وبين موسى وعيسى ﵉ من الأنبياء:
شعيا وهو الذي بشر بني إسرائيل بنبوّة محمد ﷺ ووصفه بعد أن بشر بعيسى فقتله بنو إسرائيل.
ثم حزقيل وهو الذي أصاب قومه الطاعون فخرجوا من ديارهم حذر
_________________
(١) وقد روى مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان من حديث طويل: قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض! قال: «أربعون يوما، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم» . صحيح مسلم ج ٨ ص ١٩٧ باب ذكر الدجال وصفته وما معه.
[ ٦٥ ]
الموت فأماتهم الله ثم أحياهم.
ومنهم: دانيال سباه بختنصر مع العزير ونزل من بختنصر أفضل منزل لرؤيا عبرها له وقبره بناحية السوس وجده أبو موسى الأشعري فأخرجه وكفنه وصلى عليه ودفنه.
ومنهم: إلياس بعث إلى أهل بعلبك وكانوا يعبدون صنما يقال له بعل وكان ملكهم اسمه أجب وامرأته أزبيل وكان يستخلفها على ملكه وهي بنت ملك سبأ وعمرت عمرا طويلا وتزوجها سبعة من ملوك بني إسرائيل وهي التي قتلت يحيى بن زكريا ﵉ ثم رفع الله تعالى إلياس.
ثم اليسع كان تلميذ إلياس فدعا له إلياس فنبأه الله بعده.
ثم يونس بن متى.
ثم زكريا قتله بنو إسرائيل في الشجرة.
ثم عيسى ويحيى فأما يحيى فإن أجب الملك قتله بحيلة امرأته أزبيل وأما عيسى فإن أمه هربت به من أجب الملك إلى مصر وعاد به يوسف النجار مع أمه إلى قرية تدعى ناصرة فلذلك قيل لأصحابه نصارى لأنهم سموه عيسى الناصري.
وأصحاب الكهف، هم فتية من الروم دخلوا الكهف قبل المسيح عيسى وضرب الله على آذانهم فيه فلما بعث المسيح أخبر بخبرهم ثم بعثهم الله تعالى بعد المسيح في الفترة بينه وبين النبي ﷺ وجرجيس من أهل فلسطين أدرك بعض الحواريين وبعث إلى ملك الموصل.
فأما لقمان فكان عبدا حبشيا لرجل من بني إسرائيل وكان في زمن داود واسم أبيه ثاران واختلف في نبوته فزعم الأكثرون أنه لم يكن نبيا وقال سعيد بن المسيب كان نبيا وكان خياطا.
وذو الكفل من بني إسرائيل بعث إلى ملك كان فيهم يقال له كنعان دعاه إلى الإيمان وكفل له الجنة وكتب له كتابا وسمي ذا الكفل لذلك.
[ ٦٦ ]
وذكر وهب بن منبه أن الأنبياء كلهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي الرسل منهم ثلاثمائة نبي وخمسة عشر نبيا.
منهم خمسة عبرانيون آدم وشيث وإدريس ونوح وإبراهيم «٢٩» .
وخمسة من العرب هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد ﷺ.
وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: بعث الله إلى أهل الرس والرس البر نبيا منهم يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فأوحى الله تعالى إلى نبي كان مع بختنصر يقال له أرميا بن برخيا مر بختنصر يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فيقتلهم بما صنعوا بنبيهم وخالد بن سنان روى أن رسول الله ﷺ قال ذاك نبي أضاعه قومه وذلك أنه قال لقومه ادفنوني فإذا جاءت الظباء بعد ثلاث فاخرجوني فسأنبئكم بما أمرت، فجاءت الظباء إلى قبره بعد ثلاث فلم يخرجوه وقالوا تتحدث العرب عنا إنا نبشنا موتانا وأتت بنته رسول الله ﷺ فسمعته يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٣٠» فقالت قد كان أبي يقرأ هذا ولا يضبط ذكر من سلف من الأنبياء وقول الله تعالى لنبيه ﷺ: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ «٣١» والله تعالى أعلم.
_________________
(١) وهذا كلام يهودي توراتي تناقله السلف دون تمحيصه وآدم أبو البشر فلا يعقل أن يكون عبرانيا لا هو ولا من بعده إلى إبراهيم وإنما سمي العبرانيون بهذا الإسم لعبورهم البحر مع موسى ﵇ وكيف يكون إبراهيم عبرانيا ومنه العرب من ولده إسماعيل ﵉.
(٢) سورة الإخلاص الآية (١) .
(٣) سورة غافر الآية (٧٨) .
[ ٦٧ ]
الباب السادس في إثبات نبوة محمد ﷺ
الكلام في إثبات نبوته يتقرر مع المعترفين ببعثة الرسل لأن منكريها يعمون الجميع بها ويدفعون كل مدع لها والكلام معهم قد قدمناه في إثبات النبوات على العموم.
فأما نبوة محمد ﷺ فقد اختلف فيها مخالفوه من مثبتي النبوات على أقوال شتى فمنعت اليهود من نبوته لامتناعهم من نسخ الشرع واختلفوا في المانع من نسخة فمنع منه بعضهم بالعقل لأن نهى الله تعالى عما أمر به وأمره بما نهى عنه إنما يكون لخفاء المصلحة عليه في الابتداء وظهورها له في الانتهاء والله تعالى عالم بها في الحالتين لتباين الضدين، ومنع منه بعضهم بالشرع وإن جوزوه في العقل بما نقلوه عن موسى ﵇ وذكروه في التوراة أنه قال تمسكوا بالسبت أبدا سنة الدهر وكلا الوجهين فاسد من وجهين:
أحدهما: أن العقل لا يمنع من الأمر بالشيء في زمان والنهي عنه في غيره بحسب المصلحة في قول من اعتبرها أو بالإرادة في قول من اعتمدها، ولا يكون مستقبحا من فعل حكيم كما يغني من أفقر ويفقر من أغنى إما للمصلحة أو بالإرادة، ولا يكون ذلك منه لاستبهام المصلحة وأشكال الإرادة.
والثاني: أن موسى قد نسخ شرع من تقدمه لأن آدم زوج بنيه بناته وجوّز يعقوب الجمع بين الأختين ونكح إبراهيم بنت أخيه وكل هذا عند موسى منسوخ
[ ٦٩ ]
بشرعه فجاز أن ينسخ شرعه بشرع غيره.
وقال آخرون محمد ﷺ نبي مبعوث إلى قومه من العرب وليس بنبي لغيرهم وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه تخصيص بغير دليل.
والثاني: أن ثبوت نبوّته في قومه موجب لصدقه. وقد قال أنه بعث إلى كافة الخلق وأنه خاتم الأنبياء فلم يجز رد قوله مع ثبوت صدقه.
وقال آخرون هو نبي مبعوث إلى من لم يتمسك بشرع من عبد الأوثان وليس بمبعوث إلى من تمسك بشرع من اليهود والنصارى وهذا فاسد من وجهين مع الوجهين المتقدمين:
أحدهما: أنه يدفع به عن نسخ الشرع وقد دللنا على جوازه.
والثاني: ان من اعترف بالنبوات كان ألزم له من جحدها.
وقال آخرون: ليس بنبي لأنه لم يأت بمعجزة قاهرة يضطر إلى صدقه كمعجزة موسى وعيسى وإن جاز نسخ الشرائع بمثلها من الشرائع وفي هذا يتعين إقامة الدليل على إثبات نبوّته وهو معتبر بثلاثة شروط:
أحدها: وصنف المستدل.
والثاني: حكم المدلول عليه.
والثالث: صفة الدليل.
فأما الشرط الأول: في صفة المستدل فقد اختلف فيه، فذكر الجاحظ أنه العقل لأنه المميز للحق، وقال الأكثرون المستدل هو العاقل والعقل آلة استدلاله ليتوصل به إلى صحة مدلوله.
وأما الشرط الثاني: ففي حكم المدلول عليه، فعند فريق أنه إثبات نبوته ليعلم بها صدق قوله وعند الأكثرين أنه إثبات صدقه ليعلم بقوله صحة نبوته.
وأما الشرط الثالث: وهو الدليل فحجاج يتنوع أنواعا لأن المستدل واحد والمدلول عليه واحد والدليل يشتمل على أعداد متنوعة وشواهد مختلفة فرّق الله
[ ٧٠ ]
تعالى بينهما لتكون الحجج متغايرة والبراهين متناظرة بحسب ما علمه من المصلحة ورآه من أسباب الإجابة، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ «١» أي نخالف بينها في المعجزات فكان بعضها حجة قاطعة وبعضها أمارة لائحة تجري عليها أحكام ما قاربها، فتقوى بعد الضعف وتحج بعد الكشف وإن لم تكن للإنذار بانفرادها من قواطع الحجج المغنية عن دليل، فهذا القول في نبوّة غيره فلا يلزم تطابق حججهم كما لم يلزم اتفاق شرائعهم وقد قدمنا أقسام المعجزات فإذا ظهرت إحداهن حجت ودلت على صحة النبوة وقد ظهر في نبوّة محمد ﷺ أكثرها مع ما تقدمها من إنذار وظهر بها من آثار وتحقق بها من أخبار فصارت أعم النبوات إعجازا وأوضحها طريقة وامتيازا وأكثرها تأييدا إليها وتعبدا شرعيا تقهر شواهدها من باين وعاند وتحج دلائلها من ناكر وجاحد لأن المهيأ منه مطبوع على آلته ومنقاد إلى غايته حتى يتدرج إليه بغير تكلف ويستقر فيه بغير تصنع فلا يشتبه من تعاطاه بمن طبع له فصح التطبع بشيمة المطبوع ولم تزل أمارات النبوّة لائحة في رسول الله ﷺ حين تدرج إليها وهو غافل عنها وغير متصنع لها فنهض بأعبائها حين أتته وقام بحقوقها حين لزمته غير ذاهل فيها ولا عاجز عنها إلى أن تكامل به الشرع فتم على أصل مستقر وقياس مستمر لا يدفعه عقل ولا يأباه قلب ولا تنفر منه نفس، وهذا وهو أميّ لم يقرأ كتابا ولا اكتسب علما فأوضح كل ملتبس وبيّن كل مشتبه حتى رجع كثير من الملل إلى شريعته في علم ما قصروا عنه من حقوق وعقود استوعب أقسامها وبيّن أحكامها، وما ذاك إلّا بعون إلهي وتأييد لاهوتي وحسبك بهذا شاهدا لو اقتصرنا عليه وحجابا لو اكتفينا به، ولكن سنذكر من معجزاته الفاخرة وبراهينه الواضحة ما يرد كل جاحد ويصد كل معاند من أنواع متغايرة وأخبار متواترة وآثار متظاهرة يصدق بعضها بعضا ليكون تغايرها جامعا لكل برهان وتظاهرها دافعا لكل بهتان، فمنها ما تقدمه من نذير وبشير، ومنها ما تعقبه من تغيير وتأثير، ومنها ما قارنه من أقوال وأفعال صدرت منه وإليه فلم
_________________
(١) سورة الأنعام من الآية (١٠٥) .
[ ٧١ ]
يبق من الآيات ما أخل به ولا من الأعلام ما قصر فيه، وسنذكرها أبوابا مفصلة وأنواعا متميزة لتكون أصح بيانا وأوضحها برهانا وأحقها بالسابقة والتقديم إعجاز القرآن لأنه أصل شرعته ومستودع رسالته ثم نتلوه بما يقتضيه وإن كان لو ذكرناه أول مباديه على سياق ينتهي إلى غايته لكان نظاما ولكن هذا باب حجاج لرسالته وليس بشرح لسيرته فوجب ابتداؤه بأخصها ثم ذكر سيرته على ترتيبها.
[ ٧٢ ]
الباب السابع فيما تضمنه القرآن من أنواع الإعجاز
والقرآن أول معجز دعا به محمد ﷺ إلى نبوته فصدع فيه برسالته وخص بإعجازه من جميع رسله وإن كان كلاما ملفوظا وقولا محفوظا لثلاثة أسباب صار بها من أخص إعجازه وأظهر آياته:
أحدها: أن معجز كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره والشائع المنتشر في ناس دهره، لأن موسى ﵇ حين بعث في عصر السحرة خص من فلق البحر يبسا وقلب العصا حية ما بهر كل ساحر وأذل كل كافر، وبعث عيسى ﵇ في عصر الطب فخص من إبراء الزمنى «١» وإحياء الموتى بما أدهش كل طبيب وأذهل كل لبيب، ولما بعث محمد ﷺ في عصر الفصاحة والبلاغة خص بالقرآن في إيجازه وإعجازه بما عجز عنه الفصحاء وأذعن له البلغاء وتبلد فيه الشعراء ليكون العجز عنه أقهر والتقصير فيه أظهر فصارت معجزاتهم وإن اختلفت متشاكلة المعاني متفقة العلل.
والثاني: أن المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم وعلى قدر عقولهم وأذهانهم وكان في بني إسرائيل من قوم موسى وعيسى بلادة وغباوة لأنه لم ينقل عنهم ما يدرون من كلام مستحسن أو يستفاد من معنى مبتكر وقالوا لنبيهم حين
_________________
(١) الزمنى: المرضى الذين طال أمد مرضهم ولا علاج معروف لأمراضهم كالعمى والكساح والدمامل التي تملأ الجسد، والجنون وما شابه.
[ ٧٣ ]