وأما أحكام السمع فمأخوذة عمن يلزم طاعته من الرسل والعقل مشروط في التزامها وإن لم يكن السمع مشروطا في قضايا العقول. وما يتضمنه السمع نوعان: تعبد وإنذار، فالتعبد الأوامر والنواهي، والإنذار الوعد والوعيد فإن
[ ١٩ ]
جمع الرسول بين التعبد والإنذار فهو الشرع الكامل المغني عن غيره وإن انفرد بالتعبد دون الإنذار فإن تقدمه إنذار غيره كمل الشرع بتعبده وإنذار من تقدمه وإن لم يتقدمه إنذار من غيره، أما في مبادىء النبوات أو في من لم تبلغهم دعوة الأنبياء فقد اختلف في قضايا العقول هل تقتضي الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، فذهب فريق إلى اقتضائها لذلك فعلى هذا يكون شرعا كمل بتعبد الرسول وإنذار العقول، وذهب فريق إلى أن قضايا العقول لا تقتضي ثوابا ولا عقابا، فعلى هذا اختلف في التعبد هل يكون مستحقا على ما تقدم من نعم الله تعالى على خلقه أو لجزاء مستقبل فذهب فريق إلى استحقاقه بسابق النعمة فإن وعد الله تعالى ثوابا عليه كان تفضلا منه يستحق بالوعد دون التعبد فعلى هذا يكون التعبد فرضا مستحقا يقتضي تركه عقابا وإن لم يقتض فعله ثوابا، وذهب آخرون إلى استحقاقه بما يقابله من الجزاء بالثواب عليه وما تقدم من النعمة تفضل منه فعلى هذا يكون التزام التعبد مستحبا وليس بمستحق فلا يلزم على تركه عقاب كما لم يستحق على فعله ثواب لأنه لم يقترن به وعد بثواب يوجب التزام التعبد، وإن انفرد الرسول بالإنذار دون التعبد فالإنذار لا يكون إلّا على فعل وإلّا كان عبثا لا يصدر عن كليم، فإن كان إنذاره على شرع تقدمه تضمن إنذاره إثبات ذلك الشرع وكان هذا المنذر من أمة ذلك المتعبد، وإن كان المتعبد قد أنذر كان هذا الإنذار تأكيدا ولم يحتج هذا المنذر إلى إظهار معجز، وإن لم يكن المتعبد قد أنذر تكامل شرع المتعبد بإنذار المتأخر وتكامل إنذار المتأخر بتعبد المتقدم واحتاج هذا المنذر إلى إظهار معجز إلى إنذاره موجب لكمال الشرع وإن أنذر المتأخر على فعل الخير واجتناب الشر خرج عن حكم الشرع إلى الوعظ والزجر بأمر إلهي يستحق له بسط اليد في الانكار واستيفاء ما تضمنه الإنذار.
[ ٢٠ ]
الباب الثاني في معرفة الإله المعبود
لا يصح التعبد ببعثة الرسل إلّا بعد معرفة المعبود المرسل ليعلم أنهم رسل مطاع معبود فيطاعوا لفرض طاعة المعبود، والمعبود هو الله ﷿ المنعم على عباده بما كلفهم من عبادته وافترض عليهم من طاعته بعد النعمة عليهم بخلق ذواتهم والإرشاد إلى مصالحهم واستودعهم علم اضطرار يدرك ببداية العقول «١»، وعلم اكتساب يدرك بالفكر والنظر «٢»، ولما كانوا محجوبين عن ذاته لم يدركوه ببداية الحواس اضطرارا، وقد ظهر من إظهار آثار صنعته وإتقان حكمته ما يوصل إلى معرفة ذاته وصفاته اكتسابا لإدراكها بالاعتبار والنظر، ولو شاء لخلق ما يدرك ببداية الحواس، لكن معرفته بالاستدلال أبلغ في الحكمة لظهور التباين في الرتبة فلذلك ما امتنع الوصول إلى معرفته اضطرارا ووصل إليها استدلالا واكتسابا يخرج عن بداية العقول إلى استدلال معقول.
والذي يؤدي إلى معرفته ﷻ ثلاثة فصول:
أحدهما: أن العالم محدث وليس بقديم.
والثاني: أن للعالم محدثا قديما «٣» .
_________________
(١) أي يدرك بالبديهة والفهم.
(٢) أي بإعمال الفكر في الكون والمخلوقات يدرك الخالق.
(٣) محدثا قديما: خالقا.
[ ٢١ ]
والثالث: أنه واحد لا شريك له.
فأما الفصل الأول؛ في حدوث العالم، فالمحدث ما كان له أول، والقديم ما لا أول له، والدليل على حدوث العالم شيئان:
أحدهما: أن العالم جواهر وأجسام، لا تنفك عن أعراض محدثة من اجتماع وافتراق وحركة وسكون، وإنما كانت الأعراض محدثة لأمرين:
أحدهما: أنه لا يصح قيامها بذواتها.
والثاني: لوجودها بعد عدمها «٤»، وزوالها بعد وجودها «٥»، وما لم ينفك عن الأعراض المحدثة لم يسبقها، لأنه لو سبقها لكان لا مجتمعا ولا مفترقا ولا متحركا ولا ساكنا، وهذا مستحيل فإستحال سبقه، وما لم يسبق المحدث فهو محدث فإن قيل: فليس يستنكر أن تكون الحوادث الماضية لا أول لها، فلم يلزم حدوث العالم، قيل: إذا كان لكل واحد من الحوادث أول استحال أن لا يكون لجميعها أول لأنها ليست غير آحادها، فصارت جميعها محدثة لأنها ذوات أوائل محدثة.
والدليل الثاني: على حدوث العالم وجوده محدودا متناهي الأجزاء والأبعاض وما تناهت أجزاؤه وأمكن توهم الزيادة عليه والنقصان منه كان تقديره على ما هو به دليلا، على أن غيره قدره إذ ليس كون ذاته على صفة بأولى من كونه على غيرها لولا تدبر غيره لها. فإن قيل: فلم لا كانت طينته قديمة وأعراض تركيبه وتصويره حادثة، كأفعال الله تعالى حادثة عن ذاته القديمة؟
قيل: لأن حدوث أعراضه فيه، وهو لا ينفك منها فصار محدثا بها وأفعال الله تعالى حادثة في غيره، فلم يمنع حدوثها من قدمه، ولو حدثت فيه لمنعت من قدمه.
وأما الفصل الثاني: أن للعالم محدثا قديما، فالدليل على أن له محدثا قديما شيئان:
_________________
(١) أي كان هناك وقت لم تكن موجودة فيه.
(٢) أي أنها فانية وليست خالدة.
[ ٢٢ ]
أحدهما: أنه لما استحال أن يكون العالم محدثا لذاته لإفضائه إلى وجوده قبل حدثه دل على أن محدثه غيره.
والثاني: أن وجود ما لم يكن يوجب أن يقتضي موجدا كما اقتضى المبنى بانيا والمصنوع صانعا والدليل على قدم محدثه شيئان:
أحدهما: أنه لا أول له وما لا أول له قديم.
والثاني: أنه لو لم يكن قديما لاحتاج إلى محدث ولاحتاج محدثه إلى محدث ولا تنتهي إلى ما لا غاية له فامتنع وثبت قدمه أنه لم يزل ولا يزال فلم يكن له أول ولا يكون له آخر. وإذا كان محدثه قديما وجب أن يكون قادرا مريدا.
والدليل على قدرته أنه يصح منه أن يفعل ولا يفعل مع انتفاء الموانع وقد فعل فدل وجود الفعل منه على قدرته عليه، والدليل على أنه مريد أنه لما وجد منه الفعل وهو غير ساه ولا مكره ولا عابث لانتفاء السهو عنه بعلمه وانتفاء الإكراه عنه بقدرته وانتفاء العبث عنه بحكمته دل على إرادته كما كانت كتابة الكاتب مع انتفاء هذه العوارض دليلا على إرادة كتابته فصار إحداثه للعالم دليلا على قدمه وحدوث أفعاله وقدمه يوجب أن تكون صفات ذاته قديمة لقدمه وحدوث أفعاله يوجب أن تكون صفات أفعاله محدثه.
وأما الفصل الثالث: أنه واحد لا شريك له ولا مثل، فالدليل عليه شيئان:
أحدهما: أن عموم قدرته شامل لجميع المحدثات فوجب أن يكون محدث بعضها محدثا لجميعها إذ ليس بعضها بأخص بقدرته من بعض، فأوجب تكافؤ الأمرين عموم الجميع.
والثاني: أنه لو كان معه غيره لم يخل أن يكون مماثلا أو مخالفا، فإن خالفه بطل أن يكون قادرا، وإن ماثله استحال وجود إحداث واحد من محدثين كما استحال وجود حركة واحدة من متحركين.
[ ٢٣ ]
وذهب الثنوية «٦» من المتباينة إلى إثبات قديمين هما عندهم نور وظلمة يحدث الخير عن النور والشر عن الظلمة وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن النور والظلمة لا ينفكان أن يكونا جسما أو جوهرا أو عرضا، وجميعها محدثة فدل على حدوثهما.
والثاني: أن الظلمة ليست بذات وإنما هي فقد النور عما يقبل النور، ولهذا إذا فقدنا النور في الهواء تصورناه مظلما فلم يجز أن يوصف بقدم ولا يضاف إليها فعل.
وذهب المجوس إلى أن الله تعالى والشيطان فاعلان، فالله تعالى فاعل الخير وخالق الحيوان النافع، والشيطان فاعل الشر وخالق الحيوان الضار، قالوا: لأن فاعل الشر شرير ويتعالى الله عن هذه الصفة، وجعلوا الله تعالى جسما وإن كان قديما. واختلفوا في قدم الشيطان، فقال به بعضهم وامتنع من قدمه زرادشت وأكثرهم واختلفوا في علة حدوثه، فزعم زرادشت أن الله تعالى استوحش ففكر فكرة رديئة فتولد منها (اهرمن) وهو إبليس.
وقال غيره، بل شكّ فتولد الشيطان من شكه. وقال آخرون: بل حدث عفن فتولد الشيطان من عفنه وهذه أقاويل تدفعها العقول، أما جعلهم الله تعالى جسما، فدليلنا على حدوث الأجسام يمنع أن يكون الله تعالى مع قدمه جسما.
ودليلنا على الثنوية يمنع أن يكون الشيطان معه ثانيا وإثبات قدرته يمنع أن يكون مغلوبا وعلمه بمنع أن يكون شاكا أو مفكرا وانتفاء الحزن عنه يمنع أن يكون مستوحشا وامتناع الفساد عليه يمنع أن يكون عفنا. وقولهم أن فاعل الشر شرير قيل خروجه عن قدرته مثبت لعجزه فوجب أن يدخل في عموم قدرته.
_________________
(١) ويسمون أيضا: المثنوية، وهي مشتقة من مثنى، لقولهم بقدم اثنين: النور والظلمة.
[ ٢٤ ]