كان بين موسى وعيسى من الأنبياء الذين أوتوا الكتاب باتفاق أهل الكتابين عليهم ستة عشر نبيا ظهرت كتبهم في بني إسرائيل فبشر كثير منهم بنبوة محمد ﷺ.
فمنهم: شعيا «٢» بن أموص قال في الفصل الثاني والعشرين (قومي فأزهري مصباحك) يعني مكة (فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقا ويظهر كرامته عليك فتسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك ارفعي
_________________
(١) لأن القرآن وحده من بين الكتب السماوية قد انزل من لدنه تعالى لفظا ومعنى. وقد قال عن نبيه الكريم ﷺ: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، لتفاصيل أوفى في هذا الباب يمكن للقارىء الكريم الرجوع إلى كتابنا «قصص القرآن الكريم» .
(٢) سفر إشعياء.
[ ١٥٠ ]
بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم يستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بعيد وتسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم حتى تعمرك الإبل المؤبلة وتضيق أرضك عن القطرات التي تجمع إليك ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ يحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام قاذار) يعني غنم العرب لأنهم من ولد قاذار «٣» بن إسماعيل (ويرتفع إلى مديحي ما يرضينني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمدا) وهذه الصفات كلها موجودة بمكة فكان ما دعا إليها هو الحق ومن قام بها هو المحق.
وفي فصل آخر من كتابه: (قال لي الرب فامض فاقم على المنظرة تخبرك بما ترى فرأى راكبين أحدهما راكب حمار) يعني عيسى (والآخر راكب جملا) يعني محمدا (فبينما هو كذلك إذ أقبل أحد الراكبين وهو يقول هوت بابل وتكسرت آلهتها المنجورة على الأرض فهذا الذي سمعت الرب إله إسرائيل قد أنبأتكم) .
وفي الفصل «٤» السادس عشر منه (لتفرح أرض البادية العطشى بمنتهج البراري والفلوات ولتسر وتزهو مثل الوعل فإنها بأحمد محاسن لبنان، ويكمل حسن الدساكر والرياض وسترون جلال الله تعالى بها) قال شعيا وسلطانه على كتفه يريد علامة نبوته على كتفه. وهذه صفة محمد ﷺ وبادية الحجاز.
وفي الفصل التاسع عشر منه: (هتف هاتف من البدو فقال خلوا الطريق للرب وسهلوا سبيل الهنا في القفر فستمتلىء الأودية مياها وتفيض فيضا وتنخفض الجبال والروابي انخفاضا وتصير الآكام «٥» دكاكا، والأرض الوعرة مذللة ملسا، وتظهر كرامات الرب ويراها كل أحد.
وفي الفصل العشرين منه وهو مذكور في ثلاث وخمسين ومائة من مزامير داود: (لترتاح البوادي وقراها، ولتصير أرض قاذار مروجا، ويسيح سكان
_________________
(١) قيدار أو قيذار على اختلاف الروايات.
(٢) الفصل هو ما نسميه تبعا لتسميتهم الإصحاح حيثما استشهدنا به أو ذكرناه.
(٣) الآكام: التلال والجبال.
[ ١٥١ ]
الكهوف ولتهتفوا من قلال الجبال بمحمد الرب وليرفعوا تسابيحه، فإن الرب يأتي كالجبار الملتظي المتكبر وهو يزجر ويقتل أعداءه) وأرض قاذار هي أرض العرب لأنهم ولد قاذار. والمروج ما صار حول مكة من النخل والشجر والعيون.
وفي الفصل الحادي والعشرين منه أيضا: (أن الضعفاء والمساكين يستسقون ماء ولا ماء لهم فقد جفت ألسنتهم من الظمأ وأنا الرب أجيب يومئذ دعوتهم ولن أهملهم بل أفجر لهم في الجبال الأنهار وأجري بين القفار والعيون وأحدث في البدو أجساما وأجري في الأرض العطشى ماء معينا وأنبت في البلاقع القفار الصنوبر والآس والزيتون وأغرس في القاع الصفصف البر ليروها جميعا ثم يتدبروا ويعلموا أن يد الله صنعت ذلك وقدوس إسرائيل ابتدعه) وهذه صفات بلاد العرب فيما أحدث الله تعالى لهم فيها بإسلامهم