وهذا حديث فيه طول اختصرته. قرأت في كتاب ماجسنيس الزيادي- وهو شيخ من قدماء الفرس- لحق زمان زياد بن أبي سفيان، فسأله زياد أن يحدثه بأحاديث ملوك العجم ووزرائهم وسيرهم، فحدثه منها سبعين حديثًا حسنة، وترجمت، ونسب الشيخ إلى زياد، فقيل: الزيادي، والكتاب مشهور موجود في أيدي الناس، قال ماجينيس: «كان أبرويز بن هرمز، المعروف بكسرى- وهو أبو شيرويه- في مسير له ليلًا؛ فَهَوَّمَ وهو على مركبه، وطال ذلك حتى استثقل، فمال وخاف من وراءه من قواده سقوطه، فأتاه رجل منهم، فأيقظه، فانتبه مذعورا لرؤيا رآها قطعها عليه الْمُوقِظُ له، فقال: رأيت قائلًا يقول لي: إنكم غيرتم فغُيِّر ما بكم، ونُقل الملك إلى أحمد». هذا أو نحوه من الكلام. ورأيت في غير هذا الكتاب، «أنه عرضت على الله تعالى، وقال له: سلّم ما بيدك إلى صاحب الهراوة».
[ ١٩١ ]
ثم لم يزالوا يتوقعون حادثة تحدث؛ حتى كتب النعمان بن المنذر بظهور رسول الله، وما يدعو إليه.
ورأيت في بعض كتبهم: أن كتاب النعمان بن المنذر ورد بذلك، في يوم كان كسرى خلا فيه بلذته ولهوه، وأمرهم أن لا يُنهوا إليه فيه خبر يسوؤه، ولا يُوصل إليه كتابًا من أحد من عماله؛ ليأمن على شروره، قالوا: فبينما هو كذلك، إذ سمع صوت البريد. فسأل عنه، فقيل: كتاب عامل السواد، فتعلق قلبه به، وقال له: ما أرى إلا أن تعلق قلبي بما أوردته حتى أعلمه، أعظم علي مما فيه، فأوصلوا الكتاب إليه فقرأه، فإذا كتاب العامل إليه يخبره فيه بأن الفرات أتى بمد لم نسمع بمثله، وأنه فاض فغرق زرع الناس ومنازلهم، وأفسد ثمارهم، فغمه ما بالرعية من الضرر في أموالهم، وما نال جنوده بذهاب الخراج؛ الذي يجبى إليه من السواد لهم، فسهل عليه وزراؤه ذلك، ونسبوا للجنود أموالًا من وجوه كثيرة، وعاد إلى لهوه، ثم سمع صوت بريد آخر، فسأل عنه، فقالوا: كتاب العامل على ثغر أرمينية، فتعلق قلبه به، ثم أمر بإفضاض الكتاب؛ فإذا فيه أن الجنود شغبوا على عاملهم فقتلوه، واستباحوا ما قبله من الأموال، وجاهروا بالمعصية، فعدّ ذلك أيضًا، ثم سهل عليه وزراؤه الأمر، وتضمنوا له إصلاح الناحية؛ بغير جيش ينقله حتى يعود الجند إلى الطاعة، وعاد إلى لهوه.
ثم سمع صوت بريد آخر، فأمر بأخذ كتابه وقرأ؛ فإذا كتاب النعمان يخبره فيه بأن خارجًا نجمٌ بتهامة، يخبر أنه رسول إله السماء والأرض، إلى أهل الأرض كافة، فقطع بذلك وأكبره، وعلم أنه الذي كان يتوقعه ويراه في منامه.
[ ١٩٢ ]
وحدثني محمد بن عبد العزيز، عن علي بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي من آل جرير بن عبد الله، قال: حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه- وأتت له مائة وخمسون سنة- قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله، أو قال بُعث- ارتجس إيوان كسرى، فسقط منه أربعة عشر شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغارت بحيرة ساوة، فأفزع ذلك كسرى، وتصبَّر عليه، فلما عيل صبره، رأى أن يسأل عن ذلك وزراؤه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه، فأخبرهم، وقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك؛ قد رأيت في هذه الليلة إبلًا صِعَابًا وخيلًا عِرَابًا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادنا، وقال: أي شيء هذا يا موبذان- وكان أعلمهم في أنفسهم- فقال: حادث يكون من ناحية العرب، فكتب في ذلك إلى النعمان بن المنذر: أما بعد، فابعث إليَّ برجل عالم أسأله عما أريد، فوجه إليه بعبد المسيح ابن عمرو بن بُقيلة الغساني، فلما قدم عليه أخبره، فقال: أيها الملك علم ذلك عند خال لي سكن مشارف الشام، يقال له: سطيح. قال: فأته فاسأله عما أخبرتك به، ثم ائتني بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته؛ حتى ورد على سطيح، وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وحياه، فلم يرد عليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول: أَصُمَّ أَمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ الْيَمَنْ … أَمْ فَازَ فَازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ الْعَفن
في أبيات، فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه وقال: عبد المسيح على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وذكرها، ثم قال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغارت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست
[ ١٩٣ ]
الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت، فثار عبد المسيح إلى راحلته، وهو يقول:
شَمِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِي الْهَمّ شِمِّيرُ … لَا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وَتَغْيِيرُ
إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بَنِي سَاسَانَ أَفْرَطَهُمْ … فَإِنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ
فَرُبَّمَا أَصْبَحُوا يَوْمًا بِمَنْزِلَةٍ … تَهَابُ صَوْلَهُمُ الْأُسْدُ الْمَهَاصِيرُ
مِنْهُم أَخُو الصَّرْحِ بَهْرَامٌ وَأُخْوَتُهُ … وَالْهُرْمُزَانِ وَسَابُورٌ وَسَابُورُ
وَالنَّاسُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ فَمَنْ عَلِمُوا … أَنْ قَدْ أَقَلَّ فَمَحْقُورٌ وَمَهْجُورُ
وَهُمُ بَنُو الْأُمِ أَمَّا إِنْ رَأَوْا نَشَبًا … فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ
وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ … فَالْخَيْرُ مُتَّبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ
فلمَّا قدم عبد المسيح على كسرى، أخبره بقول سطيح، فقال: كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا، قد كانت أمور.
[ ١٩٤ ]
قال أبو محمد: قد نظرت في سيرة ملوك فارس، فوجدت من أبرويز ومن آخر ملك منهم عشر ملوك فيهم امرأتان، وفي الحديث أربعة عشر شرفة، وأنه يملك منهم على عدد الشرفات، وقد يظن من لا يعلم أو لا يضع الأمور مواضعها، أن قول سطيح هو من علم الغيب ويشبّهه بأخبار الأنبياء عما يكون، وخبر الكاهن لا يكون أبدًا إلا عن أمر قد وقع، أو وقع له سبب يدل عليه؛ كالرؤيا التي رآها الملك، والرؤيا التي رآها الموبذان، وعبرها سطيح، وعلمها بنقل الجن لها إليه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وخبر النبي يكون على أمر لا سبب له ولا دليل عليه من نبي يبعث بعده بألف عام ومن ذلك أو حادثة تحدث في الزمان.