فإذا ثبت جواز النبوّات وبعثة الرسل بالعبادات فهم رسل الله تعالى إلى خلقه إما بخطاب مسموع أو بسفارة ملك منزل، ومنع قوم من مثبتي النبوّات أن تكون نبوّتهم عن خطاب أو نزول ملك لانتفاء المخاطبة الجسمانية عنه تعالى لأنه ليس بجسم، والملائكة من العالم العلوي بسيط لا تهبط كما أن العالم السفلي كثيف لا يعلو واختلف من قال بهذا فيما جعلهم به أنبياء فقال بعضهم: صاروا أنبياء بالإلهام لا بالوحي، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن ما بطل به إلهام المعارف في التوحيد كان إبطال المعارف به في النبوّة أحق.
والثاني: أن الإلهام خفي غامض يدعيه المحق والمبطل، فإن ميزوا بينهما طلبت أمارة «٥»، وإن عدلوا عن الإلهام فذلك دليل يبطل الإلهام.
_________________
(١) وهو الشرع والطاعات والعبادات والمحرّمات.
(٢) أمارة: علامة أو دليل.
[ ٣٩ ]
وقال آخرون منهم: إنما صاروا أنبياء لأن لله تعالى في العالم خواص وأسرارا تخالف مجرى الطبائع، فمن أظفره الله تعالى بها من خلقه استحق بها النبوّة، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: خفاؤها فيه غير دليل على صدقه.
والثاني: أنه يكون نبيا عن نفسه لا عن ربه فصار كغيره.
وقال آخرون: بل صاروا أنبياء لأن الله تعالى خصهم من كمال العقول بما يتوصلون به إلى حقائق الأمور، فلا يشتبه عليهم منها ما يشتهيه على غيرهم فصاروا أنبياء عن عقولهم لا عن ربهم، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن هذا يقتضي فضل العلم في حقه ولا يقتضيه في حق غيره.
والثاني: أنه إن أخبر عن نفسه لم يكن رسولا، وإن أخبر عن ربه كان كاذبا.
وقال آخرون: إنما صاروا أنبياء لأن النور فيهم صفا ونما بالنور الأعظم الإلهي الذي تخلص به الإفهام وتصح به الأوهام حتى ينتقلوا إلى الطباع الروحانية ويزول عنهم كدر الطباع البشرية فيخرجوا عن شبح الكائنات بصفاء نورهم وخلاصهم، وهذا قول الثنوية وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنهم دفعوا أسهل الأمرين من بعثة الرسل بأغلظهما من إعطاء نوره وأولى أن يدفعوا عن الأغلظ بما دفعوا به عن الأسهل.
والثاني: أنهم أثبتوا به ممازجة الباري سبحانه فيما اختص بذاته، ومخالفة الذات تمنع من ممازجته.
والجواب عما قالوه من امتناع المخاطبة الجسمانية عمن ليس بجسم من وجهين:
أحدهما: أنه لا يمتنع أن يظهر منه كخطاب الأجسام وإن لم يكن جسما كما يظهر منه كأفعال الأجسام وإن لم يكن جسما.
والثاني: أن الله تعالى يجوز أن يودع خطابه في الأسماع حتى تعيه الآذان
[ ٤٠ ]
وتفهمه القلوب بقدرته التي أخفاها عن خلقه.
والجواب عما ذكر من أن جرم الملائكة علوي لا ينهبط من وجهين:
أحدهما: أنه ليس يمتنع أن ينتقل جرم سماوي لطيف إلى جرم أرضي كثيف إما بزيادة أو انقلاب كما يقولون في العقل والنفس أنهما جرمان علويان هبطا إلى الجسم فحلا فيه.
والثاني: أنهم يقولون بانقلاب الأجرام الطبيعيات، فيقولون أن الهوى المركب من حرارة رطوبة إذا ارتفعت حرارته ببرودة صار ماء باردا، وأن الماء المركب من برودة ورطوبة إذا ارتفعت برودته بحرارة صار هواء وأن الهواء المركب من حرارة رطوبة إذا ارتفعت رطوبته بيبوسة صار نارا، فإذا جاز ذلك عندهم في انقلاب الطبائع كان في فعل الله تعالى أجوز وهو عليها أقدر، ولا يمكن أن يدفع أقاويلهم الخارجة عن قوانين الشرع إلّا بمثلها، وإن خرج عن حجاج أمثالنا لينقض قولهم بقولهم فلا يتدلس به باطل ولا يضل به جهول، فما يضل عن الدين إلّا قادح في أصوله، ومزر على أهله.