قال المسيح ﵇ للحواريين: (أنا ذاهب وسيأتيكم البار قليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إلا كما يقال له وهو يشهد عليّ وأنتم
_________________
(١) سورة الأنبياء الآية (١١) .
[ ١٥٧ ]
تشهدون لأنكم معي من قبل الناس وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به) .
وفي نقل يوحنا عنه: (أن البار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ولا يقول من تلقاء نفسه شيئا ولكنه مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب) .
وفي نقل آخر عنه: (أن البار قليط روح الحق الذي يرسله باسمي هو يعلمكم كل شيء إني سائل أن يبعث إليكم بار قليط آخر يكون معكم إلى الأبد وهو يعلمكم كل شيء) .
وفي نقل آخر عنه: (أن البشير ذاهب والبار قليط بعده يحيي لكم الأسرار ويقيم لكم كل شيء وهو يشهد لي كما شهدت له فإني لأجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل) . والبار قليط بلغتهم لفظ من الحمد، وقد قال النبي ﷺ:
وأنا أحمد وأنا محمود وأنا محمد.
فهذه من بشائر الأنبياء عن الكتب الإلهية المتناصرة بصحة نبوته المتواترة الأخبار بانتشار دعوته وتأييد شريعته، ولعل ما لم يصل إلينا منها أكثر، فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله تعالى جميعها فيه حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب.
فإن قيل: مجيء الأنبياء موضوع لمصالح العالم وهم مأمورون بالرأفة والرحمة ومحمد جاء بالسيف وسفك الدماء وقتل النفوس فصار منافيا لما جاء به موسى وعيسى فزال عن حكمهما في النبوّة لمخالفتهما في السيرة فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: ان الله تعالى بعث كل نبي بحسب زمانه، فمنهم من بعثه بالسيف لأن السيف أنجع، ومنهم من بعثه باللطف لأن اللطف أنفع، كما خالف بين معجزاتهم بحسب أزمانهم، فبعث موسى بالعصا في زمان السحر، وبعث عيسى بإحياء الموتى في زمان الطب، وبعث محمد بالقرآن في زمان الفصاحة، لأن الناس في بدء أمرهم يتعاطفون مع القلة ثم يتنافرون
[ ١٥٨ ]
ويتحاسدون مع الكثرة، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل» .
والجواب الثاني: أن السيف إذا كان لطلب الحق كان خيرا، واللطف إذا كان مع إقرار الباطل كان شرا لأن الشرع موضوع لإقرار الفضائل الإلهية والحقوق الدينية، ولذلك جاء الشرع بالقتل والحدود ليستقر به الخير وينتفي به الشر لأن النفوس الأشرة لا يكفها إلا الرهبة فكان القهر لها أبلغ في انقيادها من الرغبة وكانت العرب أكثر الناس شرا وعتوا لكثرة عددهم وقوة شجاعتهم فلذلك كان السيف فيهم أنفع من اللطف.
والجواب الثالث: أنه لم يكن في جهاده بالسيف بدعا من الرسل ولا أول من أثخن في أعداء الله تعالى.
وقبل هذا إبراهيم ﵇ جاهد الملوك الأربعة الذين ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها وحاربهم حتى هزمهم بأحزابه وأتباعه.
وهذا يوشع بن نون قتل نيفا وثلاثين ملكا من ملوك الشام وأباد من مدنها ما لم يبق له أثر ولا من أهلها صافر من غير أن يدعوهم إلى دين أو يطلب منهم أتاوة وساق الغنائم.
وغزا داود من بلاد الشام ما لم يدع فيها رجلا ولا امرأة إلا قتلهم، وهو موجود في كتبهم.
ومحمد ﷺ بدأ بالاستدعاء وحارب بعد الآباء.
روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ متنصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء كان أشدهم في ذلك غضبا وما خيّر بين أمرين، إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما، وقد كان ﷺ أحث الناس على الصفح والتعاطف.
روى أسيد بن عبد الرحمن عن فروة بن مجاهد عن عقبة بن عامر قال:
لقيت رسول الله ﷺ فقال لي: يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك واعف
[ ١٥٩ ]
عمن ظلمك، فهل يكون أحنى على الخلق ممن يأمرهم بمثل هذا، وإنما تطلبت الملحدة بمثل هذا الأعتراض القدح في النبرّات فإنهم لم يعفوا نبيا من القدح في معجزاته والطعن على سيرته حتى قال منهم في عصرنا ما طعن به على موسى وعيسى ومحمد ﷺ عليهم بشعر نظمه فقال:
وفالق البحر لم يفلق جوانبه إذ ضاع فيه ضياع الحر في السفل
ومدع يدعي الأشياء خلقته ما باله زال والأشياء لم تزل
وآخر يدعي بالسيف حجته هل حجة السيف إلّا حجة البطل
فحضرني حين وردت هذه الأبيات إلى بعض أهل العلم فأجاب عنها فقال:
قل للذي جاء بالتكذيب للرسل ورد معجزهم بالزيغ والدغل
وقال في ذاك أبياتا مزخرفة ليوقع الناس في شك من الملل
ضياع موسى دليل من أدلته من بعد ما صار فرق البحر كالجبل
ليعلم الناس أن الله فالقه وأن موسى ضعيف تاه في السبل
والمعجز الحق في فلق المياه له وجعله البر ما يحتاط بالحيل
وابن البتول فإن الله نزهه عما ذكرت من الدعوى على الجمل
ما كان منه سوى طير يقدره طينا وربي أحياه ولم يزل
وقال إني بإذن الله فاعله وإذن ربي يحيي الخلق لا عملي
وصاحب السيف كان السيف حجته بعد البيان عن الإعجاز والمثل
وجاء مبتديا بالنصح مجتهدا بمعجزات لها حارت أولو النحل
منها كتاب مبين نظمه عجب فيه من الغيب ما أوحى إلى الرسل
فأفحم الشعراء الملفقين به لما تحداهم بالرفق في مهل
وأنبع الماء عذبا من أنامله من غير صخرة كانت ولا وشل
وشارف القوم وافاداه وكلمه وقال أنى من قتلي على وجل
والذئب قد أخبر الراعي بمبعثه فجاء يشهد في الإسلام في عجل
والجذع حن إليه حين فارقه حنين ذات جؤار ساعة الهبل
وأخبر الناس عما في ضمائرهم مفصلا بجواب غير محتمل
[ ١٦٠ ]
ونبأ الروم من نصر يكون لها من بعد سبعة أعوام على جدل
والفرس أخبرها عن قتل صاحبها برويز إذ جاءه فيروز في شغل
وإن تقصيت ما جاء النبي به طال النشيد ولم آمن من الملل
[ ١٦١ ]
الباب السادس عشر في هتوف الجن بنبوّته ﷺ
والجن من العالم المميز يأكلون ويتناكحون ويتناسلون ويموتون وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار وإن تميزوا بأفعال وآثار إلّا أن يخص الله تعالى برؤيتهم من يشاء، وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية وما تخيلوه من آثارهم الخفية قال الله تعالى فيما وصفه من إنشاء الخلق: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ «١» يريد بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ- آدم- أبا البشر ﵇ وفي الصلصال وجهان:
أحدهما: أنه الطين النابت.
والثاني: أنه الطين الذي لم تمسه النارم والحمأ جمع حمأة وفيها وجهان.
أحدهما: أنه المنصوب القائم فيكون صفة للإنسان.
والثاني: أنه المنسوب فيكون تمييزا للجنس وقوله: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ يعني من قبل آدم، لأن آدم خلق آخر الخلق. وفي الجان وجهان:
والثاني: أنه أبو الجن فآدم أبو البشر والجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين وفي قوله: مِنْ نارِ السَّمُومِ «٢» وجهان:
_________________
(١) سورة الحجر الايتان (٢٦- ٢٧) .
(٢) سورة الحجر من الآية (٢٧) .
[ ١٦٣ ]
أحدهما: من نار الشمس.
والثاني: نار الصواعق بين السماء وبين حجاب دونها فلم يختلفوا في أن الجن يتناسلون ويموتون ومنهم مؤمن ومنهم كافر.
واختلف في الشياطين فزعم قوم أنهم كفار الجن يتناسلون ويموتون، وزعم آخرون أنهم غير الجن وأنهم من ولد إبليس، واختلف من قال بهذا في تناسلهم وموتهم فذهب فريق إلى أنهم يتناسلون ويموتون، وذهب آخرون إلى أنهم كإبليس لا يموتون إلّا معه وأن تناسلهم انقطع بإنظار إبليس إلى يوم يبعثون فإن أنكر قوم خلق الجن ولم يؤمنوا بالكتب الإلهية قهرتهم براهين العقول وحجج القياس لأن الله تعالى أنشأ خلق العالم من أربعة أجرام جعلها أصولا لما خلق من العالم الحي وهي الأرض والماء والهواء والنار، والعالم نوعان إتفاقا علوي وسفلي، فالعالم السفلي نوعان خلقهما من جرمين:
أحدهما: من الأرض وهو ما عليها من الحيوان.
والثاني: من الماء وهو ما فيه من السموك وهما هابطان لهبوط الأرض والماء وظاهران لظهور أصلهما واستمر القياس فيهما.
وبقي العالم العلوي جرمان: الهواء والنار وقد استقر خلق الملائكة من الهواء فاقتضى معقول القياس أن يكون خلق الجن من النار لتكون الأجرام الأربعة أصولا لخلق أجناس أربعة.
ولعلو الهواء كان عالمه من الملائكة علويا ولخفائه كان خفيا لا يهبط إلّا عن أمر إلهي ولا يعاين إلّا بمعونة إلهية.
ولعلو النار في أصل هابط كان لعالمه من الجن علو وهبوط ولخفاء كمونها خفي عالمها عن العيان إلّا بمعونة إلهية فصار اصلان من الأربعة محسوسين بالعيان وهما على الأرض وفي الماء وأصلان معقولين بالقياس وهما الملائكة والجن ولولا أن دافع ذلك عادل عن الدلائل الشرعية لما عدلنا إلى هذا الاستدلال الخارج عن البراهين الشرعية.
[ ١٦٤ ]