وأن قريشا اجتمعت في دار الندوة، وكان فيهم النضر بن الحرث بن
_________________
(١) سورة المائدة الاية (٦٧) .
[ ٩٥ ]
كنانة، وكان زعيم القوم وساعده عبد الله بن الزبعري، وكان شاعر القوم، فحضهم على قتل محمد ﷺ وقال لهم: الموت خير لكم من الحياة، فقال بعضهم: كيف نصنع. فقال أبو جهل: هل محمد إلّا رجل واحد وهل بنو هاشم إلّا قبيلة من قبائل قريش فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدا ويريح قومه، وأطرق مليا، فقالوا: من فعل هذا ساد «٢» . فقال أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منا وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر فإن قتلت أرحت قومي وإن بقيت فذاك الذي أوثر «٣» .
فخرجوا على ذلك، فلما اجتمعوا في الحطيم «٤» خرج عليهم رسول الله ﷺ فقالوا: قد جاء، فتقدم من الركن فقام يصلي فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود فقال أبو جهل: فإني أقوم فأريحكم منه، فأخذ مهراشا عظيما ودنا من رسول الله ﷺ وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه وهو يراه فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد وقد دوخت أوداجه ورسول الله ﷺ ساجد فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم فالتزموه وقد غشي عليه ساعة فلما أفاق قال له أصحابه: ما الذي أصابك. قال: لما دنوت منه أقبل عليّ من رأسه فحل فاغر فاه «٥» فحمل على أسنانه فلم أتمالك وإني أرى محمدا محجوبا «٦» . فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم رغبت وأحببت الحياة ورجعت. قال: ما تغروني عن نفسي، قال النضر بن الحرث: فإن رجع غدا فأنا له. قالوا له: يا أبا سهم لئن فعلت هذا لتسودن.
فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله ﷺ، فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه فأخذ حفنة من تراب وقال شاهت الوجوه وقال حمر لا يبصرون فتفرقوا عنه، وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى فصبر
_________________
(١) ساد: صار سيد قومه.
(٢) أوثر: أفضّل.
(٣) الحطيم: إسم موضع في الحرم.
(٤) الفحل: البعير الشّاب، فاغر فاه: قد فتح فمه إلى أقصاه.
(٥) محجوبا: قد لبس حجابا يمنع عنه الناس.
[ ٩٦ ]
عليه حتى وقاه الله وكان من أقوى شاهد على صدقه.
ومن أعلامه: أن معمر بن يزيد وكان أشجع قومه استغاثت به قريش وشكوا إليه أمر رسول الله ﷺ وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره، فلما شكوا إليه قال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه وعندي عشرون ألف مدجج «٧» فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات ففي مالي سعة، وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس، فلبس يوم وعده قريشا سلاحه وظاهر بين درعين «٨» فوافقهم بالحطيم ورسول الله ﷺ في الحجر يصلي وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع ولا قصر في صلاة، فقيل له: هذا محمد ساجد فأهوي إليه. وقد سل سيفه وأقبل نحوه، فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط، فقام وقد أدمي وجهه بالحجارة يعدو كأشد العدو حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا: ماذا أصابك، قال: ويحكم، المغرور من غررتموه، قالوا: ما شأنك. قال: ما رأيت كاليوم دعوني ترجع إليّ نفسي فتركوه ساعة وقالوا: ما أصابك يا أبا الليث. قال: إني لما دنوت من محمد فأردت أن أهوي بسيفي إليه أهوى إليّ من عند رأسه شجاعان أقرعان «٩» ينفخان بالنيران وتلمع من أبصارهما فعدوت فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد.
ومن أعلامه: أن كلدة بن أسد أبا الأشد وكان من القوة بمكان خاطر قريشا يوما في قتل رسول الله ﷺ فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم، فرأى رسول الله ﷺ في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال فجاء كلدة ومعه المزراق فرجع المزراق في صدره فرجع فزعا، فقالت له قريش: ما لك يا أبا الأشد؟
فقال: ويحكم ما ترون الفحل خلفي، قالوا: ما نرى شيئا، قال: ويحكم
_________________
(١) المدجج: الرجل يحمل السلاح من درع أو ترس وسيف ورمح.
(٢) ظاهر بين درعين: جمعهما إلى صدره وظهره.
(٣) الشجاع الأقرع: ثعبان عظيم الخلقة.
[ ٩٧ ]
فإني أراه، فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف فاستهزأت به ثقيف، فقال: أنا أعذركم، لو رأيتم ما رأيت لهلكتم.
ومن أعلامه: أن أبا لهب خرج يوما وقد اجتمعت قريش فقالوا: يا أبا عتبة إنك سيدنا وأنت أولى بمحمد منا وأن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئا وأنت بريء من دمه فنؤدي نحن الدية وتسود قومك، فقال: فإني أكفيكم، ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفا عليه نزل أبو لهب وهو يصلي وتسلقت امرأته أم جميل الحائط حتى وقفت على رسول الله ﷺ وهو ساجد فصاح به أبو لهب فلم يلتفت إليه وهما كانا لا ينقلان قدما «١٠» ولا يقدران على شيء حتى تهجر الصبح وفرغ رسول الله ﷺ فقال له أبو لهب: يا محمد أطلق عنا، فقال: ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني، قالا: قد فعلنا، فدعا ربه فرجعا.
ومن أعلامه: أن قريشا اجتمعوا في الحطيم فخطبهم عتبة بن ربيعة فقال: إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا وفرّق جماعتنا وبدد شملنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، وكان في القوم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحرث ومنبه ونبيه ابنا الحجاج وأمية وأبي ابنا خلف في جماعة من صناديد قريش فقال له: قل ما شئت فإنا نطيعك، قال: سأقوم فأكلمه فإن هو رجع عن كلامه وعما يدعو إليه وإلّا رأينا فيه رأينا، فقالوا له: شأنك يا أبا عبد شمس، فقام فتقدم إلى النبي ﷺ وهو جالس وحده، فقال: أنعم صباحا يا محمد، قال: «يا عبد شمس إن الله قد أبدلنا بهذا السلام تحية أهل الجنة»، قال: يا ابن أخي إني جئتك من عند صناديد قريش لأعرض عليك أمورهم إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها ولنا الفسحة، ثم قال: يا ابن عبد المطلب إنك دعوت العرب إلى أمر ما يعرفونه فاقبل مني ما أقول لك، قال: «قل»، قال: إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكا فإنا نملّكك علينا من غير تعب ونتوّجك فارجع عن ذلك، فسكت، ثم قال له:
وإن كان ما تدعو إليه أمرا تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك، فقال: «لا
_________________
(١) لا ينقلان قدما: أي غير قادرين على الحركة قد جمّداني مكانهما.
[ ٩٨ ]
قوة إلّا بالله»، ثم قال له: وإن كان ما تتكلم به تريد مالا أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش فإن ذلك أهون علينا من تشتيت كلمتنا وتفريق جماعتنا وإن كان ما تدعو إليه جنونا داويناك كما تداوي قيس بني ثعلبة مجنونهم، فسكت النبي ﷺ، فقال: يا محمد ما تقول وبم أرجع إلى قريش؟ فقال النبي ﷺ: حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ «١١» حتى بلغ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ «١٢» .
قال عتبة: فلما تكلم بهذا الكلام فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من إعجازها، وقام فزعا يجر رداءه، فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتقاض العصفور وقام النبي ﷺ يصلي، فقالت قريش: لقد ذهبت من عندنا نشيطا ورجعت فزعا مرعوبا فما وراءك؟ قال: ويحكم دعوني، إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئا ولقد رعدت عليّ الرعدة حتى خفت على نفسي وقلت الصاعقة قد أخذتني، فندموا على ذلك.
قال ابن عرفة: الصاعقة اسم للعذاب على أي حال كان، وإنما أهلكت عاد بالريح وثمود بالرجف فسمى الله تعالى ذلك صاعقة.
قال الأزهري: الصاعقة صوت الرعد الشديد الذي يصعق منه الإنسان أي يغشى عليه.
ومن أعلامه: أنه لما أراد الهجرة خرج من مكة ومعه أبو بكر فدخل غارا في جبل ثور ليستخفي من قريش وقد طلبته وبذلت لمن جاء به مائة ناقة حمراء، فأعانه الله تعالى بإخفاء أثره وأنبت على باب الغار ثمامة، وهي شرجة صغيرة، وألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار نسج سنين في طرفة عين ولدغ أبو بكر هذه الليلة غير لدغة فخرق ثيابه وجعلها في الشقوق وسد بعضها بقدمه اتقاء لرسول الله ﷺ وأقام فيه ثلاثة أيام ثم خرج منه فلقيه سراقة بن مالك بن
_________________
(١) سورة فصّلت الآيات (١- ٤) .
(٢) سورة فصّلت الآية (١٣) .
[ ٩٩ ]
جعشم، وهو من جملة من توجه لطلبه، فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اكفنا سراقة»، فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها، فقال سراقة: يا محمد ادع الله أن يطلقني ولك عليّ أن أردّ من جاء يطلبك ولا أعين عليك أبدا، فقال: «اللهم إن كان صادقا فأطلق عن فرسه»، فأطلق الله عنه، ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه.
ومن أعلامه: أن رسول الله ﷺ انفرد في غزوة ذي أمر عن أصحابه واضطجع وحده فوقف عليه دعثور فسل سيفه وقال: يا محمد من يمنعك مني؟
فقال: «الله»، فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﷺ ثم قال له: «من يمنعك مني»؟ قال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، وعاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، وفيه نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ «١٣» .
ومن أعلامه: أن الناس لما انهزموا عن رسول الله ﷺ يوم حنين وهو معتزل عنهم رآه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة فقال: اليوم أدرك ثأري وأقتل محمدا لأن أباه قتل يوم أحد في جماعة أخوته وأعمامه، قال شيبة: فلما أردت قتله أقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك فعلمت أنه ممنوع «١٤» .
ومن أعلامه: أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وهو أخو لبيد بن ربيعة الشاعر لأمه وفدا على رسول الله ﷺ في قومهما من بني عامر، فقال عامر لأربد: إذا أقدمنا على محمد فإني شاغل عنك وجهه فأعله أنت بالسيف حتى تقتله، قال أربد: أفعل، ثم أقبل عامر يمشي وكان رجلا جميلا حتى قام على رأس رسول الله ﷺ فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للإسلام وعليك ما على الإسلام»، قال: ألا تجعلني الوالي من بعدك؟ قال: «ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل تغزوبها»، قال: أو ليست لي اليوم
_________________
(١) سورة المائدة الآية (١١) .
(٢) ممنوع: أي لا يقدر أحد على إيذائه أو الإقتراب منه بشرّ.
[ ١٠٠ ]
ولكن إجعل لي ولك المدد، قال: «ليس ذلك لك،»، فقال: قم يا محمد إلى ههنا، فقام إليه فوضع عامر يده بين منكبيه ثم أومأ إلى أربد أن اضرب فسل أربد سيفه قريبا من ذراع، ثم أمسك الله يده فلم يستطع أن يسله ولا يغمده، فالتفت رسول الله ﷺ إلى أربد فرآه على ما هو عليه فقال: «اللهم اكفنيهما بما شئت اللهم أهد بني عامر واغن الدين عن عامر» فانطلقا وعامر يقول: والله لأملأنها عليك خيلا دهما «١٥» ووردا «١٦»، فقال رسول الله ﷺ:
«يأبى الله ذلك وأبناء قيلة، يعني الأنصار» ثم قال عامر لأربد: ويلك لم أمسكت عنه، فقال: والله ما هممت به مرة إلّا رأيتك ولا أرى غيرك أفأضربك بالسيف وسارا.
فأما عامر فطرح الله عليه الطاعون في عنقه فقتله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول: أغدة كغدة البكر «١٧» في بيت امرأة من بني سلول، وركب فرسه فركضه «١٨» حتى مات.
وأما أربد فقدم على قومه فقالوا: ما وراءك يا أربد، فقال: والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذا حتى أقتله، ثم خرج بعد مقالته بيوم أو يومين ومعه جمال له تتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جماعته صاعقة أحرقتهم، وقيل: نزل في صاعقته قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا «١٩» يعني خوفا من الصواعق وطمعا في المطر، وفيه يقول لبيد بن ربيعة وهو أخو أربد لأمه:
أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد
أفجعني الرعد والصواعق بالفا رس يوم الكريهة النجد
_________________
(١) خيلا دهما: خيلا سودا.
(٢) الورد: الخيل لونها ما بين الكميت والأشقر.
(٣) البكر: البعير.
(٤) ركضه: رماه وداسه.
(٥) سورة الرعد الآية (١٢) .
[ ١٠١ ]
كل بني حرة مصيرهم قل وإن أكثرت من العدد
أن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوما يصيروا للهلك والنكد
فإن قيل: فهذا أخبار آحاد لا يقطع بمثلها قيل: العداوة ظاهرة والطلب معلوم والسلامة موجودة فلم تدفع جملة الأخبار ولم يصح في جميعها توهم الكذب وإن جاز في آحادها توهم الكذب كالمحكى من سخاء حاتم وشجاعة عنترة.
[ ١٠٢ ]
الباب التاسع فيما شوهد من معجزات أفعاله
إن الله تعالى قدر لعباده أفعالا كما قدر لهم أجساما وآجالا انتهى إلى غاية أعجزهم عن تجاوزها لتكون أفعالهم مقصورة على عرف مألوف وحد معروف يتواصلون بها إلى مصالحهم فيعلمون أن ما تجاوزها وخرج عن عرفها من أفعال الله تعالى فيهم لا من أفعالهم إن أظهرها في أحدهم دل على اختصاصه بالله تعالى دونهم فكان بها ممتازا وإليه تعالى منحازا ليخص بطاعة إلهية كما اختص بأفعال لا هوتية فلذلك صارت الأفعال المعجزة شاهدة على صحة النبوّة.
فمن أعلامه: ما رواه البخاري عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال:
قلت لجابر بن عبد الله حدتني بحديث عن رسول الله ﷺ سمعته منه أرويه عنك، فقال جابر: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الخندق نحفر فلبثنا ثلاثة أيام لم نطعم طعاما ولا نقدر عليه فعرضت في الخندق كدية «١» غليظة لا يعمل فيها الفأس فجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت هذه كدية قد عرضت في الخندق ورششنا عليها الماء فقام وبطنه معصب بالحجر «٢» فأخذ المعول والمسحاة ثم سمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل «٣» فلما رأيت ذلك منه قلت يا رسول الله أئذن لي فأذن لي فجئت إلى
_________________
(١) كدية: صخرة صلبة.
(٢) وكانوا يعصبون بطونهم بالحجارة من الجوع فيخف ألمهم.
(٣) كثيبا أهيل: تلا صغيرا من رمل خفيف ناعم.
[ ١٠٣ ]
امرأتي فقلت ثكلتك أمك إني رأيت من رسول الله ﷺ شيئا لا صبر لي عليه فما عندك، قالت عندي صاع من شعير وعناق «٤»، قال فطحنا الشعير وذبحنا العناق وطبخناها وجعلناها في البرمة «٥» وعجنا العجين ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ فلبثت ساعة ثم استأذنت ثانية فأذن لي فجئت فإذا بالعجين قد أمكن فأمرتها بالخبز وجعلت القدر على الأثافي «٦» ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فشاورته وقلت عندنا طعيم لنا فإن رأيت أن تقوم معي أنت ورجل أو رجلان معك فعلت فقال: «ما هو وكم هو» قلت: صاع من شعير وعناق، فقال: «ارجع إلى أهلك فقل لها لا تنزع البرمة من الأثافي ولا يخرج الخبز من التنور حتى آتي»، ثم قال للناس: «قوموا إلى بيت جابر»، فاستحييت حياء لا يعلمه إلّا الله تعالى فقلت لامرأتي قد جاء رسول الله ﷺ بأصحابه أجمعين، فقالت:
أكان سألك كم الطعام، قلت: نعم، قالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرته بما كان عندنا، فذهب عني بعض ما أجده وقلت لها صدقت، وجاء رسول الله ﷺ فدخل ثم قال لأصحابه: «لا تضاغطوا «٧»» ثم برّك «٨» على التنور والبرمة، فجعلنا نأخذ من التنور الخبز ونأخذ من البرمة اللحم فنثرد ونغرف ونقرب إليهم، فقال رسول الله ﷺ: «ليجلس على الصحفة سبعة أو ثمانية» فلما أكلوا كشفنا التنور والبرمة فإذا هما قد عادا إلى أملأ مما كانا عليه حتى شبع المسلمون كلهم وبقيت طائفة من الطعام، فقال لنا رسول الله ﷺ: «إن الناس قد أصابهم مخمصة «٩» فكلوا وأطعموا»، فلم نزل يومنا نأكل ونطعم، قال فأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال مئتين أقل من الثمانمائة، وهذا نظير معجزة عيسى ﵇ في المائدة.
_________________
(١) العناق: انثى الماعز الصغيرة لم تتم السنة.
(٢) البرمة: وعاء من الفخار.
(٣) الأثافي: ثلاثة أحجار توضع عليها القدر وتوقد تحتها النار.
(٤) لا تصاغطوا: لا تتدافعوا للدخول.
(٥) برّك: دعا بالبركة.
(٦) مخمصة: جوع.
[ ١٠٤ ]
ومن أعلامه: ما رواه مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت رسول الله ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء، قالت: نعم، فأخرجت أقراصا «١٠» من شعير ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم أرسلني إلى رسول الله ﷺ فوجدته في المسجد معه الناس فقمت عليهم فقال لي رسول الله: «أرسلك أبو طلحة»؟ قلت: نعم، قال: «للطعام»؟ قلت:
نعم، فقال لمن معه: «قوموا»، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ وأقبل معه حتى دخلا، فقال رسول الله ﷺ: «يا أم سليم هلمي ما عندك»، فجاءت بذلك الخبز فأمر به ففت وعصرت أم سليم عكة «١١» لها ثم قال رسول الله ﷺ ما شاء أن يقول ثم قال: «إئذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: «إئذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: «إئذن لعشرة»، حتى أكل القوم وشبعوا وخرجوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا والمعجز فيه مع إطعام العدد الكثير من الطعام اليسير ما أخبر به أنس بن مالك مما جاء فيه.
ومن أعلامه: ما رواه أنيس بن أبي يحيى عن إسحاق بن سالم عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال لي: «أدع لي أصحابك» يعني أصحاب الصفة «١٢»، قال: فجعلت أتبعهم رجلا رجلا أوقظهم حتى جمعتهم فجئنا باب رسول الله ﷺ فأستأذنا فأذن لنا ووضعت بين أيدينا صحفة أظن فيها صنيعا قدر مد من الشعير فوضع رسول الله ﷺ يده فقال: «خذوا بسم الله»، فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيدينا، فقال رسول الله ﷺ حين وضعت الصحفة:
«والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام غير شيء ترونه»، فقيل
_________________
(١) اقراصا: أرغفة صغيرة سميكة.
(٢) عكة: وعاء من جلد يحفظ فيه السمن والدهن.
(٣) الصفة: مقعد حجري مظلل كان بجانب المسجد وأصحاب الصفة فقراء المهاجرين.
[ ١٠٥ ]
لأبي هريرة: قدر كم كانت حين فرغتم قال: مثلها حين وضعت إلّا أن فيها أثر الأصابع.
ومن أعلامه: أن رسول الله ﷺ لما حصل بالحديبية وهي جافة قال للناس: «انزلوا» . فقالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه. فأخرج سهما فدفعه إلى البراء بن عازب وقال: «اغرز هذا السهم في بعض قلب «١٣» الحديبية وهي جافة»، ففعل فجاش الماء «١٤» ونادى الناس بعضهم بعضا من أراد الماء. فقال أبو سفيان قد ظهر بالحديبية قليب فيه ماء ثم قال لسهيل بن عمرو: قم بنا إلى ما فعل محمد فأشرفا على القليب والعيون تحت السهم فقالا: ما رأينا كاليوم قط وهذا من سحر محمد قليل فلما أمر رسول الله ﷺ بالرحيل قال للناس: خذوا حاجتكم من الماء ثم قال للبراء: إذهب فرد السهم، فلما فرغوا وارتحلوا أخذ البراء السهم فجف الماء كأنه لم يكن هناك ماء وهذا نظير ما أعطى موسى من الحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا.
ومثله ما روي أنه في غزوة بني المصطلق دعا بركوة جافة ثم تفل فيها ثم قلبها فتفجرت من بين أصابعه عيون حتى شرب الخيل والإبل وملىء كل سقاء.
ومن أعلامه: أن قوما شكوا إليه ﷺ ملوحة مائها فقام بأصحابه حتى أشرف على بئرهم فتفل فيها ثم انصرف فانفجرت بالماء الزلال وكانت غائرة وأنها على حالها اليوم ويتوارثها أهلها ويعدونها من أعظم مفاخرهم، ولما بلغ ذلك قوم مسيلمة سألوه مثلها فتفل فيها «١٥» فصار ماؤها أجاجا كبول الحمار وهي اليوم على حالها.
وجاءته ﷺ امرأة بصبي لها قد تمعط «١٦» شعره فمسح رأسه بيده فاستوى
_________________
(١) قلب: منحدرات أو أمكنة واطئة.
(٢) جاش الماء: نبع.
(٣) فيها: في بئر لهم.
(٤) تمعط شعره: سقط وضعف.
[ ١٠٦ ]
شعره فبلغ ذلك قوم مسيلمة فأتوه بصبي مثله فمسح رأسه فصلع وبقي نسله صلعا إلى وقتنا هذا.
ومن أعلامه: ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما غزونا خيبر ومعنا من يهود فدك جماعة، فلما أشرفنا على القاع إذا نحن بالوادي والماء يقلع الأشجار ويهدهد الجبال فقدرنا الماء فإذا هو أربع عشرة قامة فقال بعض الناس: يا رسول الله، العدو من ورائنا والوادي قدامنا فنزل رسول الله ﷺ فسجد ودعا ثم قال: «سيروا على اسم الله»، فعبرت الخيل والإبل والرجال فكان الفتح والغلبة له وهذا نظير فلق البحر لموسى.
نوع آخر من أعلامه: روى الحسن أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني قدمت من سفر لي فبينا بنت خماسية تدرج حولي في وصيفها وحليها أخذت بيدها فانطلقت بها إلى وادي فلان فطرحتها فيه فقال النبي ﷺ لأبيها «ما كان اسمها» . فقال: فلانة. فقال النبي «يا فلانة أجيبي بإذن الله»، فخرجت الصبية وهي تقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، فقال لها: «إن أبويك قد أساءا فإن أحببت أن أردك إليهما»، فقالت: لا حاجة لي فيهما وجدت الله خير أب منهما.
وهذا نظير ما فعله عيسى ﵇ من إحياء الموتى.
ومن أعلامه: أن طفيلا العامري جاء إلى النبي ﷺ فشكا إليه الجذام فدعا بركوة ثم تفل فيها وأمره أن يغتسل بها فاغتسل فقام صحيحا.
وأتاه حسان بن عمرو الخزاعي مجذوما فدعا له بماء فتفل فيه ثم أمره فصبه على نفسه فخرج من علته كأن لم تكن به قط فرجع ودعا قومه إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم.
وأتاه قيس اللخمي وهو من سادات قومه وبه برص فتفل عليه فما بقي عليه إلّا مقدار الحبة.
[ ١٠٧ ]
وهذا نظير ما كان من عيسى ابن مريم ﵇ في إبراء الأكمه «١٧» والأبرص «١٨» .
ومن أعلامه: ما رواه سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ انصرف ليلة من العشاء فأضاءت له برقة فنظر إلى قتادة بن النعمان فعرفه فقال: يا نبي الله كانت ليلة مطيرة فأحببت أن أصلي معك فأعطاه عرجونا وقال: «خذ هذا يستضيء لك ليلتك فإذا أتيت بيتك فإن الشيطان قد خلفك فانظر في الزاوية على يسارك»، فدخلت فنظرت حيث قال فإذا أنا بسواد معلق به حتى سبقني. وفي هذا الخبر معجزات من فعل وقول.
ومن أعلامه: أن أبا قتادة بن ربعي جاءه يوم أحد وقد انقلعت إحدى عينيه وتعلقت على وجهه فقال يا رسول الله صلى الله تعالى عليك إن لي امرأة وأخشى أن يقضي هذا عندها فردها رسول الله ﷺ إلى موضعها فكانت أحسن عينيه.
ومثله ما رواه عروة بن الزبير أن زبيرة أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها أصابك اللات والعزى فرد الله عليها بصرها فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زبيرة فأنزل الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ «١٩» .
ومن أعلامه: أن جرهدا أتى رسول الله ﷺ وبين يديه طبق فأدنى يده الشمال ليأكل وكانت اليمنى مصابة فقال له رسول الله ﷺ: «كل باليمنى» فقال: يا رسول الله إنها مصابة، فنفث عليها فما اشتكاها بعد إلى ساعته «٢٠» .
وأبصر رجلا يأكل بشماله فقال: «كل بيمينك»، فقال: لا أستطيع.
فقال: «لا استطعت» فما وصلت إلى فيه بعد وكان كلما رفع اللقمة إلى فيه ذهبت في شق آخر.
_________________
(١) الأكمه: المسلوب العقل الممسوح العين.
(٢) الأبرص: المصاب بداء البرص وهو مرض يصيب الجلد.
(٣) سورة الأحقاف الآية (١١) .
(٤) إلى ساعته: إلى وفاته.
[ ١٠٨ ]
ومن أعلامه: شاة أم معبد الخزاعية وكانت مجهودة عجفاء وضراء فمسح رسول الله ﷺ ضرعها فدرت لبنا وامتلأت سمنا وبقيت على حالها إلى أن وافاها أجلها وأهدت له أم شريك عكة فيها سمن فأخذ منه شيئا «٢١» ورد العكة عليها فلم تزل العكة تصب سمنا مدة طويلة، إلى أمثال هذا ونظائره.
فإن قيل: لا يثبت إعجاز النبوّات بمثل هذا من أخبار الآحاد فعنه جوابان:
أحدهما: أن رواة الآحاد قد أضافوه إليه في جمع كثير قد شاهدوه وسمعوا راويه فصدقوه ولم يكذبوه وفي الممتنع إمساك العدد الكثير عن رد الكذب كما يمتنع افتعالهم للكذب ولئن جاز اتفاقهم على الصدق مع الكثرة والافتراق وامتنع اتفاقهم على الكذب فلأن دواعي الصدق عامة متناصرة ودواعي الكذب خاصة متنافرة، ولذلك كان صدق أكذب الناس أكثر من كذبه لأنه لا يجد من الصدق بدا ويجد من الكذب بدا.
والثاني: أنها أخبار وردت من طرق شتى وأمور متغايرة فامتنع أن يكون جميعها كذبا وإن كان في آحادها مجوز فصار مجموعها من التواتر ومفترقها من الآحاد فصار متواتر مجموعها حجة وإن قصر مفترق آحادها عن الحجة والله تعالى أعلم.
_________________
(١) شيئا: كمية قليلة.
[ ١٠٩ ]
الباب العاشر فيما سمع من معجزات أقواله
والمعجزات من القول هو الإخبار عن غائب لا يعلم به غير مخبره فيكون على صدقه دليلا لأن الخبر ما احتمل الصدق والكذب، وحقيقة الخبر ما كان عن ماض فأما المستقبل فيطلق اسم الخبر عليه مجازا، فإن أضيف المستقبل إلى فعل المخبر كان وعدا يصح من نبي وغير نبي وإن أضيف إلى فعل غيره كان من العيوب المعجزة لا يصح إلّا من نبي مبعوث وعن وحي منزل إذا تكرر عاريا عن الأسباب المنذرة ولئن ظهر خبر من غير نبي فهو بالإتفاق عن حدس إن صح في خبر لم يصح في كل خبر ويصح من النبي ﷺ في كل خبر لأنه من الله تعالى المحيط بعلم الغيوب كما قال لنبيه: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ «١» .
وفي خزائن الله ههنا تأويلان:
أحدهما: خزائن الرزق فأغنى وأفقر.
والثاني: خزائن العذاب فاعجل وأخر، وفي قوله ولا أعلم الغيب تأويلان:
أحدهما: علم الخزائن على ما مضى من التأويلين.
_________________
(١) سورة الأنعام الآية (٥٠) .
[ ١١١ ]
والثاني: علم ما غاب عن ماض ومستقبل إلّا أن المستقبل لا يعلمه إلّا الله تعالى ومن أطلعه عليه من أنبيائه وأما الماضي فقد يعلمه المخلوقون من وجهين إما من مخلوق معاين أو من خالق مخبر فكانت الأخبار المستقبلة من آيات الله تعالى المعجزة فأما الماضية فإن علم بها غير المخبر لم تكن معجزة وإن لم يعلم بها أحد كانت آية معجزة. وفي قوله: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ «١» تأويلان:
أحدهما: أنه لا يقدر على ما يعجز عنه العباد وإن قدرت عليه الملائكة.
والثاني: أنه من البشر وليس بمهلك لينفي عن نفسه غلو النصارى في المسيح.
وفي نفيه أن يكون ملكا تأويلان:
أحدهما: أنه دفع عن نفسه الملائكة تفضيلا لهم على الأنبياء.
والثاني: أني لست ملكا في السماء فأعلم غيب السماء الذي تشاهده الملائكة ويغيب عن البشر وإن كان الأنبياء أفضل من الملائكة مع غيبهم عما يشاهده الملائكة.
وفي قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ* «٢» تأويلان:
أحدهما: لن أخبركم إلّا بما أطلعني الله عليه.
والثاني: لن أفعل إلّا ما أمرني الله به: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ* «٣» فيه تأويلان:
أحدهما: العالم والجاهل.
والثاني: المؤمن والكافر فثبت بما قررناه أن في الأقوال معجزة كالأفعال فكانت من أعلام النبوّة وآيات الرسل ونحن نذكر منها ما اختص بقول الرسول دون ما تضمنه القرآن معجز في الخبر وغير الخبر.
_________________
(١) سورة الأنعام الآية (٥٠) .
(٢) سورة الأنعام من الآية (٥٠) وسورة يونس من الآية (١٥) .
(٣) سورة الأنعام من الآية (٥٠) .
[ ١١٢ ]