قال: شعيا وذكر قصة العرب ويوم بدر: «يدوسون الأمم كدياس البيادر»، وينزل البلاء بمشركي العرب ويهزمون، ثم قال: «ينهزمون بين يدي بسيوف مسلولة، وقسيّ موترة، ومن شدة الملحمة».
فهذا ما في كتب الله المتقدمة الباقية في أيدي أهل الكتاب، ومن ذكر نبينا وصفاته وأعلامه.
وأهل الكتاب يتلونه ولا يجحدون ظاهره، خلا اسم نبينا فإنهم لا يسمحون بالإقرار به تصريحًا، ولن يغني ذلك عنهم عندهم، لأن اسم النبي مُشَفَّحًا، ومُشفَّحْ هو:
[ ١٨٢ ]
محمد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: شَفْحَا، لإلاهيا إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله.
فإذا كان الحمد شَفْحَا، فمشفَّحٌ محمد، ولأن الصفات التي أقروا أنها هي؛ وفاق لأحواله وزمانه ومخرجه ومبعثه وشرعته، فليدلونا على من له هذه الصفات، ومن خرت الأمم بين يديه وانقادت لطاعته، واستجابت لدعوته، ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به، وأين هذه الأمة من ولد قيدار بن إسماعيل، والذين ينادون من رؤوس الجبال بالتلبية وبالأذان، والذين جعلوا له الكرامة، وبثوا تسبيحه في البر والبحر، هيهات أن يجدوا ذلك إلا في محمد - ﷺ - وأمته.
ولو لم آت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم! ألم تك مما أودع الله للعقل، ودليل على ما أودعها من ذكره، وفي تركهم وجحد ذلك وإنكاره وهو يقرعهم به؛ دليل على اعترافهم له، فإنه - ﷿ - يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ويقول عن المسيح: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، ويقول: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠، ٧١]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [الأنعام: ٢٠]، وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وقد كان رسول الله يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج عليهم بباطل من الحجج، ثم يحيل
[ ١٨٣ ]
بذلك على ما عندهم وفي أيديهم، ويقول من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوبًا، وهم لا يجدونه كما ذكر؟ أوَليس ذلك مما يزيدهم منه نفارًا؟ أو عَمَى يزيدهم عليه بعدًا؟ وقد كان غنيًا عن أن يدعوهم بما ينفرهم، ويستميلهم بما يوحشهم، ولِمَ أسلم من علمائهم: كعبد الله بن سلام، وتميم الدراي، وكعب، وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى؛ التي لا تصح عندهم، لا سيما وهو يحتج بهم على قريش، ويقرأ عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧].
وفي الحديث أن رسول الله - ﷺ - دعَا اليهود، فقال: «كيف عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: عالمنا وابن عالمنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: «أرأيتم إن أسلم تسلمون؟»،
[ ١٨٤ ]
قالوا: نعم، فخرج عليهم عبد الله بن سلام، فشهد بالحق واحتج له، فلما سمعوا ذلك، قالوا: خَرف الشيخ.
ويقال: إياه عنى الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وليس احتجاجنا على المكذبين بالرسل بما في كتب الله، لأنا رأيناهم يؤمنون بها، ومن لم يؤمن بالرسول المبلغ للكتاب؛ لم يؤمن بالكتاب، ولكنا رأينا الحجة تلزمهم فيها، بإخبار موسى عن عيسى، وإخبار عيسى عن محمد، وهو المُخْبِرُ والْمُخْبَر عنه قرون كثيرة وأحقاب، وهذا لا يجوز إلا عند من آمن بالرسل؛ لإخبارها عن الله بذلك. فإن ادعوا أن الكتب التي في أيدي أهل الكتاب مصنوعة؛ صنعها كبراؤهم؛ ليقودوا لأنفسهم أهل الرئاسة، ويستدعوا من العوام الانقياد والطاعة، وأن ما فيها من ذكر نبي لنبي فريد، وأنه لا إبراهيم ولا داود ولا موسى ولا عيسى، خرجوا بهذا القول عن كل فطرة، وأبطلوا به كل معرفة، إلا ما لحقته العيون، وكفى بذلك جهلًا وحيرة!
[ ١٨٥ ]
ولو كانت الحجة لا تثبت إلا بإقرار الخصم أو سكوته، لم ينتف أبدًا إلا حِسِّيَتُهُ؛ لأن الكلام واسع واللسان رطب، وقد رأيت من الناس من لا يسكت؛ وقد أسكته الحق، ولا ينقطع؛ وقد قطعته الحجة، ورُبَّ كلامٍ أبلغ منه العي، وقول أحسن منه الانقطاع، وإنما يكفيك من الكلام أن تخرج خصمك عن ما عرف الناس، وعما جُبِلُوا عليه، فإذا بلغ هذه الغاية، فأمسك عنه فلا تزد عليه، فإن الزائد فيما لا مزيد فيه؛ متعرض للخطأ بعد الصواب، ومساو للخصماء شرهُ الشتم، وسوء الأدب بعد الظهور، وليس يجوز الكذب على الأخبار تأتيه [عن]: موسى وعيسى وأعلامهما؛ لأنهما خبر قرن عن قرون وأمم مختلفة في الدين، عن أمم مختلفة، ولو جاز أن يكون مثله باطلًا لجاز أن يقولوا في نبينا مثله، وأن يقولوا في القائمين بعده، وأن يكون المولود في زمن المعتصم، يشك في المنصور، والمشاهد لخلافة ولد العباس، يشك في خلافة بني أمية، وهذا وأشباهه من الأمور التي تقدمتنا، توحش السامع لقدم العهد، ولا فرق بينها وبين الأمم الأول؛ لأنها كلها أخبار قرن عن قرن، إلا أن القرن قل عددها في واحد وكثر في آخر.
وأما قولهم: أن ما في الكتب من ذكر نبي متقدم لآخر بعده مزيد. فمن الزائدون؟ أهل الكتاب الزائدون، وهذا يستحيل لأن اليهود أعداء النصارى، ويكذِّبون بنبوة المسيح، والنصارى أعداء المسلمين، ويُكذِّبون بنبوة محمد، فكيف يزيدون في كتبهم ذكر أنبياء هم لهم جاحدون؟ وكانوا لحذف الذكر وبعض المدح والثناء أجدر؛ لو وجدوا
[ ١٨٦ ]
إلى ذلك سبيلا، أم المسلمين- وهذا أشد استحالة- لأن المسلمين لو أرادوا الزيادة في كتبهم لم يزيدوا إلا ليحتجوا عليهم بذلك، فكيف يصلون إلى الزيادة سرًّا من حيث لا يعلمون؟ وإن قالوا: إن الأنبياء أصحاب شبه ومخاريق، فإن النسبة باطلة باسمها، فهل سمعوا في الشبه بعلم الغيب، وفلق البحر لستمائة ألف حتى عبروا، وإطباقه على أكثر منهم حتى غرقوا، وكإحياء الموتى، وخلق الطير من طين، وهل يجوز أن يحتال محتال حتى يأتي بطير من البحر؛ تطير أبابيل معها حجارة من سجيل، فيُهلك بها أمة، وينصر بها أمة، بل كيف يحتال بهذا مولود في ذلك الوقت؟ أو كيف؟ وأمر الفيل
[ ١٨٧ ]
من قريب قد لحقه ورآه بشر كثير ممن كان في عصر رسول الله، فهو لنا كالعِيَان، وفي عام الفيل كان مولده بأبي هو وأمي، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله.
الأحاديث الموافقة لما في الكتب المتقدمة من ذكر النبي وصفته وصفة أمته:
قال ابن قتيبة: حدثني محمد بن عبيد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام أو عبد الله بن عمرو، قال: «أجد في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظٍ ولا غليظ ولا صخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن أتوفاك حتى أقيم بك الملة العوجاء، وأُحْيِي بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، بأن يقولوا لا إله إلا الله».
[ ١٨٨ ]
وحدثني محمد بن عبيد، أخبرنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن كعب، قال: «أجدُ في التوراة: أحمد عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بَكَا، وهجرته طابا، وملكه بالشام، وأمته الحمَّادُون يحمدون الله على كل نجد، ويسبحونه في كل منزلة، ويوضئون أطرافهم، ويتزرون على أنصافهم، وهم رعاة الشمس، وضوؤها في جو السماء، وصفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، رهبانًا بالليل أُسْدًا بالنهار، ولهم دويٌّ كدوي النحل، يصلون الصلاة حيثما أدركتهم؛ ولو على كناسة».
قال أبو محمد: يعني قوله: يصلون الصلاة حيث ما أدركتهم، أن قومًا من أهل الكتاب: كانوا لا يصلون الصلاة إلا في بيعتهم وكنائسهم ومجالسهم، فوسع الله على المسلمين، وأمرهم أن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وأنزل: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
وإنما نُسب هذا الكلام والكلام الأول إلى التوراة، وهو في غيرها من كتب الله؛ لإلحاق أهل الكتاب بالتوراة كثيرًا من كتب الله مثل: الزبور وكتب أشعيا.
حدثني سهل بن محمد، أخبرنا الأصمعي، أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن الحارث، عن عمر بن حفص، قال: وقال عبد الرحمن- كان من خيار،
[ ١٨٩ ]
وهو أبو حفص إمَّا أنه لقب له- قال: كان عند أبي وعند جدي ورقة يتوارثونها قبل الإسلام بزمان، فيها: «بسم الله، وقوله الحق، وقول الظالمين في تَبَابٍ، هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان، يَأْتَزِرُونَ على أوساطهم، ويغسلون أطرافهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاة، لو كانت في قوم نوح ما هلكوا بالطوفان، وفي قوم ثمود ما أهلكوا بالصيحة». قال: وأخبرني أنهم جاؤوا بها إلى رسول الله - ﷺ -؛ فقرأوها عليه وأخبروه بخبرها فأمرهم أن يضعوها بين أضعاف المصحف.
حدثني عبد الرحمن، عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب: «أوحى الله إلى آدم: أنا الله ذو بكة، أهلها أحبتي، وزوارها وفدي وأضيافي وفي كنفي، أعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتون أفواجًا شعثا غبرًا، يعجون بالتكبير عجيجًا، ويرجُّون بالتلبية رَجِيجًا، ويثجون بالبكاء ثجًّا، فمن اعتمده لا يريد غيره؛ فقد زارني وضافني ووفد إليَّ ونزل بي، وحُق لي أن أتحفه بكرامتي، أجعل هذا البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه لنبي من ولدك، يقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وَأُنِيطُ له سقايته، وأورثه حله وحرمه، وأعلمه مشاعره، ثم تعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك
[ ١٩٠ ]
يقال له: محمد، هو خاتم النبيين، فأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته، فمن سأل عني يومئذ؛ فأنا مع الشُّعْثِ الغبر الموفين بنذورهم، المقبلين إلى ربهم».