وأما ما يجوز لمدّعي النبوّة فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكلمه الله تعالى بغير واسطة.
والثاني: أن يخاطبه بواسطة من ملائكته.
والثالث: أن يكون عن رؤيا منام.
فأما القسم الأول: إذا كلمه الله تعالى بغير واسطة مثل كلامه لموسى ﵇ حين نودي من الشجرة على ما قدمناه في الاختلاف في صفته، فيعلم اضطرارا أنه من الله تعالى وفيما يقع به علم الاضطرار في كلامه لأهل العلم قولان:
أحدهما: أنه يضطره إلى العلم به كما يضطر خلقه إلى العلم بسائر المعلومات، فعلى هذا يستدل بمعرفة كلامه على معرفته ويسقط عنه تكليف معرفته ويجوز أن يكون كلامه من غير جنس كلام البشر للاضطرار إلى معرفة ما تضمنه.
والثاني: أن يقترن بكلامه من الآيات ما يدل عن أنه منه فعلى هذا لا يسقط منه تكليف معرفته ولا يصح أن يكلمه إلّا بكلام البشر لعدم الاضطرار إلى معرفته.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون خطابه بواسطة من ملائكته الذين هم رسله إلى أنبيائه فعلى الأنبياء معرفة الله تعالى قبل ملائكته في رسالته وطريق
_________________
(١) منصب: متعب.
[ ٤٦ ]
علمهم به الاستدلال ثم يصير بعد نزول الملائكة بمعجزاتهم الباهرة علم الاضطرار وعلى الملائكة إذا نزلوا بالوحي على الرسول إظهار معجزتهم له كما يلزم الرسول إظهار معجزته لأمته.
روي أن جبريل ﵇ لما تصدى لرسول الله ﷺ بمكة في الوادي قال له: قل يا محمد للشجرة أقبلي! فقال لها ذلك فأقبلت، وقال له: قل لها أدبري! فقال لها ذلك فأدبرت، فقال له رسول الله ﷺ: حسبي يعني في العلم بصدقك فيما أتيتني به عن ربي، فتستدل الرسل بالمعجزات على تصديق الملائكة بالوحي وتستدل الأمم بمعجزات الأنبياء على تصديقهم بالرسالة، ويكون خطاب الملك لفظا إن كان قرآنا أو ما قام مقام اللفظ إن كان وحيا ولا يجوز أن يؤدي الملك إلى الرسول ما تحمله عن ربه إلّا بلسان الرسول «٨»، كما لا يؤدي الرسول إلى قومه إلّا بلسانهم ويكون الملك واسطة بين الرسول وبين ربه، والرسول واسطة بين الملك وبين قومه وما يؤديه الملك إلى الرسول ليؤديه الرسول إلى قومه ضربان: قرآن ووحي، فأما القرآن فيلزم الملك أن يؤديه إلى الرسول بصيغة لفظه، وليس للملك ولا للرسول أن يعدل بلفظه إلى غيره ويكون ما تضمنه من الخطاب المنزل متوجها إلى الرسول وإلى أمته.
وأما الوحي إذا تضمن تكليفا بأمر أو نهي فضربان:
أحدهما: أن يكون نصا غير محتمل وصريحا غير متأول فهذا يعلمه الرسول من الملك بنفس الخطاب وتعلمه الأمة من الرسول بالبلاغ من غير نظر ولا استدلال، وليس للملك ولا للرسول أن يعدل بالنص إلى إجمال أو احتمال له.
والضرب الثاني: أن يكون من المجمل أو المحتمل لمعان مختلفة فهذا يعلم المراد به من دليل يقترن بالخطاب ودليله ضربان:
أحدهما: عقل المستمع.
والثاني: توقيف المبلغ فأما ما عقل دليله ببديهة العقل فمحمول على
_________________
(١) كي يفهمه الرسول ويعقله ويقدر على إيصاله إلى قومه.
[ ٤٧ ]
مقتضى العقل ويكفي فيه تبليغ الخطاب، وأما ما دليله التوقيف الذي لا مدخل فيه لبداية العقول كالعبادات فمحمول على التوقيف من الله تعالى إلى ملائكته ومن الملائكة إلى الرسول ومن الرسول إلى أمته، فأما معرفة الملك من ربه فهو غير مشاهد لذاته، واختلف أهل العلم في معرفته به على مذهبين كالرسول إن كلمه أحدهما بأن يضطره إلى العلم به والثاني بسماع الخطاب المقترن بالآيات.
وأما معرفة الرسول من الملك ومعرفة الأمة من الرسول، فالرسول مشاهد لذات الملك والأمة مشاهدة لذات الرسول، ولمشاهدة الذوات تأثير في العلم بمراد الخطاب فيتنوع بيان توقيفه فيما أريد بالخطاب أنواعا، فيكون باللفظ الصريح وبعضه بالرمز الخفي وبعضه بالفعل الظاهر وبعضه بالإشارة الباطنة بعضه بالإمارات التي تضطر المشاهد إلى العلم بما أريد بها وليس لها نعت موصوف ولا حد مقدر وإنما يعلمه المشاهد بمفهوم أسبابه فيصير البيان باختلاف أنواعه توقيفا من الملك إلى الرسول ومن الرسول إلى الأمة ويجوز أن يختلف نوع بيانهما إذا عرف.
فأما القسم الثالث: وهو أن يكون عن رؤيا منام فإن لم يكن ممن تصدق رؤياه لكثرة أحلامه لم يجز أن يدّعي النبوّة وإن كان ممن تصدق رؤياه فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» لم يجز أن يدّعي النبوّة من أول رؤيا لجواز أن يكون من حديث النفس، وأن الرؤيا قد تصح تارة وتبطل أخرى فإن تكررت رؤياه مرارا حتى قطع بصحتها ولم يخالجه الشك فيها جاز أن يدعي بها النبوّة فيما كان حفظا لما تقدمها من شرع وبعثا على العمل بها من بعيد ولم يجز أن يعتد بها في نسخ شرع ولا استئناف تعبد، ويجوز أن يعمل على رؤيا نفسه فيما يلتزمه من استئناف شرع ولا يجوز أن يعمل عليها في نسخ ما لزمه من شرع ليكون بها ملتزما ولا يكون بها مسقطا.