ومن أعلامه قبل مبعثه أمر الفيل، وكان مولده في ذلك العام بإجماع الناس، وكان أمر الفيل أمرًا قريبًا مشهورًا، قد عاينه كثير ممن لحق مبعثه، ولحق وفاته، وعُمِّرَ بعد ذلك: كحكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وحسان بن ثابت، وكل هؤلاء عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، فأما من لحقه ومات قبل رسول الله أو بعده بمدة يسيرة؛ فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد، وقالت الشعراء في ذلك عن عيان للأمر ومشاهدة، فمن ذلك قول نفيل بن حبيب؛ وهو جاهلي وكانت الحبشة أخذته في طريقها إلى مكة ليلتها، فاحتال في الهرب منها، وقال:
أَلَا رُدِّي رَكَائِبَنَا رُدينَا … نَعِمْنَاكُمْ عَلَى الْهُجْرَانِ عَيْنَا
[ ٢٠٣ ]
فَإِنَّكِ لَوْ رَأَيْتِ وَلَنْ تُرَيْهِ … لَدَى جَنْبِ الْمُحْصَبِ مَا رَأَيْنَا
حَمِدْتُ اللهَ إِذْ عاينت طَيْرًا … وَحَصْبَ حِجَارَةٍ تُلْقَى عَلَيْنَا
وَكُلُّهُمْ يُسَائِلُ عَنْ نُفَيْلٍ … كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا
وقال طفيل وهو: جاهليٌّ:
تَرْعَى مَذَانِبَ وَسْمِيٍّ أَطَاعَ لَهَا … بِالْجَرْعِ حَيْثُ عَصَى أَصْحَابَهُ الْفِيلُ
وقال أبو الصلت أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ؛ وهو جاهليٌّ:
إِنَّ آيَاتِ رَبِّنَا بَيِّنَاتٍ … مَا يُمَارِي فِيهِنَّ إِلَّا الْكَفُورُ
حَبَسَ الْفِيلَ بالمغمس حتى … ظل يحبو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ
وقال أَبْرَهَةُ ملك الحبشة:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ … وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ
وقد بقي قوم ممن أصيب من السودان؛ حتى رأتهم عائشة قالت: «رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين، يستطعمان الناس».
[ ٢٠٤ ]
وفي أمر الفيل إذ كانوا عاينوه، أنه بيّنة لمن كذب بالله، وأنه بيّنة لمن كذب بالرسل؛ لأنه لا يجوز في فِطر العقول أن يأتي طير من اليم، بحجارة من سجيل، تحملها بأرجلها ومناقيرها، حتى تهلك بها أمة من الأمم، إلا بتسخير وإرسال، فليدلونا على القادر على هذا الأمر العظيم، والتسخير لهذه الطير، وإذ كان لا يقدر على مثل هذه الأمة غيره جلّ وعزّ، لم يخف على أحد أنه فعل ذلك لنصرة قوم على أعدائهم، وأن النصرة كانت لمن ارتضاه، والهلكة كانت لمن سخط عليه، ولأنه لتلك النصرة وذلك الارتضاء من سبب. فما السبب الذي أوجبها في ذلك الوقت لقريش؛ وهي تعبد الأوثان، ومنها: زنادقة تقول: بالدهر، وقد حكى الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وثنوية، يقولون: بإلهين، بقول الله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]، ومنها من يعبد الملائكة، ويقول: هي بنات الله.
وما السبب الذي أوجب السخطة والهلاكة للحبشة، وهي أهل كتاب؟ يدلك على ذلك؛ عبد المطلب يوم الفيل؛ حين دعا على الحبشة:
[ ٢٠٥ ]
لَا هُمَّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ رحْلَهُ … وَحَلَالَهُ فَامْنَعَ حَلَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُم وَمِحَالُهُم … غَدْوًا وَمَا جَمَعُوا مِحَالَكْ
وأبرهة ملكهم يقول في ذلك اليوم حين رأى ما رأى:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ … وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ
والفريقان متساويان في المعرفة بالله، والرغبة إليه والمخافة، وعواقب الظلم، وهم مع تلك المعرفة كفرة، إلا أن السودان أهل كتاب، وليس لقريش في ذلك الوقت كتاب، وهم مجمعون على النصرانية وقريش مختلفة، والسودان مندوب بالظلم لما جير على بيعتهم باليمن، فجاؤوا منتصرين، وقريش هم الجانون، فهل يخفى على ذي نظر ولب [١٤٠/أ] أن المراد بذلك محمد - ﷺ -، وما أرهصه الله فيه وفي أمته المهتدين به، فإن قالوا إن أمر الفيل باطل موضوع ولم يك فيل ولا طير، وليس يذكر بينهم وجها لذا أعرضنا عن الأخبار السابقة من كل وجه، وعن الشعر القديم ورجعناهم إلى كتاب الله ودلالته، فإنه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: ١، ٢]، إلى آخر السورة يريد: (ألم تر كيف صنع ربك بهم)، والقصد بقول ألم تعلم: إلى المشركين؛ لا إلى النبي؛ لأن النبي - ﷺ - قد علم واهتدى واعتبر، والمشركون هم المحتاجون إلى العظة والتنبيه والتقرير، بما عاينوه وعلموه من قدرة الله ولطفه ونعمته عليهم، يدفع عدوه عنهم، أفيجوز عنده أن يخاطبهم النبي بكلام عن الله - ﷿ -! ويقررهم فيه بعلمهم شيئا، وهم لا يعلمونه، أفلا قالوا له: ما علمت ولا علمنا هذا الذي تذكر، ولا رأيناه ولا رآه آباؤنا؛ وارتد المسلم وأدبر عنه المقبل، واستبصر في أمره الشاك.
[ ٢٠٦ ]
فإن قالوا فإنه؛ قد قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، والذين كفروا لم يروا ذلك ولم يعلموه؛ قلنا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يريد أهل الكتاب: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، أي: لم يعلموا ذلك مما أنزلناه عليهم في الكتب التي هي في أيديهم، ويعلم غيرهم بخبرهم عنه، والعلم يكون بالخبر كما يكون بالعيان.
فإن قالوا: فإن الله دفع عن البيت ومنع منه؛ قلت: فمن الداعي إلى حجه وزيارته، وقضاء مناسكه، وتعظيم شعائره، مع إلهام كل الأمم من أقاصي الأرض حتى جاؤوا إليه مسرعين، كما قال: «شعثًا غبرًا».
وكل آية في الحرم بيّنة؛ كالوحش التي تأمن فيه حتى تخرج مع السباع والكلاب، وتذعر منها إذا خرجت منه، وكالطير التي تسقط على سطوح المسجد وزمزم والسقاية، ولا تعرف سطح البيت، وكمقام إبراهيم - ﵇ - في الحجر، فهو عَلَم له ولآبائه؛ إذ كانوا هم المؤسسين لذلك، وبه عمّت الحكمة وبلغت الدعوة.