهه تعالى.
٣٢٦ - (خياطا) مر حديثه فذكر هنا، لأن فيه دلالة على مزيد تواضعه ﷺ.
(يقول. . .) إلخ فيه أنه يندب محبة ما كان ﷺ يحبه، ويندب أيضا تحرى طبخه وأكله.
_________________
(١) صحيح: وسبق برقم (٣١٩).
(٢) إسناده صحيح: رواه مسلم فى الأشربة (٢٠٤١)، وأحمد فى المسند (٣/ ٢٢٥)، وعبد بن حميد فى المنتخب (١٢٧٧)، ثلاثتهم من طريق ثابت به فذكره.
[ ٤٩٣ ]
٣٢٧ - حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قالت: قيل لعائشة: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ فى بيته، قالت:
«كان بشرا من البشر، يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه».
ــ
٣٢٧ - (قالت. . .) إلخ صح عنها أيضا: «كان يخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه ويخصف نعله» فى رواية أحمد: «ويرقع دلوه»، وفى أخرى له أيضا: «ويفلى ثوبه» أى: فى أوقات لما صح «أنه ﷺ كان له خدم». (بشرا من البشر) أى واحدا من أولاد آدم يعتريه ما يعتريهم من الاحتياج لنحو الأكل والشرب والمشى فى الأسواق ومن المحن والضرورات ومن الاشتغال فى مهنة أهله ونفسه، بما أرشد أمته إلى التواضع، وترك الترفع، ولأنه قد شرفه الله بالوحى والنبوة وكرمه بالمعجزات والرسالة قُلْ إِنَّماأَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ وردت بذلك على من يعتقد فى النبى أنه إله، أو ابنه، كما اعتقدت النصارى فى عيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقوله: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم». (ويفلى ثوبه) أى يلتقط ما فيه من القمل ونحوه وظاهر ذلك أن نحو القمل كان يؤذى بدنه الشريف، إلا أن يقال لا يلزم من التفلية وجوده بالفعل، على أنه يحتمل أن التفلية من وسخ ونحوه، ثم رأيت ابن وسيع ونحوه قالوا: لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له، وبعضهم أجاب بما يعلم رده مما قررته.
_________________
(١) إسناده ضعيف وهو صحيح: فيه: عبد الله بن صالح: صدوق كثير الغلط، ومعاوية صدوق له أوهام. رواه أحمد فى المسند (٦/ ٢٥٦)، والبخارى فى التاريخ الكبير (١/ ٥٤١)، والبغوى فى شرح السنة (٣٥٧٠)، ثلاثتهم من طريق معمر به فذكره نحوه. وللحديث طريق أخرى عند الإمام أحمد كما سبق.
[ ٤٩٤ ]