ومن أعلامه دعاؤه على مضر حين آذوه وكذبوه، فقال: «اللهم اشْدُدْ وطْأَتَكَ على مُضَرْ، وابْعَثْ عليهم سِنِينَ كسِنِي يوسف»، فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر، وماتت الأشياه، واشتووا القَدَّ، وأكلوا العِلْهِزُ.
[ ٢٤٤ ]
فوفد حاجب ابن زرارة إلى كسرى، فشكا إليه ما نالهم، وسأله أن يأذن له الرعي بالسواد، ورهنه قوسه، وفي ذلك نزل: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١]، والدخان: الجدب، سمي دخانًا؛ لأن الغبار يرفع في سنة الجدب، فيكون كأنه دخان. ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها. ولا يجوز أن يكون هذا لم يأت بعد لأنه قال: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١١، ١٢]، ثم قال: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٣، ١٤]، ثم قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، ثم قال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، يعني يوم بدر. وهذا كله يدل على أن الدخان قد مضى وأنه قد دعا به؛ وكان انكشاف العذاب عنهم أيضًا بدعائه- بأبي هو وأمي- فأتاهم الغيث، وكثر حتى هدم بيوتهم، فكلموه في ذلك، فقال: «اللهم حَوالينا ولا علينا، اللهم على الظِّرَابْ والجبال وبطون الأودية».
ومن ذلك دعاؤه على كسرى حين مزق كتابه، وبعث إليه بتراب، وقال:
[ ٢٤٥ ]
«اللهم مَزِّقْ مُلكه كل مُمُزق»، وقال لأصحابه: «مَزَّق كتابي؛ أما أنه سيمزق وأمته، وبعث إليه بتراب؛ أما أنكم ستملكون أرضه»، فمزَّقَ الله ملكه، وشَتَّتَ جمعه، ومَلَّكَهم أرضه.
ومن دعائه - ﷺ - دعاؤه على عتبة بن أبي لهب، وقال: «اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك»، فافترسه الأسد في بعض أسفاره.
وهذا إلى أشياء كثيرة قد دونت في الحديث وتلقاها المسلمون بالقبول، كما تلقى أهل [١٥٤/ب] الكتاب أخبار أنبيائهم عن صحابتهم، نحو: تكلم الذئب، والمتكلم له أُهْبَان الأسلمي، وولده إلى اليوم يُدعون بني مُكَلِّم الذئب، وفيه يقول دعبل بن علي الشاعر:
[ ٢٤٦ ]
تِهْتُمْ عَلَيْنَا بأَنَّ الذِّئْبَ كَلَّمَكُمْ … فَقَد لَعَمْرِي أَبُوكُم كَلَّمَ الذَّيبَا
وكلام الظَّبية، وشكوى البعير، ومشي الشجرة إليه، وتفجّر الماء عن
[ ٢٤٧ ]
أضعاف أصابعه، وإطعامه أصحابه وهم كثير كثير من طعام يسير، وعَنْزٍ مُسْمِل في حَيْسٍ صغير حتى جَاشَ لهم بالرِي، مع أعلامه الظاهرة في حفر الخندق، وفي مسيره إلى تبوك، التي لا خفاء بها على أهل العلم، وتعدادها يطول به الكتاب، ومن بعض ما ذكرنا ودليل على ما أردناه، فإن دفَعَ ما عددناه من هذه الآيات دافع؛ بقول الله في كتابه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، قال في هذا دليل على أنه لم يرسل بآيات كما أُرسل من قبله من الناس، قلت له: إنما أراد بالآيات التي لم يُرسله بها، الآيات التي سمى له المشركون إياها؛ كقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٢]،
[ ٢٤٨ ]
ونحو هذا يقول: وما منعنا أن نأتيهم بهذه الآيات التي سألوا أن تأتيهم بها؛ إلا أن الأولين سألوا مثل ذلك أنبياءهم، بما سألوا فكذبوا به فأهلكناهم، يدلك على ذلك قول المسيح - ﵇ -: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٤، ١١٥].
وكذلك قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [١٥٥/أ] [الأنعام: ٨]، أي: لو أنزلناه ملكًا فكذبوا بعد نزول الملك؛ لقضي الأمر. أي: أهلكناهم ولم نُنْظِرهم، وكذلك قوله حكاية عن قوم صالح: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء: ١٥٤ - ١٥٨].
وهذه رحمة من الله لهذه الأمة وإمهال ونَظِرة، ولو لم يكن النبي - ﷺ - أتى بآيات تدل على نبوته كما قالوا، لقد كان في انقياد الناس له، واتباعهم إياه، وبذلهم مهجهم له وأموالهم دونه، ومفارقتهم للْأوطان، وهجرتهم مرة بعد مرة إلى أرض الحبشة وإلى المدينة، واحتمالهم كل الأذى في نصرته وطاعته، وهو إذ ذاك لا مال له، فلا دنيا معه حتى قهر الأمم وأذل الرقاب، وظهرت دعوته وعلت كلمته، وبلغت مشارق الأرض
[ ٢٤٩ ]
ومغاربها وجزائرها وأطوادها، أعظم الآيات وأدل الدلائل على أن الله - ﷿ - يسر له من ذلك ما لم ييسره لموسى - ﵇ -: بفلق البحر واليد والعصا والحجر والقُمَّل والدم والضفادع، وما لم ييسره للمسيح - ﵇ -: بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فإن [١٥٥/ب] دعوة موسى كانت مقصورة على بني إسرائيل؛ فاختلفوا عليه وأعنتوه في السؤال: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، و﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، و﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ثم عبدوا العجل بعد أن فارقهم هذا، وقد أراهم من الآيات العِظَام ما فيه بلاء مبين.
وكذلك دعوة عيسى لم يتبعه عليها مع آياته إلا قليل، ثم سعوا وعرّضوه لسفك الدم، واختلفوا بعده في عمود دينهم؛ فقالوا: هو الله، وهو ابن الله، وهو ثالث ثلاثة، والمسلمون وإن اختلفوا فاختلافهم في الفروع؛ والأصول سليمة، وكفى بهذا للنبي إثباتًا به علمًا ودليلًا.
وبعد فإنه ليس كل الأنبياء أُرسل بآية، ولا كلهم سُئل منهم آية أتى بها، ولا كل أمة اتبعت نبيًّا اتبعته على آية، فهذا داود لا آية له في الزبور، وهذا حزقيل أتته جماعة من بني إسرائيل يريدون امتحانه فأجابهم: «بأن ربّ الأرباب يقول: إنني أقسمت قسمًا باسمي إني أنا الحي، وإني لا أُحير جوابًا عمَّا يريدون».
وهذا المسيح أتاه قوم من اليهود يسألونه آية، فقذفهم وقال مجيبًا لهم: «إن القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية، ولن تُعطى آية؛ خلا آية يونان النبي - ﷺ -».
[ ٢٥٠ ]
ومر المسيح بشمعون الصفا وأخيه أبناريوس الحوارييين؛ وهما يصيدان السمك في البحر فقال لهما: «لتتبعاني أجعلكم تصيدان الناس»، فرفضا شباكهم، واتبعاه من ساعتهما ولم يسألانه آية، ولا اتبعاه عليها.
ولا شيء أعجب عندي من تصديق النصاري بنبوة مريم وحنا؛ وهما امرأتان بلا كتاب ولا آية ولا دليل! وكفرهم بنبوة محمد. ولو قلنا لهذه الزنادقة المكذبة للرسل أين علمتم علمًا يقينًا لا شك فيه أن الله لم يبعث رسولًا إلى خلقه، يهديهم به إلى رضاه وطاعته، ويكُفُّهم عن مساخطه ومعصيته، ويرشدهم إلى ما فيه صلاح شؤونهم، وحقن دماؤهم، وصون حرمهم، وردع قويهم عن ضعيفهم، وأن الحكمة كانت عندكم. والصواب أن يتركهم سدى يتغاورون، ويسفكون الدماء، ويتهارجون تهارج البهائم؛ حتى لا يرعى ابن لأب، ولا أخ لأخ، ويأكل الكثير القليل، ويبتزُّ العزيز الذليل، لم يرجعوا في ذلك إلى وثيقة ولا إلى يقين وحجة؛ وإنما هو استطابة الإهمال، وركوب الفواحش، وترك الفرائض، وإرسال التشريع للهوى، ولولا دفع الله عنهم من لا يرى مثل رأيهم؛ لعرفوا عيانًا سوء ما اختاروا، وليس الخبر كالعيان، ولا من سمع بالأمر كمن وقع فيه.
وكذلك لو قلنا لأهل الكتاب: من أين علمتم علمًا يقينًا لا شك فيه أن محمدًا غير منعوت؛ مع هذه الأنباء وهذا الظهور؛ أبقول موسى، أو قول داود، أو قول أشعيا، سيأتيكم رجل يدعي النبوة، يقال له: محمد فارفضوه ولا تصدقوه، لم يرجعوا في ذلك إلى علم بخبر أحد من هؤلاء الأنبياء ولا غيرهم، وإذا كان ذلك لا يوجد، فهل محمد إلا كنبي منهم؟
[ ٢٥١ ]
وإذا كان القوم ظانين شاكين؛ ونحن مستيقنون بكثير الدلائل والبراهين، فكيف يُعارض اليقين منا بالشك منهم، والحجة البيّنة بغير حجة، وكل شاكٍّ في أمر فهو مقر بالجهل على نفسه؛ لأن الحق لا يخلو من أن يكون على أحد الأمرين الذين وقف بينهما، وأنه ليس على أحد منهما.
[١٥٦/ب] فإن قالت النصارى إن المسيح أعلمنا أنه لا نبي بعده، قلنا فقد أعلمكم أيضًا في الإنجيل أنه سيذهب ويأتي به بعده البارقليط، قال: «وهو يشهد لي كما شهدت له، وأنا أجيئكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل».
وقد أعلمكم في موضع آخر أن: «إِليا مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع».
وإِليا عندكم هو نبي مقدم في كتبهم، عن بعض الحواريين أنه يكون بعد المسيح بأنطاكية أنبياء وعلماء، منهم: بِرنَبا، وشَمْعُون،
[ ٢٥٢ ]
ولُوقُيُوس، ومَاثِايل، وشَاؤول.
وفي موضع آخر: أنه قدم أنبياء من بيت المقدس، وقام أحدهم وكان يسمى إِغْيَانُوس؛ فتنبأ لهم، وقال: أنه يكون في البلاد مجاعة وقحط شديد.
هذا ما في كتبهم، وفيها ما أُثر بحقٍّ عن أهل النظر في كتب الله المتقدمة، أن جَرْجِس بعد المسيح، وكان قد أدرك بعض الحواريين، وبعث إلى ملك الموصل وهو من أهل فلسطين.
فكيف يقول المسيح - ﵇ -: «لا نبي بعدي»، ثم يقول: «سيأتي بعدي فلان وفلان»، كيف تؤمنون بهذا القول منه وتؤمنون بأنبياء كانوا بعده؟ أفلا تثاقلتم عن الإيمان به كأولئك الأنبياء، وليس يخلوا هذا القول الذي يحكونه عن المسيح، من أحد أمرين: أن يكون باطلًا أراد كبرا، وكما لم يحتجوا به في دفع نبوة محمد، أو يكون حقًا وله تأويل ذهب عليكم وعرفناه بتوفيق الله وتأييده؛ وهو أن المسيح عندنا حي عند الله
[ ٢٥٣ ]
لم يقتل؛ كما قلتم ولم يصلب، وسينزله الله في آخر الزمان، فيقيم في الأرض، ويقتل الدجال، وينكح النساء، ثم يتوفاه الله، فلا نبي بعده، أي: بعد تلك الوفاة. وإذا حُمِلَ الحرف على هذا التأويل؛ صحت أقاويل المسيح كلها ولم يدفع بعضها بعضًا.
وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه لمخالفته موسى وعيسى؛ فإن الشرائع استعباد من الله لعباده وعلم لطاعته ومعصيته، وليس في نفس الشريعة ما يستحق التحريم أو التحليل أو الحظر أو الإباحة، والله يختبر عباده كل زمان، وعلى لسان كل رسول بما أحب، ويطلق على لسان الآخر ما حظر على لسان الأول، وليس الأول في نفسه بأولى بذلك من الآخر.
وقد بُعث موسى - ﵇ -؛ بالسبت وبالختام في اليوم السابع، ثم جاء المسيح بعده بنسخ ذلك وغيره من شرائع موسى، هذا مع قوله للحواريين: «لا تظنوا أني جئت لنقض الناموس، وإني لم آت لنقضه ولكن ليتم، الحق أقول لكم إنه حتى بقاء
[ ٢٥٤ ]
السماء والأرض لا يبطل من الناموس حرف واحد، ومن أراد نقض شيء من هذه الفرائض لإصغاء وتعليم الناس؛ فإنه يدعى ناقصًا في ملكوت السماء».
فكيف لم تنكروا قول المسيح إني لم آت لنقض ولا تغيير شيء، ثم نقض وغَيَّر.
وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه بتجريده السيف، وقتله كل من خالفه، وبأن المسيح بُعث بالرحمة، وقال: «من لطمك على خدك الأيمن فأمكنه من الآخر، ومن خاصمك ليأخذ جبتك فاترك له رداءك، ومن سخرك ميلًا فاتبعه ميلين، ومن سألك فاعطه، ومن استقرضك فلا تمنعه»، و«إن الخلق كله لله، والأمر يبعث نبيا بالرحمة كما أنه رحيم، ويبعث نبيًا بالسيف كما أنه شديد العقاب».
وقد قدَّم الله تعالى في كتبهم من ذكره ما دل على أنه بعثه بالسيف؛ من ذلك قوله في الزبور بوصفه أمته: «بأيديهم سيوف ذوات شفرتين؛ لينتقموا بها لله من الأمم الذين لم يعبدوه».
وفي مزمور آخر: «تقلد أيها الجبار السيف، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة سيدك، وسهامك مسنونة والأمم يخرون تحتك».
وعلى أنه لم يكن في الجهاد بدعًا من الرسل؛ فهذا إبراهيم جاهد الملوك الأربعة الذين كانوا ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها، وجاهدهم حتى هزمهم بغلمانه وأحزابه من أتباعه.
[ ٢٥٥ ]
وهذا يوشع بن نون قتل بتعويذتين ملكًا من ملوك الشام، وأباد من مدنها ما لم يبق له أثر، ولا من أهله نافح ضربه، من غير أن يدعوهم إلى دين، أو يطلب منهم إتاوة.
وغزا داود بلادًا من بلاد الشام؛ فلم يدع فيها رجلًا ولا امرأة إلا قتلهم، وساق الغنائم. وهذا كله موجود في كتبهم.
وهذا المسيح - ﵇ - نفسه المبعوث بالرحمة، يقول في الإنجيل لتلامذته: «إن سألتكم وليس معكم مزود ولا خف، فهل ضركم ذلك أو نقصكم شيئًا»، قالوا: لا، فقال: «أما الآن فليشتر منكم من لم يكن له مزودًا، ومن لم يكن له سيف فليبع ثيابه وليشتري لنفسه سيفًا»، وإنما أمرهم بابتياع السيف بعد أن كان نهاهم عن القتال؛ لعلمه بأن النبي يُبعث بعده بالسيوف، فأشار إليه وإلى أيامه، وأمر من لحقها باتباعه والجهاد معه.
وإن اعتَّلُّوا في تركهم اتباعه بذكره في القرآن: الأكل والشرب والنكاح في الجنة والحديد والمقامع في النار؛ فإن الله قد ذكر الجنة وإسكانه إياها آدم وزوجته، وأكلهما من الشجرة واستتارهما حين عريا بورق التين في التوراة، فإن ذكروا أن الجنة التي أُسْكِنها آدم كانت في الأرض؛ لم نجادلهم في ذلك ورجعنا بهم إلى قول المسيح في الإنجيل
[ ٢٥٦ ]
لتلامذته؛ حين شرب معهم: «إني لست شاربًا من هذه الكرمة حتى أشربها معكم في ملكوت السماء».
وقال لوقا عن المسيح - ﵇ -: «إنكم ستأكلون وتشربون على مائدة أبي».
وقال يوحنا عنه: «أكثروا الغرف والمساكن عند أبي».
وفي أشعيا: «يا معشر العطاش توجهوا إلى الماء والورد، ومن ليس له فضة فليذهب يمتار ويستقي ويأكل ويتزود، ويأخذ من الخمر واللبن بلا فضة ولا ثمن».
وهذا مثل قول الله تعالى في القرآن: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥].
ووصف المسيح العذاب في الآخرة، فقال: «إنه نار لا تطفأ، وديدان لا تموت».
وقال في غير موضع آخر: «جهنم ذات الوقود».
وقال للحواريين: «بحق أقول لكم؛ إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب فيتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماء، ويخرج بنو الملوك إلى الظُلمة البرَّانيِة، من حيث يكون البكاء وصرير الأسنان».
[ ٢٥٧ ]
وقال الله على لسان داود: «أنا ناشرهم وباعثهم من بين أنياب السباع، ومن لجج البحار».
وقال دانيال: «أنه سيبعث من الأجداث قومٌ كثير، بعضهم إلى الجنان الدائمة، وبعضهم إلى البوار».
وإن اعتَّلُّوا بأنه سُئل عن أشياء فلم يعرفها، منها: الروح، ومنها: الساعة متى تكون، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وإن الأنبياء لا تعلم إلا ما علّمها الله، وليس يُعلِّمها الله إلا ما أحب دون ما أحبت، ولا يطلعها من غيبه إلا على ما يشاء، وقد سأل المسيح تلاميذه عن الساعة، فقال: «ذلك غيبٌ مستور عني، لا يعلمه إلا الله وحده»، وقد وافق المسيح نبينا - ﷺ -.
وإن اعتَّلُّوا بأن المسيح قال لهم في الإنجيل: «احتفظوا من الأنبياء الكذابين الذين يأتونكم عليهم لباس الخرفان وهم كالذئاب التي تخطف، فسوف تعرفونهم بأعمالهم. هل يُجنى من الشوك العنب، ومن القصب التين»؛ فإن نبينا قد حدثنا مثل الذي حدثهم المسيح وقال: «بين يدي الساعة ثلاثون دجالًا كلهم يكذب على الله»، وقد رأينا منهم قومًا في صدر الإسلام كمسيلمة، والأسود العنسي، وفي آخره.
[ ٢٥٨ ]
وهذا القول من المسيح - ﵇ - لا يشبه عندي ما أدعوا من قوله: «لا نبي بعدي»؛ لأن في قوله: «لا نبي بعدي» ما دل على أن كل من ادعى النبوة بعده كذاب، فما حاجته إلى أن احتفظوا من الأنبياء الكذابين. ومن قال لك بعلم منه ويقين، إنك لا ترى اليوم لصًا مستغنٍ عن أن يقول: احتفظ اليوم من اللصوص العادين.
وهذا القول من المسيح ينبغي أن يكون دليلهم؛ لأن الأعمال تدل على صدق أهلها وكذبهم، فأي أعمال رسول الله، وأي خلاله تدفعه عما ذكر المسيح؛ أنه يُوجب التصديق. ألم يكن أشرف الأشراف، وأحلم الحلماء، وأجود الأجواد، وأنجد الأنجاد، وأزهد الزهاد، ألم يكن يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويتوسد يده، ويمهن أهله، ويأكل
[ ٢٥٩ ]
بالأرض، ويقول: «إنما أنا عبد؛ آكل كما يأكل العبد، وألبس كما يلبس العبد»، ويجالس المساكين، ويمشي في الأسواق، ولم يُرَ ضاحكًا ملء فيه، ولا آكلًا وحده، ولا ضاربًا بيده إلا في سبيل الله، وقام حتى تورمت قدامه، وكان يُسمع لجوفه إذا قام بالليل أزيزُ كأزيز المرجل من البكاء، وقال: «شيَّبتني هُود وأخواتها»، وكان من دعائه: «اللهم ارزقني عينين هطَّالتين، تبكيان بذروف الدموع، تسقياني من مخافتك؛
[ ٢٦٠ ]
قبل أن تكون الدموع دمًا، والأضراس جمرًا»، واقتص من نفسه، وقُبض ودرعه مرهونة على شعير اقترضه لمطعمه، ولم يُورِّث، وقال: «إِنا معشر الأنبياء لا نُورَثْ، ما تركنا صدقة».
[ ٢٦١ ]
وقد مدحه الله تعالى بجميل أخلاقه، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فمن استبعد منكم هذه الأشياء، واتهم بعض هذه الأخبار، فهذه حجرته التي كان ينزل فيها هو وأهله؛ وبها مَقْبَرُهُ، وهذه بردته التي كان يلبسها؛ تلبسها الخلفاء في الأعياد، وهذا قدحه الذي كان يشرب فيه، وهذه نعله، وهذه كتبه لقوم في أقارع الأُدْم، ثم هو مع هذا أوسطهم حسبًا، وأكرمهم محتدًا، وأشرفهم أبًا، وبجده قصيٍ جمع الله قريشًا وأنزلها، قال الشاعر:
[ ٢٦٢ ]
أَبُوكم قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا … بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِن فِهْرِ
وأبر البشر لسانًا في إقلال، وأثبتهم جنانًا حين البأس، فرَّ الناس عنه يوم حنين وهم اثنا عشر ألفًا، وثبت في خمسة نفر أحدهم العباس عمه، وهو آخذ بحِكْمَه بغلته؛ ينادي أصحاب الشجرة: «يا أصحاب الثمرة، يا أصحاب سورة البقرة، إليّ فأنا رسول الله»، وقال العباس:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْبِ سَبْعَة … وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا
وَثَامِنُنَا لَاقَى الْحِمَامَ بِسَيْفِهِ … بِمَا مَسَّهُ فِي اللهِ لَا يَتَوَجَّعُ
وكانت هزيمة القوم يومئذ بكلمة كانت عن بعضهم، وهي قوله: «لن نُغْلَب اليوم من قلة»، فعُوقبوا بذلك فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦].
[ ٢٦٣ ]
وهذه صحابته خيار البشر ومصابيح الأنام، منهم: أبو بكر - ﵁ -، كان جُّل كساءه بخِلَالَينِ وهو الخليفة بعده، فسُمي ذا الخلالين.
وعمر كان يلبس وهو أمير المؤمنين جُبَّة صوف مرقوعة بأُدْم، ويطوف في الأسواق على عاتقه دِّرَة يؤدّب بها الناس، ويمر بالنَّكْث والنَّوَى فيَلْقُطُهُ، ويُلقيه في منازل الناس لينتفعوا بذلك.
وعثمان بن عفان - ﵁ -: كان يقوم بالقرآن كله في ركعة واحدة.
[ ٢٦٤ ]
وعلي بن أبي طالب - ﵁ -: اشترى وهو خليفة قميصًا بثلاثة دراهم، وقطّع كُمْيّه من موضع الرسغين، وقال: «الحمد لله الذي هذا من رِيَاشْه».
وسعد بن أبي وقاص: كان النبي دعا له بأن تُستجابَ دعوته وتُسدَّدَ رميته، وولي أمر الناس بالقادسية؛ فأصابه جِرَاح فلم يشهد يوم الفتح، وقال رجل من بجيلة:
[ ٢٦٥ ]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَظْهَرَ دِينَهُ … وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصِمُ
فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ
فقال سعد: «اللهم اكفنا يده ولسانه»، فرُمي فخرس لسانه، ويبست يده. وابن عباس: كان في خديه خَطان من أثر الدموع.
وهذا في صحابته؛ والتابعين بعدهم أشهر من أن نطيل بتعداده، وأكثر من أن نُحيط به.
وهذه دعوته دعوة الحق إلى كلمة التقوى وهي: لا إله إلا الله الذي لا إله إلا هو، الفرد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
[ ٢٦٦ ]
الإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبوعده ووعيده، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهذه شريعته أسهل الشرائع وأطيبها وأطهرها وأنزهها، أحل فيها الطيبات وحرم الخبائث، وأمر ببر الوالدين، وصلة الرحم، والرضا والعفو، والأمر بالمعروف، والصفح عن الجاهلين، ومجانبة الغيبة والكذب والنميمة والفواحش والشانيات، وشرب الخمر والقمار، وحض على كل شيءٍ حسن، وردع عن كل قبيح، وبيّن للناس ما يأخذون وما يدعون في فرائضهم وأحكامهم وزكاتهم وطلاقهم وعيدهم وحجهم ومعاملاتهم وسائر أمور دينهم، فأغناهم عن جميع الأمم وعن جميع أهل الكتب، وأحوج المخالفين لهم إلى ما عندهم؛ كالنصارى تستعمل في كثير من المواريث فرائضهم، وتستعمل في المعاملات من الشرى والبيع أحكامهم، وكذلك اليهود قد تفرع عن أصول
[ ٢٦٧ ]
أحكامها في التوراة أمور لا تعرفها؛ فتلجأ فيها إلى حكم المسلمين، وليس لأمة من الأمم إسناد كإسنادهم؛ رجل عن رجل، وثقة عن ثقة، حتى يبلغ بذلك رسول الله وأصحابه - ﷺ -، فيتبين بذلك الصحيح من السقيم، والمتصل من المنقطع، والمدلس والسليم.
وليتدبر متدبر ما نقول بالاعتبار والفكرة وليقبل إليه بالإنصاف والنصيحة وقطع الإلف والعادة، وليجمع بين دعوة رسول الله وشريعته، ونبذ ما بنى عليه الملحدون.
وكيف تطيب نفس امرئ من النصارى بعد …
[وفي بعض ما اقتصصنا كفاية لمن عَقَل، وبلاغ لمن اعتبر، وشفاء لمن شك، فما يمنع من كانت له أُذن تسمع، وقلبٌ يفقه وعينٌ تبصر، أن يفيء إلى الله تعالى وينيب إلى الحق قبل الفوات، بمفاجأة الموت فإنه ليس من الدين عوض، ولا من الله مهرب ولا بعد الموت مستعتب، ولا دار إلا الجنة أو النار].
[ ٢٦٨ ]