ومن أعلامه الظاهرة بعد وفاته؛ استسقاء عمر بالعباس عمه، فسُقوا حتى قلصوا المآزر، واعتلقوا الحذاء، وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه، ويقولون: «هنيئًا لك ساقي الحرمين»، وهذا مشهور مذكور في الشعر، وبنو العباس يفخرون به، فيبدؤون فيه ويعيدون، ولا يجوز على مثله الكذب.
[ ٢٠٧ ]
ومن أعلامه الظاهرة بعده؛ إخراجهم شهداء رطابًا يَتَثَنَّوْنَ، بعد خمسين سنة.
حدثني محمد بن عبيد، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أراد معاوية أن يجري العين التي حفرها، قال سفيان: تسمى عين أبي زياد، نادوا بالمدينة: من كان له قتيل فليأت قتيله، قال جابر: «فأتيناهم فأخرجناهم رطابًا يتَثَنَّوْنَ، أصابت المسحاةُ رِجْلَ رَجُلٍ منهم فانفطرت دمًا»، فقال أبو سعيد الخدري: «لا ينكر بعد هذا منكر أبدًا».
وهذا أمر صحيح قد رآه أهل المدينة، من جماعة أولئك الشهداء المحولين، [١٤١/أ] ولا يجوز أن يدعي جابر بالمدينة مثل هذا الأمر العظيم؛ وهم لم يروه ولم يعرفوه.
[ ٢٠٨ ]
وكذلك قصة: طلحة بن عبيد الله حين رأته عائشة ابنته في المنام، فقال لها: يا بنية، حوليني من هذا المكان، فقد أضر بي الندى. فأخرجته بعد ثلاثين سنة أو نحوها؛ فحولته من ذلك النَّزْ، وهو طري لم يتغير منه شيء، فدفن في الهُجَرِيين بالبصرة، وتولى إخراجه عبد الرحمن بن سلامة التيمي، سمعت إسحاق بن راهويه يذكره.
ومن صحابته أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، غزا مع يزيد بن معاوية، ومات بالقسطنطينية فقُبر مع سور المدينة، وبُكِيَ عليه، وكانوا إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فأمطروا.
[ ٢٠٩ ]
ومن التابعين سلمان بن ربيعة، قُتل ببلنجر في خلافة عثمان - ﵁ -، فجعل أهل تلك الناحية عظامه في تابوت، فإذا احتبس عنهم القطر؛ أخرجوه، فاستسقوا به، فسقوا به. قال ابن جُمَانَةَ الباهلي:
إِنَّ لَنَا قَبْرَيْنِ قَبْر بِلنْجَرِ … وَقَبْرًا بِأَعْلا الصِّينِ يَا لَكَ مِن قَبر
فَهَذَا الَّذِي بِالصِّينِ عَمَّتْ فُتُوحُهُ … وَهَذَا الَّذِي بِالتُّرْكِ يُسْقَى بِهِ الْقَطْر
فالقبر الذي بالصين قبر قتيبة بن مسلم، والذي بالترك قبر سلمان بن ربيعة الباهلي.
ومن ذلك ما خلفه الله في صحابته من التمكين والنصر والعز، فإن العدو كان لا يثبت لهم عند اللقاء فواقًا.
[ ٢١٠ ]
وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول لمن ورد عليه: «هل يثبت لكم العدو»، فإن قالوا: نعم. قال: «غَلَلتم».
ولما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية، قال لهم: «أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أليسوا بشرًا مثلكم»، قالوا: بلى، قال: «فأنتم أكثر منهم أضعافا في كل موطن، فما بالكم تنهزمون كلما لقيتموهم»، فقال شيخ منهم: «من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم، ونأمر بما يسخط الله، وننهى عن ما يرضي الله، ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني».