فإذا ثبت أن كلا الضربين «٢» مدرك بقضية العقل فيما علم بضرورته من التوحيد أو بدليله من النبوّة، صار بعد العلم به واجبا واختلف في وجوبه، هل وجب بما صار معلوما به من قضية العقل أو بالسمع، فذهب قوم إلى وجوب التوحيد والنبوة بالعقل كما علم بالعقل ويكون التوحيد وعموم النبوات قبل السمع فرضا، وذهب آخرون إلى وجوبهما بالسمع وإن علما بالعقل لأن الوجوب تعبد لا يثبت إلّا بالسمع.
واختلف من قال بهذا في وجوب ورود السمع به فأوجبه بعضهم ولم يوجبه
_________________
(١) سورة الحشر الآية (٢) .
(٢) الضربين: النوعين.
[ ١٨ ]
آخرون منهم وأسقطوا فرض التوحيد عن العقلاء إذا لم يرد سمع بإيجابه.
وذهب آخرون إلى أن ما علم بضرورة العقل من التوحيد واجب بالعقل وما علم بدليل العقل من النبوّة واجب بالسمع لأن التوحيد أصل والنبوّة فرع والاجتهاد فيهما فرض على أعيان ذوي العقول إذا اقترن بكمال عقله قوة الفطنة وصحة الروية، فيستغنى بكمال عقله وصحة رويته عن تنبيه ذوي العقول الوافرة ليصل بإجتهاد عقله من اضطرار أو استدلال إلى قضايا العقول ليصير عالما بها ومستغنيا عن عقل غيره فيها، وإن ضعفت فطنته وقلت رويته لزمه أن يتنبه بذوي العقول على الوصول إليها بعقله لا بعقولهم فيعلمها بالتنبيه كما علمها غيره بالنظر وإن لم يصل إليها بالتنبيه فليس بكامل العقل ويصير تبعا لذوي العقول لأن عدم الموجب دال على سقوط الموجب.