ومن أعلامه بأبي هو وأمي انتقاض ممالك الأمم عند مبعثه؛ خلا الروم لما سبق لهم من دعوة إسحاق ابن إبراهيم - ﵇ -، وإن يعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل لما سبق إلى دعوة أبيه، فصارت النبوة في ولده، ودعا إسحاق للعيص ابنه بالنماء والكثرة، فالروم كلها من ولده، فسلمت الروم بدعوة إسحاق لهم، وانتقضت الممالك، وقد تقدم ذكر ذلك في الرؤيا التي رآها بختنصر ملك بابل، وعبرها لهم دانيال، وذلك موجود في كتب أهل الكتاب.
قال دانيال لبختنصر؛ وسأله عن رؤيا رآها من غير أن يقصها عليه: «رأيت أيها الملك رؤيا رائعة، ومنظرًا هائلًا، رأيت صنمًا بارع الجمال حيًّا، وهو قائم بين يديك، رأسه من الذهب الأبهر، وساعده من الفضة، وبطنه وفخذه نحاس، وساقه حديد، وبعض رجليه
[ ١٩٦ ]
حديد، وبعضها خزف، ورأيت حجرًا انقطع بغير قاطع، وصك رجلي ذلك الصنم، ودقها دقًّا شديدًا، فتفتَّت الصنم؛ كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه، وصار رفاتًا مثل دقاق جلّ البيدر، وعصفت به الريح ولم يوجد له أثر، وصار ذلك الحجر الذي صك الصنم جبلًا عاليًا، امتلأت منه الأرض كلها. فهذه رؤياك أيها الملك، ثم عبرها له، وقال: أنت أيها الملك الرأس الذي رأيته من الذهب، وتقوم بعدك مملكة أخرى دونك، والمملكة التالية التي تشبه النحاس فتسلط على الأرض كلها، والمملكة الرابعة قوتها قوة الحديد، كما أن الحديد يدق كل شيء، وأما الرِّجل التي كان بعضها حديد وبعضها من خزف؛ فإن بعض تلك المملكة يكون عزيزًا، وبعضها يكون ذليلًا، وتكون كل المملكة متثبتة، ويقيم إله السماء في تلك الأيام ملكًا دائمًا أبديًّا، لا يتغير ولا يزول ولا يدع لأي من الأمم سلطانًا، أو يقوم هو دهر الداهرين.
[ ١٩٧ ]