وأما علم الاكتساب فطريقه النظر والاستدلال لأنه غير مدرك ببديهة العقل، فصحّ أن يتوجه إليه الاعتراض فيه بطلب الدليل عليه، فلذلك لم يتوصل إليه إلّا بالنظر والاستدلال، وهو على ضربين: أحدهما؛ ما كان من قضايا العقول، والثاني؛ ما كان من أحكام السمع، فأما قضايا العقول فضربان: أحدهما؛ ما علم إستدلالا بضرورة العقل، والثاني؛ ما علم
[ ١٧ ]
استدلالا بدليل العقل، فأما المعلوم بضرورة العقل فهو ما لا يجوز أن يكون على خلاف ما هو به كالتوحيد فيوجب العلم الضروري، وإن كان عن استدلال للوصول إليه بضرورة العقل، وأما المعلوم بدليل العقل فهو ما يجوز أن يكون على خلاف ما هو به كآحاد الأنبياء إذا ادعى النبوّة فيوجب علم الاستدلال ولا يوجب علم الاضطرار لحدوثه عن دليل العقل لا عن ضرورته، واختلف في أصل النبوّات على العموم هل يعلم بضرورة العقل أو بدليله على اختلافهم في التعبد بالشرائع هل اقترن بالعقل أو بعقبه فذهب من جعله مقترنا بالعقل إلى إثبات عموم النبوّات بضرورة العقل وذهب من جعله متأخرا عن العقل إلى إثباتها بدليل العقل، وذهب أصحاب الإلهام إلى إسقاط الاستدلال بقضايا العقول وجعلوا إثبات المعارف بالإلهام أصلا يغني عن أصل، وهذا فاسد بقول الله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ «١» فجعله بالاعتبار مدركا دون الإلهام، ويقال لمن أثبت المعارف بالإلهام لم قلت بالإلهام؟ فإن استدل ناقض، فإن قال: قلته بالإلهام، قيل له: انفصل عمن أسقط الإلهام بالإلهام، وعمن قال في الإلهام بغير إلهامك في جميع أقوالك فلا تجد فصلا، وكفى بذلك فسادا.