ومن ذلك قول الله جل ذكره: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ١ - ٤]، وكانت فارس غلبت الروم على أرض الحيرة، وهي أدنى أرض الروم من سلطان فارس، فسُرَّ بذلك مشركو قريش، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على أهل فارس؛ لأن الروم أهل كتاب وأهل فارس مجوس، فساءهم أن غلبوهم على شيء من بلادهم، فأنزل الله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، أي: الروم من بعد أن غُلِبوا: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾، أهل فارس، ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، والبضع: ما فوق الثلاث ودون العشر، فغلبت الروم [١٤٩/أ] أهل فارس، وأخرجوهم من بلادهم يوم الحديبية، وذلك بعد سبع سنين، ثم قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤]، أي: له القضاء بالغلبة لمن شاء من قبل ومن بعد، ويومئذ أي: يوم يغلب الروم أهل فارس، يفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب على المجوس، وبتصديق الله ما وعد من ذلك به، فتفهم قول الله تعالى في بضع سنين وتحديده الوقت، ولم يقل وهم من بعد غلبهم سيغلبون فيما بعد، ثم قال مؤكدًا لما وعد ومحققًا: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦].
[ ٢٣٠ ]
وقد كان أُبي بن خلف قال: «والله لا يَغلبُ الرومُ أهل فارسَ، ولا يخرجوهم من أرضهم»؛ فقال له أبو بكر: «فإن شئت بايعتك؛ لتغلبهم إلى هذا الأجل الذي سمى الله تعالى». فتبايعا على سبع من الإبل إلى ثلاث سنين، ثم أتى أبو بكر رسول الله فأخبره الخبر، فقال رسول الله: «إنها سبع سنين، فزد في الخطر، ومد في الأجل»، فذهب أبو بكر إلى أُبي فاستقاله فأقاله، وقال: «قد علمت أن ما يجيء به صاحبك باطل»، ثم عاوده أبو بكر المبايعة، وزاد في الأجل أربع سنين، وزاد في الخطر مائة من الإبل، فلما أراد رسول الله الخروج من مكة أخذ أُبي أبا بكر - ﵁ - بذلك؛ حتى كفل عبد الله بن أبي بكر بالإبل، وكفل ابن لأُبي عن أبيه بالإبل، فأخرجتْ الرومُ فارسَ من أرضها يوم الحديبية، فأخذ عبد الله بن أبي بكر ذلك من ابن أُبي بن خلف.