ــ
(باب ما جاء فى حياء رسول الله ﷺ)
وهو هنا بالمدّ من الحياة، ومنه الحياء للمطر، لكنه مقصور، وبحسب حياة القلب يزداد الحياء، فكلما كان القلب حيا كان الحياء أتم.
وهو لغة: تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به.
وشرعا: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويحضّ على ارتكاب الحسن، ومجانبة التقصير فى الحق.
وهو أقسام: منها: حياء الكرم: كاستحيائه ﷺ أن يقول لمن طوّلوا القيام عنده فى وليمة زينب انصرفوا، وفيه نزلت: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ. . . الآية.
حياء المحبّ من محبوبه: حتى إذا خطر بقلبه هاج الحياء منه، فيخجل من غير أن يدرى سببه.
وحياء العبودية: بأن يشهد تقصيره فيها، فيزداد خوفه وخجله.
وحياء المرء من نفسه: بأن تشرف همته فيستحى من رضى نفسه بالنقص فيجد نفسه مستحيا من نفسه، حتى كأن له نفسين فيستحى. فهذا أكمل أنواع الحياء، إذ المستحى من نفسه أقدر بالاستحياء من غيره.
والحياء المحمود: من جملة الخلق الحسن فإفراده بباب للتنبيه على عظم شأنه، والاعتناء له، لأن به ملاك الأمر، وحسن المعاشرة للخلق، والمعاملة للحق، ومن ثمّ قال ﷺ: «الحياء خير كله» (١). وقال: «إن لم تستح فاصنع ما شئت» (٢).
_________________
(١) رواه مسلم فى الإيمان (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦)، والإمام أحمد فى مسنده (٤/ ٤٢٦،٤٣٦، ٤٤٠،٤٤٢،٤٤٥،٤٤٦)، وابن أبى شيبة فى المصنف (٨/ ٣٣٥)، والطبرانى فى الكبير (١٨/ ١٧١،٢٠٢،٢٠٥،٢٢٢)، وفى الصغير (١/ ٨٥)، والبخارى فى التاريخ الكبير (٣/ ٣٠)، والشجرى فى أماليه (٢/ ١٩٦)، وابن عدى فى الكامل (٣/ ٨٩٢،٩٤٥)، وأبو نعيم فى الحلية (٢/ ٢٥١)، (٦/ ٢٦٢)، وكذلك فى المسند المستخرج على مسلم (١/ ١٥٢، ١٥٣)، والعقيلى فى الضعفاء (٢/ ٢٠١).
(٢) رواه البخارى فى الأنبياء (٣٤٨٣)، والإمام أحمد فى المسند (٤/ ١٢١،١٢٢)، (٥/ ٢٧٣)، =
[ ٥١٨ ]
٣٤٣ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن قتادة قال:
سمعت عبد الله بن أبى عتبة، يحدث عن أبى سعيد الخدرى قال:
«كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء فى خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه فى وجهه».
ــ
٣٤٣ - (أشد حياء): آثره على إحيا لأن المبالغة فيه أكثر. (من العذراء): البكر لأن عذرتها وهى جلدة بكارتها باقية. (فى خدرها): هو-بكسر الخاء المعجمة-ستر يجعل لها فى جنب البيت، تكون فيه وحدها، حتى من النساء، وهى فيه أشد حياء منها خارجه، إذ الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، فعلم أن المراد الحالة التى تعتريها عند دخول أحد عليها فيه، لا التى تكون عليها حالة انفرادها، أو اجتماعها بمثلها فيه.
وفيه: بيان عظيم حيائه ﷺ، وأن الحياء من الأوصاف المحمودة المطلوبة المرغبّ فيها، وهو كذلك، إذ هو شعبة من شعب الإيمان، كما يدل عليه قوله ﷺ: «والحياء شعبة من الإيمان» (١). وروى البخارى «أنه من الإيمان، وأنه لا يأتى إلا بخير» (٢). قال
_________________
(١) = والطبرانى فى الكبير (١٧/ ٢٣٥)، والخطيب فى التاريخ (١٢/ ١٣٦)، من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁.
(٢) إسناده صحيح: رواه البخارى فى المناقب (٣٥٦٢)، وفى الأدب (٦١٠٢،٦١١٩)، ومسلم فى الفضائل (٢٣٢٠)، وابن ماجه فى الزهد (٤١٨٠)، وأحمد فى المسند (٣/ ٧١،٧٩،٨٨،٩١،٩٢)، والطيالسى فى مسنده (٢٢٢٢)، وابن سعد فى الطبقات الكبرى (١/ ٣٦٨)، وأبو بكر بن أبى شيبة فى المصنف (٨/ ٣٣٦)، والطبرانى فى الكبير (١٨/ ٢٠٦)، والخرائطى فى مكارم الأخلاق (٤٩)، والبيهقى فى دلائل النبوة (١/ ٣١٦)، وكذلك فى السنن (١٠/ ١٩٢،١٩٩)، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى ﷺ (ص ٣٨)، كلهم من طرق عن قتادة به فذكره نحوه.
(٣) رواه البخارى فى الإيمان (٩)، ومسلم فى الإيمان (٣٥)، وأبو داود فى السنة (٤٦٧٦)، والنسائى (٨/ ١١٠)، وابن ماجه (٥٧)، والإمام أحمد فى المسند (٢/ ٤١٤،٤٤٢)، وابن أبى شيبة فى المصنف (٨/ ٣٣٤)، والبغوى فى شرح السنة (١/ ٢٩)، والخطيب فى التاريخ (٤/ ٣٣٨)، (٦/ ٢٩٢،٢٩٣)، وابن منده فى الإيمان (٦٦).
(٤) رواه البخارى فى الأدب (٦١١٧)، ومسلم فى الإيمان (٣٧)، والإمام أحمد فى مسنده (٤/ ٤٢٧)، والطبرانى فى الكبير (١٨/ ٢٠٦)، والبغوى فى شرح السنة (١٣/ ١٧٣)، والخطيب فى التاريخ (١١/ ٢٩٥).
[ ٥١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القاضى عياض وغيره: إنما جعل الحياء من الإيمان، وإن كان غريزة، لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم. وقال القرطبى: الحياء المكتسب: هو الذى جعله الشارع من الإيمان، وهو المختلق دون الغريزى، غير أن من كان فيه غريزة منه، فإنها تعينه على المكتسب، حتى يكاد أن يكون غريزيا. وقد جمع له ﷺ النوعان، فكان الغريزى أشد حياء من البكر فى خدرها. وروى عنه: «كان من حيائه لا يثبت بصره فى وجه أحد».
واعلم: أن الحياء إنما يتمدح به حيث لم ينته بصاحبه إلى ضعف وجبن وخروج عن الحق، وإلا كان مذموما، وحياؤه ﷺ كان منزّها عن جميع ذلك. فقد قال ابن عمر:
«ما رأيت لا أشجع ولا أعبد من رسول الله ﷺ». وقال أنس «كان أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس» (١)، وذكر قصة «فزع أهل المدينة فانطلق ناس قبل الصّوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا وقد سبقهم وحده، واستبرأ الخبر على فرس لأبى طلحة عرى والسيف فى عنقه، وهو يقول: لن تراعوا»: أى روعا مستقرا أو روعا يضرّكم، وكان ذلك الفرس تطوفا أى: ضيق الخطى، فلما قال: وجدناه بحرا صار واسع الجرى. ببركة ركوبه. وصرع رسول الله ﷺ ركانة ثلاث مرات متواليات، بشرط إن صرع أسلم، فزاد تعجبه لشدة قوته وقصد النّاس له لذلك، وصارع جمعا غيره منهم ابن الأسود الجهمى فصرعه، مع أنه بلغ من شدّته أنه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرى الجلد، ولم يتزحزح منه. وفى الحديث «إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ»: أى جعلناه قدّامنا واستقبلنا العدو به وقمنا خلفه ومر فى باب الشعر ركوبه للبغلة فى الحرب، وأن ذلك دليل أى دليل على عظم شجاعته.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد فى المسند (٣/ ١٤٧)، والبغوى فى شرح السنة (١٣/ ٢٥٨)، وأبو الشيخ فى أخلاق النبى ﷺ (٥٩،٦٠)، والبيهقى فى الدلائل (١/ ٣٢٥)، وأبو نعيم فى الحلية (٩/ ١٩)، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٦/ ٤٣)، عن أنس قال: كان أحسن الناس وجها، وأنورهم لونا، وكان أجود الناس وكان أشجع الناس. . وذكر القصة.
[ ٥٢٠ ]
٣٤٤ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن منصور، عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمى، عن مولى لعائشة، قال: قالت عائشة:
«ما نظرت إلى فرج رسول الله ﷺأو قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قطّ».
ــ
٣٤٤ - (الخطمى): بفتح أوله المعجم نسبة إلى خطم قبيلة من العرب. (أو): شك المشكوك فيه لفظ. (نظرت ورأيت): لا. (قط): بل الظاهر ذكرها فى الروايتين. وهذا من كمال حيائه ﷺ، إذ لم يفعل ما يقتضى نظرها لفرجه، بل فعلها (١) ما يقتضى منعها من رؤيته، وهو عظيم حيائه، إذ لا تتجرئ المرأة على رؤية عورة زوجها، إلا من استهتاره فى ذلك وعلمها رضاه ويؤيده رواية: «ما رأيت منه ولا رأى منى» تعنى:
الفرج، وبهذا أعنى قولى: إذ لم [إلى آخره] (٢) يندفع قول شارح، لا وجه لذكر هذا فى باب حياء رسول الله ﷺ. ثم أجاب عما لا ينفع، على أنه زعم أن فيه خفاء والله أعلم.
_________________
(١) إسناده ضعيف: للجهالة بمولى عائشة ﵂. ورواه ابن ماجه فى الطهارة (٦٦٢)، وفى النكاح (١٩٢٢)، وأحمد فى المسند (٦/ ٩٣، ١٩٠)، وابن سعد فى الطبقات (١/ ٣٨٤)، من طريق سفيان به فذكره، وقال البوصيرى فى الزوائد: وهذا إسناده ضعيف.
(٢) فى (ش): [فعل].
(٣) الزيادة من: [ش].
[ ٥٢١ ]