ولما هبط آدم إلى الأرض قيل أنه أهبط إلى شرقي أرض الهند وحوّاء بجدة وإبليس على ساحل نهر الابلة والحية في البرية وكانت نبرة آدم مقصورة عليه وما نزل عليه من الوحي متوجها إليه فكان من المصطفين دون المرسلين واختلف فيه أهل الكتاب هل خلق في ابتدائه قابلا للموت أو جعل الموت عقوبة له على معصيته.
فقال بعضهم: خلق آدم في ابتداء نشأته على الطبيعة الباقية والطبيعة الميتة ليكون إن مال إلى الشهوات الجسمانية وآثرها وقع في التغايير الجسمانية وناله الموت، وإن آثر فضائل النفس الأمارة بالخير نال البقاء الذي سعدت به الملائكة فلم يمت فلما عصى بأكل الشجرة عدل إلى التغايير فناله الموت
[ ٥٨ ]
واستشهدوا عليه من التوراة بما ذكر فيها أنك إن أكلت من الشجرة يوم تأكل منها فموتا تموت فلم يجز أن يتوعده بالموت عند معاقبته وهو يموت لو لم يعاقب.
وقال آخرون منهم وهو أشبه بمقتضى العقول أنه خلق في ابتداء إنشائه قابلا للموت في الدنيا وإن لم يعص لأنه أحوجه إلى الغذاء كذريته وليس شيء من الجواهر التي لا ينالها الموت محتاجة إلى الغذاء ولم يجعل الموت عقوبة على المعصية ولذلك لم يمت من عصى من الملائكة وإن في التوراة «١٤» مكتوبا أن مد يده في الجنة إلى شجرة الحياة وأكل منها حيي الدهر كله فدل على أنه مطبوع على قبول الموت ولما خلق الله تعالى آدم ابتداء ولم يخلقه بتوسط طبيعة كما خلق نسله كان على أفضل اعتدال وأكمل عقل فصار قلبه معدنا للحكمة الإنسانية وجسده مهيأ للأفعال البشرية فلم يمتنع عليه شيء منها حتى أحاط علما وقدرة بجميعها ولذلك علم الأسماء كلها وألهم الحكمة باسرها واطلع على أسرار النجوم وعملها وعرف منافع الحيوان والنبات ومضارها، ولولا ذلك لما فرق بين الغذاء والدواء ولا بين السموم القاتلة ولا اهتدى بالنجوم في بر ولا بحر وكان هو المدبر لأولاده مدة حياته حتى مات بعد تسعمائة وثلاثين سنة من عمره «١٥»، ثم قام بالأمر من بعده شيث ابن آدم فبرع في الحكمة وفاق في علم النجوم بما أخذه عن أبيه آدم وبما استفاده بالتجربة ومرور الزمان.
واختلف أهل الكتاب في نبوة شيث فادعاها بعضهم وأنكرها آخرون منهم وولد بعد مائتين وثلاثين سنة من عمر أبيه آدم «١٦» ومات وله تسعمائة واثنتا عشرة سنة «١٧» فكان قيامه بالأمر بعد موت آدم مائتين وإثنتي عشرة سنة واتفق أهل الكتاب أنه لم يكن بين شيث وادريس نبي غير ادريس تم قام بالأمر بعد شيث ولده أنوش بن شيث، وكان مولده بعد مائتين وخمسين سنة من عمر شيث
_________________
(١) هناك استشهاد واستناد كثير إلى التوراة ونحن نعرف ما فيها من تحوير وتغيير أنبأنا به تعالى في القرآن الكريم ولذلك نرى أن استناده إليها فيه نظر.
(٢) هذا كلام توراتي، سفر التكوين الإصحاح الخامس العدد الخامس.
(٣) التوراة تقول مائة وثلاثين سنة ولا نعرف مصدر روايته هنا.
(٤) سفر التكوين الإصحاح الخامس العدد ٨.
[ ٥٩ ]
ومات أنوش وله تسعمائة وخمسون سنة فكان قيامه بالأمر بعد شيث مائتين وثماني وثمانين سنة.
ثم قام بالأمر بعد أنوش ولده قينان بن أنوش وولد بعد مائة وتسعين سنة من عمر أنوش ومات قينان وله تسعمائة وعشرون سنة فكان قيامه بالأمر بعد أنوش مائة وتسعين سنة.
ثم قام بالأمر بعد قينان ولده معلاييل وولد بعد ثمانمائة وخمس وسبعين سنة فكان قيامه بالأمر بعد قينان مائة وعشر سنين.
ثم قام بالأمر بعد مهلاييل ولده يارد بن مهلاييل، وولد بعد مائة وخمس وستين سنة من عمر مهلاييل، ومات يارد وله تسعمائة وإثنان وستون سنة فكان قيامه بالأمر بعد مهلاييل مائتين وإثنين وخمسين سنة.
ثم قام بالأمر بعد يارد ولده أخنوخ بن يارد وهو ادريس، وولد بعد مائة وإثنين وستين سنة من عمر يارد «١٨» وهو نبي في قول جميع أهل الملل، واختلف أهل الكتاب هل هذا هو أول الأنبياء أو ثانيهم، فقال من زعم أن شيثا نبي هو ثاني الأنبياء.
وقال من زعم أن شيثا ليس بنبي أن ادريس أول الأنبياء وهو أول من شرع الأحكام وأول من اتخذ السلاح وجاهد في سبيل الله تعالى وسبي وقتل بني قابيل ولبس الثياب وكانوا يلبسون الجلود وأول من كتب الخط في قول الأكثرين وأول من وضع الأوزان والكيول ثم رفعه الله تعالى إليه حيا بعد سبعمائة وخمس وثمانين سنة من عمره أقام فيها داعيا وأبوه حي على ما يقتضيه تاريخ هذه المواليد والأعمار المأخوذة من التوراة المنزلة «١٩» قال ابن قتيبة وسمي ادريس لكثرة ما كان يدرس من كتب الله تعالى وسنن الإسلام.
_________________
(١) سلسلة النسب الواردة هنا توراتية من سفر التكوين الإصحاح الخامس مع خلاف أحيانا في عدد السنوات.
(٢) هناك خلاف في الأعمار بين المذكور في هذا الباب والمذكور في التوراة كما قلنا في
[ ٦٠ ]