الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أنزله الله عليه زمن الشعر والبلاغة والخطابة والبيان، وجعله علمه لمَا جعل علم كل نبي من أشبه الأمور بما في زمانه المنبعث فيه، فكان لموسى صلى الله عليه: فلق البحر، والعصا،
[ ٢١١ ]
وتفجر الحجر في التيه بالماء، وأشباه ذلك زمن السحر، وكان لعيسى - ﵇ -: إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وأشباه ذلك زمن الطب، وقد تحداهم عليه في موطن بعد موطن؛ على أن يأتوا بسورة من مثله، وتعتبر سورة، وقرأ عليهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، يريد استدلوا بعجزكم على صدقه، واتقوا النار التي وعدكم بها في الآخرة، وقد ادعوا القدرة على ذلك من غير أن يأتوا بشيء، وحكاه الله عنهم، فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١]، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
فلا أتوه بسورة من مثله؛ إن كان ما ادعوه من إمكان ذلك حقا، فخذَّلوا عنه الناس، وفرقوا الأتباع، وشتتوا الجموع، واستراحوا من الحرب المخرجة عن المال والديار، وكفوا أنفسهم بأيسر المؤونة.
ومما يدل على استقرائهم القرآن، وتعجبهم من ألفاظه البارعة، ومعانيه اللطيفة، تشبيههم إياه بالسحر، يقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٧].
كما قال الأولون للمسيح حين أتاهم بالآيات المعجزة؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، هذا سحر مبين، ولهذا قال الله ليثبِّته: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣].
[ ٢١٢ ]
والعرب تكني بالسحر: عما لطف ودق، واستميلت به القلوب، وبلغت به الحاجة، وعظم به الصغير، وصغر العظيم، ولذلك قالوا: «إن من البيان سحرا»، وقالوا: سحرني فلان بكلامه، أي: خدعني، وما فلان إلا ساحر، ولو كانوا يقدرون على مثله؛ ما شبهوه بالسحر، كالأطباء لو قدروا على مثل آيات المسيح، ما شبهوها بالسحر.
وفي هذا من قولهم نقض لقولهم، لو شئنا لقلنا مثل هذا: إن هذا إلا أساطير الأولين، وقلنا من قوم من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة وحظا من البيان، أن يصنعوا شيئًا يقرب منه، مثل سورته، فلما وجدوه مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار: كسورة الكوثر، وسورة الفتح، وأشباهها، لوقوع الشبهة على الجهال فيما قل عدد حروفه ولأن العجز إنما يظهر في التأليف والاتصال، فإذا قل التأليف وقعت الشبهة.
ومن قيلهم: ماذا في هذا؟ المطبوعون من العرب التشبيه بالسور القصار، فقال مسيلمة: «ياضفدع نُقِّي، كم تَنُقين، لا الماء تُكدِّرين، ولا الشراب تمنعين»، فلمَّا سمع هذا أبو بكر - ﵁ -، قال: «إنه لكلام لم يخرج من إِلّ».
[ ٢١٣ ]
وقال آخر: «ألم تر كيف فعل ربك بالحُبْلى، أخرج من بطنها نَسمَةً تسعى، من بين شراسيف وأحشى».
وقال آخر: «الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وَثِيْل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل».
وهذا الكلام مع قلة حروفه؛ من السخافة على ما لا خفاء به، على من لا يعلم فضلًا على من يعلم.
فأين هؤلاء المعارضون لكتاب الله بالتمثيل والتشبيه؛ عن سورة النحل، وسورة الكهف، ثم هود وطه، ولم نخصص هذه بالذكر؛ لأنا رأيناها فوق غيرها من القرآن، ولا أن شيئًا دونها منه، ولكن أردنا أن نذكر منه شيئًا، فلم يكُ بعضه أحق بالذكر من بعض، وخطرت هذه سورة بالبال، ولقد قرأت يومًا على رجل من أهل الكتاب سورة بني إسرائيل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، حتى بلغت:
[ ٢١٤ ]
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، فاقشعرت شواته واصفر لونه ومال إلى الإسلام، وظننت بل لم أشك أن الذي أوقع ذلك في قلبه ما نويته، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج عن اللسان لم يجاوز الآذان، ولا أدري بعد ذلك ما حال الرجل؛ أدخل في الإسلام؛ أم أقام على كفره.
وقد طعن هؤلاء على القرآن، واتبعوا متشابهه بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر في اللغة مدخول، ونسبوا شيئًا منه بخيالهم إلى اللحن، وإلى التناقض، وإلى الاستحالة، وإلى سوء النظم، وقد قابلت ذلك بالاحتجاج عليهم فيه، وتبيين المخارج منه في كتابي المؤلف في: «تأويل المشكل من القرآن»، وكتابي: «المنسوب إلى المسائل»، وطال أن أعيد ذلك في هذا الكتاب، ورأيته يخرجه عن فنه، فاقتصرت من جملته على حروف يسيرة معدودة، تدلك على غلطهم، وسوء أفهامهم، وكرهت أن ينطوي ذلك كله عنك؛ فيتعلق قلبك؛ إلى أن يتيسر لك النظر في ذينك الكتابين.
وكلام العرب وحي وإيماء وإيجاز، فمنه محذوف للاختصار، ومزيد فيه للتوكيد، ومكرر للإفهام، ومستعار ومقلوب، وعام يراد به خاص، وخاص يراد به عام، وواحد يراد به جميع، وجميع يراد به واحد واثنان، ودعاء لا يراد به الوقوع، وجزاء عن الفعل بمثل لفظه؛ والمعنيان مختلفان، وماض من الفعل؛ يكون لمستقبل الزمان، ومستقبل يكون لماضي الزمان، ومفعول على لفظ الفاعل، وفاعل على لفظ المفعول، ولفظان مختلفان والمعنى واحد، ولفظان متفقان ومعناهما مختلف، ولفظان متقاربان ومعناهما مختلف.
[ ٢١٥ ]
ولفظ مستفهم به وهو تقرير، ولفظ مستفهم به وهو تعجب، ولفظ مستفهم به وهو توبيخ، ولفظ خرج على مذهب الأمر وهو نهي، ولفظ خرج على لفظ الأمر وهو تهديد، ولفظ خرج على لفظ الخبر وهو دعاء، مع أشياء كثيرة يطول تعدادها، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم أن ينقله إلى شيء من الألسنة؛ كما نُقلت كتب الله المتقدمة، فمن تعقبه بالنظر من غير معرفة بما خص الله به هذه اللغة، توهم مثل الذي توهمه هؤلاء الطاعنون، وسأمثّل لذلك مثلا: أقوله على ما أعلمتك حتى تقدر إن شاء الله، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، فالناظر في هذا بغير علم؛ يمثله بقول القائل: يا أيها الرجل كل هذا الطعام؛ وإن لم تفعل ما أكلته، وليس في هذا الكلام على هذا الوجه فائدة، وإنما أراد - ﷿ -: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، مجاهرًا غير خائف أحدًا؛ وإن لم تفعل ذلك فما بلغت رسالته، فأضمر مجاهرًا به غير خائف، لأن في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، دليلًا على ذلك وهذا من المحذوف الذي يدل على ظاهر الكلام عليه.
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول أما في قوله: ﴿قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، ما أغنى عن قوله: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾، لأن النساء يدخلن في القوم، يقال: هؤلاء قوم فلان، للرجال والنساء من عشيرته، والقوم للرجال دون النساء، ثم يجاء لعلمهم النساء، فيقال: هؤلاء قوم فلان، ولا يجوز أن يقال لنساء تعين هؤلاء قوم فلان، ولكن يقال: من قومه رجال والنساء منهم، وإنما سمي الرجال دون النساء قومًا؛ لأنهم يقومون بهذا الأمر مع الرجال، ويعينوهم به عند الشدائد ويتصرفون، وواحدهم
[ ٢١٦ ]
قائم، كما يقال: زائد وزويد، وصائم وصوم، ونائم ونوم، ومثله قولهم لقوم الرجل: نفرة جمع نافر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استفزهم، قال امرؤ القيس يذكر راميًا:
فَهْوَ لَا تَنْمي رَمِيّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِن نَفَرهْ
يقول: إذا عد قومه لم يعد معهم، أي: أماته الله، قتله الله، هذا وأشباهه مما خرج مخرج الدعاء، ولا يراد به الوقوع.
ومما يدلك على أن القوم هم: الرجال قول زهير:
وَمَا أَدْرِي وَسَوفَ إِخالُ أَدْرِي … أَقَومٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
يريد: أرجال هم أم نساء.
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول: كيف تكون العيون في غطاء عن الذكر؛ وإنما تكون الأسماع في غطاء عن الذكر؛ وإنما أراد الله: عيون القلوب. يدلك على ذلك قول الناس: عمي قلب فلان، وفلان أعمى القلب؛ إذا كان لا يفهم، والله جل ثناؤه يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، يريد: أن عمى العيون لا يضر في الدين؛ ما لم يكن ضارًّا في الدين، ولا مانعًا من الاهتداء، لم يكن عمى، ولما كان عمى القلب ضارًّا في الدين، مانعًا من الاهتداء؛ كان عمى، ولما جاز أن يقال عمي قلبه؛ جاز أن يجعل للقلب عين، إذا كان العمى في العين.
[ ٢١٧ ]
ومثل هذا قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، والأكنة: الأغطية، وهذا شيء مثّلته لك؛ لأعرفك من الوجوه التي تقع بهذا الغلط، فأما الأشياء التي طُعِن بها على القرآن، فسأذكر منها عشرة أحرف، أبيّن مجازها لتعرفها، وتقضي على ما تركت بمثل الذي أوجدتك فيما ذكرت، وأسأل الله إرشادنا وإياك.