وإذا كان حجج الأنبياء على أممهم هو المعجز الدال على صدقهم، فالمعجز ما خرق عادة البشر من خصال لا تستطاع إلّا بقدرة إلهية تدل على أن الله تعالى خصه بها تصديقا على اختصاصه برسالته، فيصير دليلا على صدقه في إدعاء نبوته إذا وصل ذلك منه في زمان التكليف، وأما عند قيام الساعة إذا سقطت فيه أحوال التكليف فقد يظهر فيه من أشراطها ما يخرق العادة فلا يكون
_________________
(١) المعجز: الخارق للعادة والمتجاوز لقدرة الإنسان البشرية.
[ ٤٢ ]
معجز المدعي نبوّة، وإنما اعتبر في المعجز خرق العادة لأن المعتاد يشمل الصادق والكاذب فاختص غير المعتاد بالصادق دون الكاذب.
وإذا تقرر أن المعجز محدود بما ذكرناه من خرق العادة فقد ينقسم ما خرج عن العادة على عشرة أقاسم:
القسم الأول: ما يخرج جنسه عن قدرة البشر كاختراع الأجسام وقلب الأعيان وإحياء الموتى، فقليل هذا وكثيره معجز لخروج قليله عن القدرة كخروج كثيره.
* القسم الثاني: ما يدخل جنسه في قدرة البشر لكن يخرج مقداره عن قدرة البشر كطي الأرض البعيدة في المدة القريبة فيكون معجز لخرق العادة.
واختلف المتكلمون في المعجز منه فعند بعضهم أن ما خرج عن القدرة منه يكون هو المعجز خاصة لاختصاصه بالمعجز وعند آخرين منهم أن جميعه يكون معجزا لا تصاله بما لا يتميز منه.
* القسم الثالث: ظهور العلم بما خرج عن معلوم البشر كالأخبار بحوادث الغيوب فيكون معجزا بشرطين:
أحدهما: أن يتكرر حتى يخرج عن حد الاتفاق.
والثاني: أن يتجرد عن سبب يستدل به عليه.
* القسم الرابع: ما خرج نوعه عن مقدور البشر وإن دخل جنسه في مقدور البشر كالقرآن في خروج أسلوبه عن أقسام الكلام فيكون معجزا بخروج نوعه عن القدرة فصار جنسا خارجا عن القدرة ويكون العجز مع القدرة على آلته من الكلام أبلغ في المعجز.
* القسم الخامس: ما يدخل في أفعال البشر ويفضي إلى خروجه عن مقدار البشر كالبرء الحادث عن المرض والزرع الحادث عن البذر فإن برىء المرض المزمن لوقته واستحصد الزرع المتأكل قبل أوانه كان بخرق العادة معجزا لخروجه عن القدرة.
[ ٤٣ ]
* القسم السادس: عدم القدرة عما كان داخلا في القدرة كإنذار الناطق بعجزه عن الكلام وإخبار الكاتب بعجزه عن الكتابة، فيكون ذلك معجزا يختص بالعاجز ولا يتعداه لأنه على يقين من عجز نفسه وليس غيره على يقين من عجزه.
* القسم السابع: إنطاق حيوان أو حركة جماد فإن كان باستدعائه أو عن إشارته كان معجزا له وإن ظهر بغير استدعاء ولا إشارة لم يكن معجزا له وإن خرق العادة لأنه ليس اختصاصه به بأولى من اختصاصه بغيره وكان من نوادر الوقت وحوادثه.
* القسم الثامن: إظهار الشي في غير زمانه كإظهار فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فإن كان استبقاؤهما في غير زمانهما ممكنا لم يكن معجزا وإن لم يمكن استبقاؤهما كان معجزا سواء بدأ بإظهاره أو طولب به.
* القسم التاسع: انفجار الماء وقطع الماء المنفجر إذا لم يظهر بحدوثه أسباب من غيره فهو من معجزاته لخرق العادة به.
* القسم العاشر: إشباع العدد الكثير من الطعام اليسير وارواءهم من الماء القليل يكون معجزا في حقهم وغير معجز في حق غيرهم لما قدمناه من التعليل وهذه الأقسام ونظائرها الداخلة في حدود الأعجاز متساوية الأحكام في ثبوت الإعجاز وتصديق مظهرها على ما ادّعاه من النبوّة وإن تفاوت الأعجاز فيها وتباين كما أن دلائل التوحيد قد تختلف في الخفاء والظهور وإن كان في كل منها دليل، فأما فعل ما يقدر البشر على ما يقاربه وإن عجزوا عن مثله فليس بمعجز لأن الجنس مقدور عليه وإنما الزيادة فضل حذق به كالصنائع التي يختلف فيها أهلها فلا يكون لأحذقهم بها معجز يجوز أن يدّعي به النبوّة.
فإن قيل: فقد جاء زرادشت وبولس بآيات مبهرة ولم تدل على صدقهما في دعوى النبوّة.
قيل: لأنهما قد أكذبا أنفسهما ما ادعياه في الله تعالى مما يدل على جهلهما به لأن بولس يقول أن عيسى إله، وزعم زرادشت أن الله تعالى كان وحده ولا
[ ٤٤ ]
شيء معه، فحين طالت وحدته فكّر فتولّد من فكرته اهرمن وهو إبليس فلما مثل بين عينيه أراد قتله وامتنع منه فلما رأى امتناعه وادعه إلى مدته وسالمه إلى غايته ومن قال بهذا في الله تعالى ولم يعرفه لم يجز أن يكون رسولا له، ثم دعوا إلى القبائح والأفعال السيئة كما شرع زرادشت الوضوء بالبول وغشيان الأمهات وعبادة النيران وكذلك بولس وماني فخذلهم الله تعالى، ولو دعوا إلى محاسن الأخلاق كانت الشبهة بهم أقوى والاغترار بهم أكثر ولكن الله تعالى عصم بالعقول من استرشدها وقاد إلى الحق من أيقظه بها.