فأما آدم فهو آخر ما خلق الله تعالى في يوم الجمعة، خلقه من تراب الأرض ونفخ في أنفه من نسمة الحياة، فهو أنفس من كل ذي حياة.
روى أبو زاهر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض» فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر
_________________
(١) سورة فصلت الآية (١١) .
(٢) أي نطق من السماء موضع البيت المعمور الذي يطوف به الملائكة.
[ ٥٥ ]
والأبيض والأسود بين ذلك والحزن والخبيث والطيب بين ذلك وفي تسميته بآدم قولان:
أحدهما: إنه اسم عبراني نقل إلى العربية.
والقول الثاني: أنه اسم عربي وفيه قولان:
أحدهما: أنه سمي بذلك لأنه خلق من أديم الأرض وأديمها أوجهها.
والثاني: أنه سمي بذلك لاشتقاقه من الأدمة وهي السمرة فلما تكامل خلق آدم استوحش فخلق له حوّاء واختلف فيما خلقت منه على قولين:
أحدهما: أنه خلقها من مثل ما خلق منه آدم وهذا قول تفرد به ابن بحر «٩» .
والقول الثاني: وهو ما عليه الجمهور أنه خلقها من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم حتى لم يجد لها مسا.
قال ابن عباس: فلذلك تواصلا ولذلك سميت امرأة لأنها خلقت من المرء وفي تسميتها حواء قولان:
أحدهما: لأنها خلقت من حي والثاني لأنها أم كل حي، فقال آدم لما خلقت منه حوّاء هذا الشخص عظمه من عظمي ولحمه من لحمي فلذلك صار الرجل والمرأة كجسد واحد من شدة الميل وفضل الحنو قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها «١٠» يعني حوّاء فروى عن النبي ﷺ أنه قال: «خلق الرجل من التراب وخلقت المرأة من الرجل» فهمها في الرجل واختلف في الوقت الذي خلقت فيه حوّاء على قولين:
_________________
(١) وهذا يتنافى مع قوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها سورة النساء (١) . وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها سورة الأعراف (١٨٩) وغيرها من الآيات.
(٢) سورة النساء الآية (١) .
[ ٥٦ ]
أحدهما: أنها خلقت منه في الجنة بعد أن استوحش من وحدته وهذا قول ابن عباس وابن مسعود.
والقول الثاني: أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة ثم أدخلا معا إليها وهو أشبه بقول الله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما، وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ «١١» .
قال ابن عباس خلق آدم يوم الجمعة وأدخل الجنة يوم الجمعة وأخرج منها يوم الجمعة وفيها تقوم الساعة واختلف في الجنة التي أسكنها على قولين:
أحدهما: أنها جنة الخلد.
والقول الثاني: أنها جنة أعدها الله تعالى لهما دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء وفيها على هذا قولان:
أحدهما: أنها في السماء لأنه أهبطهما منها.
والقول الثاني: أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالأمر والنهي واختلف في الشجرة التي نهيا عن أكلها فقيل أنها شجرة الخلد وقيل أنها شجرة العلم وفي هذا العلم قولان:
أحدهما: علم الخير والشر.
والثاني: علم ما لم يعلم وقيل في الشجرة غير ذلك من الأقاويل فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما بالمعصية وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة قال الله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها «١٢» حين بعثهما على أكل الشجرة فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ «١٣» وفيه تأويلان:
أحدهما: عما كانا فيه من الطاعة إلى ما صارا إليه من المعصية.
والثاني: عما كانا فيه من النعيم في الجنة إلى ما صارا إليه من النكد في
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٣٥) .
(٢) سورة البقرة من الآية (٣٦) .
(٣) سورة البقرة من الآية (٣٦)
[ ٥٧ ]
الأرض فحزن آدم حين أهبط إلى الأرض وبقي في حزنه مائة سنة لا يقرب فيه حوّاء، ثم غشيها فولدت له بعد المائة قابيل ثم غشيها فولدت له هابيل فقتل هابيل قابيل فحزن آدم لذلك حزنا شديدا وقيل أنه جعل حزنه جزاء على معصيته في الأكل وقد يصاب الآباء في أولادهم من أجل معاصيهم ثم خف حزنه فغشى حوّاء فولدت له شيثا وعلم آدم الأسماء كلها كما ذكره الله تعالى في كتابه وفيما علمه من الأسماء قولان:
أحدهما: علم النجوم قاله حميد.
الثاني: أنها أسماء مسميات وفيها أقاويل:
أحدها: أسماء الملائكة قاله الربيع بن أنس.
والثاني: أسماء جميع ذريته قاله عبد الرحمن بن زيد.
والثالث: أسماء جميع الأشياء وفيه على هذا قولان:
أحدهما: أن تعليمه كان مقصورا على الأسماء دون معانيها.
والثاني: أنه علمه الأسماء ومعانيها لأنه لا فائدة في علم الأسماء بلا معان لأن المعاني هي المقصودة والأسماء دلائل عليها.