أكرم به خلقه القرآن فَهْوَ لَدى غَضَبِهُ غَضْبانُ
يَرضَى بما يرضَاهُ، ليسَ يَغضَبُ لنفسِهِ إلا إذا تُرْتَكَبُ
مَحَارِمُ الله إذًا فيَنْتَقِمْ فَأَحَدٌ لذاكَ أصلًا لم يَقمْ
بَعَثَهُ الرحمنُ بالإرفاقِ كيمَا يَتِمَّ صَالحَ الأخلاقِ
أشْجَعُهُمْ في مَوطِنٍ وأنْجَدا وأجودُ الناسِ بنانا ويدا
ما سيل «١» قَطُّ حَاجَةً فقالَ: لا وليسَ يأوي مَنْزِلا إنْ فَضَلا
ممَّا أتى دِرْهمٌ أو دينَارُ حتى تريحَ منهُمَا الأقْدارُ
أصدَقُ لَهْجَةً، وأوفى ذِمَّهْ ألينُهُمْ عَرِيكَةً «٢» في الأُمَّهْ
أكرمُهُمْ في عِشْرةٍ، لا يَحسبُ جليسُهُ أَن سواهُ أقْربُ
حَياؤهُ يَربُو على العَذْراءِ في خِدرِها، لِشِدَّةِ الحَيَاءِ
نَظَرُهُ للأرْضِ مِنهُ أكثَرُ إلى السمَاءِ، خَافِضٌ إذْ يَنْظُرُ «٣»
أكثرُهُمْ تواضعًا، يُجيبُ دَاعِيَهُ بعيد او قريب
_________________
(١) سيل: سئل، مسهّلة لضرورة الشعر.
(٢) أصدق لهجة: يعني كلامه أصدق كلام. ألينهم عريكة: أحسنهم معاشرة.
(٣) خافض إذ ينظر: أي كان لا يثبت بصره في وجه أحد لشدة حيائه ﷺ.
[ ٨٢ ]
مِنْ عبدٍ أو حُرٍّ فقيرٍ أو غنِي وأرحمُ الناسِ بكلِّ مؤْمنِ
وطَائفٍ يَعْرُوهُ «١»، حتَّى الهِرهْ يُصغي لها الإناءَ غَيرَ مَرَّهْ
كانَ أعَفَّ الناس، ليسَ يُمْسِكُ أيديَ مَنْ ليسَ لَهُنَّ يَمْلِكُ
يُبَايِعُ النساءَ لا يُصَافِحُ أيدِيَهُنَّ، بل كلام صالح «٢»
أشدُّهُمْ لصَحبِهِ إكرامًا ليسَ يَمُدُّ رِجلَهُ احْتِرامًا
بينَهُمُ، ولَمْ يَكنْ يُقَدِّمُ رُكبَتَهُ على الجَليسِ يكرم
فمن بديهة رآه هَابَهُ طَبعًا، ومَنْ خالطَهُ أحبَّهُ
يَمْشي معَ المِسكينِ والأرْملَةِ في حَاجَةٍ مِنْ غيرِ ما أَنَفَةِ «٣»
يَخْصِفُ نَعلَهُ، يَخِيطُ ثَوْبَهُ يَحلِبُ شَاتَهُ، ولنْ يَعِيبَهُ
يَخْدِمُ في مَهْنَةِ أهلِهِ كمَا يَقطَعُ بالسكينِ لَحْمًا قَدُما
يُردِفُ خَلفَهُ على الحِمَارِ على إكافٍ «٤» غير ذي اسْتِكبَارِ
يَمْشي بلا نَعلٍ ولا خُفٍّ إلى عِيَادةِ المريضِ حولَهُ المَلا
يُجالسُ الفَقيرَ والمِسْكينا ويُكرِمُ الكِرَامَ إذْ يَأْتونا
ليسَ مُوَاجِهًا بشَىءٍ يَكرَهُهْ جَليسُهُ، بَلْ بالرضَا يُواجِهُهْ
يَمْزَحُ لا يَقولُ إلا حقّا يجلس في الأكل مع الأرقّا
_________________
(١) يعروه: يقصده.
(٢) بل كلام صالح: يبايعهن بالكلام الذي يوفي بالغرض بلا مصافحة.
(٣) أنفة: بفتح الهمزة والنون، يقال: أنف من الشيء، إذا شرفت نفسه عنه، وتنزه عنه.
(٤) الإكاف: البرذعة، وهي: ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه، كالسرج للفرس.
[ ٨٣ ]
يَأتي إلى بَسَاتِنِ الإخْوَانِ يُكرِمُهُمْ بِذَلكَ الإتْيانِ
قِيلَ لهُ يَدعُو على الكُفَّارِ دَوْسٍ وغَيرِهِمْ مِنَ الفُجَّارِ
فقالَ: إنما بُعِثتُ رَحْمَهْ وليسَ لَعَّانًا نبيُّ الرَّحمَهْ
بلْ سَألَ: اللهُمَّ فَاهدِ دَوْسا وَأتِ بهِمْ فأصْبَحُوا رُؤوسا
لمْ يَكُ فَحَّاشًا ولا لَعَّانًا ولا بَخِيلًا لا ولا جَبَانَا
يَخْتَارُ أَيْسَرَ الأمورِ إذْ مَا خُيِّرَ، إلا أنْ يَكونَ إثمَا
لمْ يُرَ ضَاحِكًا بملء فيه ضحكه تبسّم يُبْديهِ
يَعْجَبُ ممَّا يعجَبُ الجَليسُ منهُ، فمَا بوجهِهِ عُبُوسُ
أصْحابُهُ إذْ يَتَناشَدُونا بينَهُمُ الأشْعارَ يَضْحَكونَا
ويَذْكرونَ جَاهِليَّةً، فمَا يَزيدُ أنْ يَشْرَكَهُمْ تَبَسُّمَا
قَدْ وُسِعَ النَّاسَ بَبَسْطِ الخُلْقِ فَهُمْ سَواءٌ عندَهُ في الحَقّ
ما انْتهَرَ الخَادِمَ قطُّ فيمَا يأتِيْهِ أو يتْرُكُهُ مَلُومَا
في صُنعِهِ للشَّىءِ: لِمْ صَنَعْتَهُ؟ وتَرْكِهِ للشَّىءِ: لِمْ تَرَكْتَهُ؟
يقولُ: لوْ قُدِّرَ شىءٌ كانَا سُبْحانَ مَنْ كَمَّلَهُ سُبْحانَا «١»
وفي الجُلوسِ يَحْتَبي تَواضُعَا ومرّة كالقرفصاء خاضعا «٢»
_________________
(١) في (ج) و(د): (إنسانا)، وفي هامش (أ) وهامش (ب): (نسخة: إنسانا) .
(٢) يحتبي، احتبى فلان: جلس على أليتيه وضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه استغناء عن الاستناد. القرفصاء: هو أن يجلس على ركبتيه متكئا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبط كفّيه.
[ ٨٤ ]
مَجلِسُهُ حِلْمٌ، وصَبْرٌ، وَحَيَا يَبْدأُ بالسَّلامِ مَنْ قَدْ لَقِيَا
ويُؤْثِرُ الداخلَ بالوسَادَهْ أو يَبْسُطُ الثوبَ لهُ زِيادَهْ «١»
ليسَ يقولُ في الرّضَا والغَضَبِ قَطعًا سِوى الحَقّ، فخُذْهُ واكْتُبِ
يَعِظُ بالجدّ إذا ما ذَكَّرا كأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ حَذَّرا
ويَسْتَنِيرُ وَجهُهُ إنْ سُرّا تَخَالُهُ مِنَ السُّرُورِ بَدْرا
يَمنَعُ أن يَمشيَ خَلفَهُ أَحَدْ بَل خَلفَهُ مَلائِكُ الله الأَحَدْ
وليسَ يَجْزي سيِّئًا بمِثْلِهِ لكنْ بِعَفْو وبصَفْحٍ فَضْلِهِ
كان يُحِبُّ الفَأَلَ ممّن ذكره وكان يكره اتّباع الطّيره «٢»
_________________
(١) زيادة: في إكرامه.
(٢) في هامش (أ): (بلغ ابن أبي حاتم قراءة عليّ والجماعة سماعا في الأول في الروضة الشريفة. كتبه مؤلفه) . وفي هامشها أيضا: (بلغ عبد الوهاب ولد ابن أبي زرعة قراءة عليّ، وحافظ الدين عبد الغني المقدسي الحنبلي من «ذكر وصوله إلى قباء ثم إلى المدينة» . كتبه مؤلفه) .
[ ٨٥ ]