فيما اختص به ﵌ من الكرامات والفضائل
اختُص ﵌ بمنصب الصلاة، وبأنه لا يُورَث، وكذلك الأنبياء، فلهم أن يوصوا بكل مالهم صدقة،
[ ١٨٣ ]
وبأن ماله باق بعد موته على ملكه يُنفق منه على أهله في أحد الوجهين وصححه إمام الحرمين.
وأنه لو قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه، حكاه في "زوائد الروضة" عن جماعة من الأصحاب.
[ ١٨٤ ]
قال قتادة: وكان من خصائصه: أنه إذا غزا بنفسه يجب على كل أحد الخروج معه، لقوله تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله)، ولم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء. انتهى.
وكان إذا حضر الصف يحرم على من معه أن يولوا عنه الدُبر لئلا ينهزموا ويتركوه، قاله قتادة والحسن، وذهبا إلى أن الفرار من الزحف بعده ليس من الكبائر، وكان الجهاد في عهده فرض عين في أحد الوجهين عندنا وهو من بعده من فروض الكفاية.
ورأيت في بعض "المجاميع" عن التكريتي: أن مهر المثل لا يتصور في ابنته
[ ١٨٥ ]
لأنه لا مثل لها وهو حسن بالغ، وتحرم رؤية أشخاص أزواجه في الأًزُر، كما صرح به القاضي عياض وغيره، وكشف وجههن وأكفهن لشهادة أو غيرها، وسؤالهن مشافهة، وصلاتهن على ظهور البيوت.
وقال معمر: إن أزواجه ﵌ إذا أرضعن الكبير دخل عليهن، فكان ذلك لهن خاصة، ولسائر الناس لا يكون إلا ما كان في الصغر.
وقال طاووس: كان لهن رضعات معلومات، ولسائر النساء رضعات معلومات، وورد أنها عشر رضعات لهن، ولغيرهن خمس، وأنهن أمهات المؤمنين،
[ ١٨٦ ]
ووجوب جلوسهن بعده في البيوت، وتحريم خروجهن ولو لحج أو عمرة في أحد القولين، وأباح لهن ولآله الجلوس في المسجد مع الحيض والجنابة،
[ ١٨٧ ]
وكذا العبور عند المالكية.
وأن تطوعه في الصلاة قاعدًا كتطوعه قائمًا، وأن عمله له نافلة.
ويخاطبه المصلي بقوله: السلام عليك أيها النبي، ولا يخاطب غيره، وكان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه، ولا تبطل صلاته،
[ ١٨٨ ]
وكذلك الأنبياء، ومن تكلم وهو يخطب بطلت جمعته، وكان يجب الاستماع والإنصات لقراءته إذا قرأ في الصلاة الجهرية، وعند نزول الوحي.
وقال مجاهد في قوله تعالى: (إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا): مجلس النبي ﵌ خاصة.
وقال جابر بن عبد الله: ليس على من ضحك في الصلاة إعادة وضوء، إنما كان
[ ١٨٩ ]
ذلك لهم حين ضحكوا خلق رسول الله ﵌.
والنكاح في حقه عبادة مطلقًا كما قال السبكي، وهو في حق غيره ليس عبادة عندنا، بل من المباحات، والعبادة عارضة له.
[ ١٩٠ ]
والكذب عليه كبيرة ليس كالكذب على غيره، وقال الجويني: رِدَّة، ومن كذب عليه لم تقبل روايته أبدًا وإن تاب فيما ذكره خلائق من أهل الحديث.
ويحرم التقدم بين يديه ورفع الصوت فوق صوته،
[ ١٩١ ]
والجهر له بالقول ونداؤه من وراء الحجرات، والصياح به من بعيد، وأن يُقال فيه: أبونا في أحد الوجهين، وأن يقولوا له راعِنا.
وطهارة دمه وبوله وغائطه، وسائر فضلاته
[ ١٩٢ ]
تشرب ويُستشفى بها، ولا خلاف في طهارة شعره، وفي غيره خلاف، وقد قسم شعره على أصحابه.
والعِصمة من كل ذنب ولو صغير أو سهوًا، وكذلك الأنبياء،
[ ١٩٣ ]
وينزه عن فعل المكروه، ومحبته فرض، وتجب محبة أهل بيته وأصحابه، ومن استهان به كفر، قيل: أو زنى بحضرته، ومن تَمنّى موته كفر، وكذلك الأنبياء، ذكره المحاملي في "الأوسط"، ورتب عليه تحريم إرثهم،
[ ١٩٤ ]
لئلا يتمناه ورثتهم فيكفروا.
قال غيره: ولذا لم يشب شعره، لأن النساء يكرهن الشيب، ولو وقع ذلك في أنفسهن كفرن، فعُصم من ذلك رفقًا بهن.
ومن سبه قتل، وكذلك الأنبياء، والسَبُّ بالتعريض في حقه كالتصريح بخلاف غيره، نقله الرافعي عن الإمام، وقال النووي: لا خلاف فيه ولم تبغ امرأة نبي قط، وقال الحسن: امرأة النبي إذا زنت لم يغفر لها، ومن قذف أزواجه فلا توبة له البتة، كما قال ابن عباس وغيره،
[ ١٩٥ ]
ويقتل كما نقله القاضي عياض.
وفي قوله يختص القتل بمن سبَّ عائشة، ويُحذُّ في غيرها حدّين، وكذا من قذف أمَّ أحد من أصحابه.
وذهب بعض المالكية: إلى أن من سبَّ أصحابه قتل، وقال ابن قدامة في "المُقنع": من قذف أمَّ النبي ﵌ قتل، مسلمًا كان أو كافرًا،
[ ١٩٦ ]
وأولاد بناته ينسبون إليه، قيل وأولاد بنات بناته.
وفي حديث: "إن الله لم يبعث نبيًا قط إلا جعل ذريته من صلبه، غيري، فإن الله جعل ذريتي من صلب علي". ولا يتزوج على بناته.
وذكر المحب الطبري ماهو أبلغ من ذلك، فإنه أورد حديث المِسْور بن مخرمة لما خطب إليه حسن بن حسن، فاعتذر إليه بقوله ﵌: "فاطمة بضعة مني
[ ١٩٧ ]
يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها".
قال: وعندك ابنتها، ولو زوجتك لقبضها ذلك.
ثم قال: فيه دليل على أن الميت يراعى منه ما يراعى من الحي.
قال: وقد ذكر الشيخ أبو علي السنجي في: شرح التلخيص": قد يحرم التزويج على بنات النبي ﵌، ولعله يريد من ينسب إليه بالبُنُوّة ويكون هذا دليله. انتهى.
فإن أخذ هذا على عمومه، فمقتضاه أنه يحرم التزويج على ذرية بناته وإن سَفُلن إلى يوم القيامة وفيه وقفة. ومن صاهر من الجانبين لم يدخل النار.
[ ١٩٨ ]
ولا يجتهد في محراب صلى إليه في يمنة ولا في يسرة، وتختص صلاة الخوف بعهده، في قول أبي يوسف والمزني، لأن إمامته لا عوض عنها بخلاف غيره، ويجل منصبه عن الدعاء له بالرحمة
[ ١٩٩ ]
فيما ذكره جماعة.
ويحرم النقش على نقش خاتمه، وليس لأحد أن ينقش على خاتمه محمد رسول الله، ولا ينطق عن الهوى، ولا يقول في الغضب والرضا إلا حقًا، ورؤياه
[ ٢٠٠ ]
وحي، وكذا الأنبياء، ولا يجوز على الأنبياء الجنون ولا الإغماء الطويل الزمن، فيما ذكره الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، وجزم به البلقيني في "حواش الروضة" ونبه السبكي على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، كما خالف نومهم نوم غيرهم.
ويخص من شاء بما شاء من الأحكام، كجعله شهادة خُزيمة بشهادة رجلين، ولا يجوز علهيم العمى فيما ذكره السبكي.
قال القاضي عياض في حديث قول بني اسرائيل عن موسى: آدر، وتبرئة الله له: الأنبياء منزهون عن النقائص في الخَلق والخُلق، سالمون من العاهات
[ ٢٠١ ]
والمعائب، ولا التفات إلى ما يقع في بعض التواريخ من إضافة بعض العاهات إلى بعضهم، بل نزههم الله من كل عيب، وكل ما ينقص من العيوب أو ينفر القلوب.
[ ٢٠٢ ]
وترخيصه في إرضاع سالم وهو كبير، وفي النياحة لتلك المرأة
[ ٢٠٣ ]
وهي خولة بنت حكيم، وفي تعجيل صدقة عامين للعباس، وفي ترك الإحداد لأسماء بنت عميس، وفي الجمع بين اسمه وكنيته للولد الذي يولد لعلي، وفي المُكث في المسجد جنبًا لعلي، وفي فتح باب من داره في المسجد له، وفي فتح خوخة فيه لأبي بكر،
[ ٢٠٤ ]
وفي أكل المُجامِع في رمضان من كفارة نفسه، وفي الأضحية بالعَناق لأبي بردة بن نيار، وبالعَتود لعقبة بن عامر ولزيد بن خالد، وفي نكاح ذلك الرجل بما معه من القرآن، فيما ذكره جماعة، وورد به حديث مرسل،
[ ٢٠٥ ]
قال مكحول: ليس ذلك لأحد بعد النبي ﵌.
وفي لبس الحرير للزبير وعبد الرحمن بن عوف، فيما قاله جماعة، وهو وجه عندنا، ولبس خاتم الذهب للبراء بن عازب، وفي اشتراط عائشة الولاء لموالي بَريرة، ولا يوفى به فيما ذكره بعضهم، وفي العرية لثعلبة بن يزيد الحارثي وذويه، فيما ذهب إليه الواقدي، وفي خيار الغبن لحبان بن منقذ، فيما ذكره النووي في "شرح مسلم".
[ ٢٠٦ ]
وفي التحلل بالمرض لضباعة بنت الزبير في أحد القولين، وفي ترك مبيت مِنى لأجل السقاية لبني العباس في وجه، ولبني هاشم في آخر، ولعائشة في صلاة ركعتين بعد العصر،
[ ٢٠٧ ]
ولمعاذ بن جبل في قبول الهدية حين بعثه إلى اليمن.
وفي "المستدرك" وغيره، عن أنس أن أم سليم تزوجت أبا طلحة على إسلامه، قال ثابت: ما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أم سليم وهو الإسلام. وأعاد امرأة أبي ركانة إليه بعد أن طلقها ثلاثًا من غير محلل،
[ ٢٠٨ ]
وأسلم رجل على أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه ذلك، وضرب لعثمان يوم بدر بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره، رواه أبو داود عن ابن عمر.
وقال الخطابي: هذا خاص بعثمان، لأنه كان يمرض ابنة رسول الله ﵌.
وكان يؤاخي بين أصحابه ويثبت بينهم التوارث، وليس ذلك لغيره، قاله ابن زيد.
وخص نساء المهاجرين بأن يَرثن دون أزواجهن لكونهن غرائب
[ ٢٠٩ ]
لا مأوى لهن، وكان أنس يصوم من طلوع الشمس لا من طلوع الفجر فالظاهر أنها له خصوصية، وأصام أطفال أهل بيته وهم رُضَّع.
وكان يحرم على الصحابة إذا كانوا معه على أمر جامع، لم يذهبوا حتى يستأذنوه،
[ ٢١٠ ]
وكانوا يقولون له بأبي أنت وأمي، ولا يقال لغيره، فيما ذكره بعضهم، وكان يرى من خلفه كما ينظر أمامه.
زاد رزين: وعن يمينه وعن شماله، ويرى بالليل وفي الظلمة كما يرى بالنهار والضوء.
وريقه يُعذب الماء المالح ويجزي الرضيع، وإبطه أبيض، غير متغير اللون ولا شعر عليه،
[ ٢١١ ]
ويبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغه غيره، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وما تثاءب قط، ولا احتلم قط، وكذلك الأنبياء في الثلاثة.
وعرقه أطيب من المسك،
[ ٢١٢ ]
وكان إذا مشي مع الطويل طاله، وإذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين، ولم يقع ظله على الأرض، ولا رؤي له ظل في شمس ولا قمر.
قال ابن سبع: لأنه كان نورًا، وقال رزين: لغلبة أنواره.
ولم يقع على ثوبه ذباب قط، ولا آذاه القمل،
[ ٢١٣ ]
وكان إذا ركب دابته لا تروث ولا تبول وهو راكبها، نقل ذلك عن ابن اسحاق، وبني عليه بعض المتأخرين طوافه على بعيره ﵌، فجعله من خصائصه، ولم يجز لغيره ذلك.
وكان وجهه كأن الشمس تجري فيه، ولم يكن لقدمه أخمص، وكانت خُنصُر رجله متظاهرة،
[ ٢١٤ ]
وكانت الأرض تطوى له إذا مشى، وأوتي قوة أربعين في الجماع والبطش.
وفي رواية مقاتل: أعطي قوة بضع وسبعين شابًا.
وعن مجاهد: أعطي قوة بضع وأربعين رجلًا كل رجل من أهل الجنة، وقوة الرجل من أهل الجنة كمائة من أهل الدنيا،
[ ٢١٥ ]
فيكون أوتي قوة أربعة آلاف. وبهذا يندفع ما يستشكله بعضهم.
فقال: كيف يؤتى قوة أربعين فقط وقد أوتي سليمان قوة مائة رجل أو ألف رجل على ماورد؟ واحتاج إلى تكلف الجواب عن ذلك.
وورد من طرق: أتاني جبريل بقدر فأكلت منها فأعطيت قوة أربعين رجلًا في الجماع، وفي لفظ: ما أريد أن آتي النساء ساعة إلا فعلت.
[ ٢١٦ ]
وقال القاضي أبوبكر بن العربي في "سراج المريدين": قد آتى الله رسوله خصيصة عظمى: وهي قلة الأكل والقدرة على الجماع، وكان أقنع الناس في الغذاء، تقنعه اللقمة، وتشبعه اللقمة والجرعة، وكان أقوى الناس على الوطء، ولم يُرَ له أثر قضاء حاجة، بل كانت الأرض تبتلعه، ويشم من مكانه رائحة المسلك، وكذلك الأنبياء.
[ ٢١٧ ]
ولم يقع في نسبه من لدن آدم سفاح قط، وتقلب في الساجدين حتى خرج نبيًا، وما افترقت فرقة إلا كان في خيرها، ولم يلد أبواه غيره.
ونكست الأصنام لمولده، وولد مختونًا، ومقطوع السرة، ونظيفًا ما به قذر،
[ ٢١٨ ]
ووقع إلى الأرض ساجدًا، رافعًا إصبعه كالمتضرع المبتهل.
ورأت أمه عند ولادته نورًا خرج منها أضاء له قصور الشام وكذلك أمهات النيبين يَرَين.
[ ٢١٩ ]
قال بعضهم: ولم تُرضعه مُرضعة إلاأسلمت، قال: ومرضعاته أربع، أمه، وقد ورد إحياؤها وإيمانها في حديث، وحليمة السعدية،
[ ٢٢٠ ]
وثويبة، وأم أيمن. انتهى.
وكان مهده يتحرك بتحريك الملائكة، ذكر هذه ابن سبع.
وكان القمر يُناغيه وهو في مهده، ويميل حيث أشار إليه،
[ ٢٢١ ]
وتكلم في المهد، وتظله الغمامة في الحر، ويميل إليه فيء الشجرة إذا سبق إليه،
[ ٢٢٢ ]
وكان يبيت جائعًا ويصبح طاعمًا يطعمه ربه ويسقيه من الجنة، وكان يُوعَك كما يُوعَك رجلان لمضاعفة الأجر، وعصم من الأعلال الموجبة، ذكر هذه القضاعي في "تاريخه".
ورُدَّت إليه الروح بعد ما قبض، ثم خير بين البقاء في الدنيا والرجوع إلى الله تعالى، فاختار الرجوع إليه، وكذلك الأنبياء،
[ ٢٢٣ ]
وأرسل إليه ربه جبريل ثلاثة أيام في مرضه يسأله عن حاله.
ولما نزل إليه ملك الموت نزل معه ملك يقال له: إسماعيل، يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط، لم يهبط إلى الأرض قبل ذلك اليوم قط،
[ ٢٢٤ ]
وسمع صوت ملك الموت باكيًا عليه ينادي: وامحمداه، صلى عليه ربه والملائكة، وصلى عليه الناس أفواجًا بغير إمام، قالوا: هو إمامكم حيًا وميتًا، وبغير دعاء الجنازة المعروفة،
[ ٢٢٥ ]
وكررت الصلاة عليه حتى فرغت الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان، ولا تكرر على غيره عند مالك وأبي حنيفة،
[ ٢٢٦ ]
وعند طائفة من خصائصه أنه لم يصل عليه أصلا، وإنما كان الناس يدخلون أرسالًا فيدعون وينصرفون، وعلل بأنه لفضله غير محتاج لذلك، ترك بلا دفن ثلاثة أيام ودفن بالليل، وذلك في حق غيره مكروه عند الحسن، وخلاف الأولى عند سائر العلماء، ودفن في بيته
[ ٢٢٧ ]
حيث قبض وكذلك الأنبياء، والأفضل في حق من عداهم الدفن في المقبرة، وفرش له في لحده قطيفة، والأمران في حقنا مكروهان.
قال وكيع: هذا للنبي ﵌ خاصة، ويكره ذلك لغيره بالاتفاق عند الحنفية والمالكية، ومن خصائصه أنه غسل في قميصه، وقالوا: يكره ذلك في حق غيره، وأظلمت الأرض يوم موته، ولا يضغط في قبره وكذلك الأنبياء، ولم يسلم من الضغط لا صالح ولا غيره سواهم.
[ ٢٢٨ ]
وفي "التذكرة" للقرطبي: إلا فاطمة بنت أسد ببركته ﵌، وتحرم الصلاة على قبره، واتخاذه مسجدًا، قال الأذرعي: ويحرم البول عند قبور الأنبياء، ويكره عند غيرهم.
ولايبلى جسده وكذلك الأنبياء، ولا تأكل لحومهم الأرض ولا السباع ولا خلاف في طهارة ميتهم، وفي غيرهم خلاف.
ولا يجري في أطفالهم التوقف الذي لبعضهم في غيرهم.
ولا يجوز للمضطر
[ ٢٢٩ ]
أكل ميتة نبي، وهو حي في قبره، يصلى فيه بأذان وإقامة وكذلك الأنبياء، ولهذا قيل: لا عدة على أزواجه، وأوكل بقبره ملك يبلغه صلاة المصلين عليه، وتعرض عليه أعمال أمته فيستغفر لهم،
[ ٢٣٠ ]
والمصيبة بموته عامة لأمته إلى يوم القيامة، وجواز التضحية عنه بعد وفاته فيما ذكره البلقيني.
ومن رآه في المنام فقد رآه حقًا، وأن الشيطان لا يتمثل في صورته، ومن أمره في المنام وجب عليه امتثاله في أحد الوجهين، واستحب في الآخر،
[ ٢٣١ ]
وورد أن أول ما يرفع رؤيته ﵌ في المنام، والقرآن، والحجر الأسود، وقراءة أحاديثه عبادة يثاب عليها كقراءة القرآن في أحد الروايتين، ولا تأكل النار شيئًا مَسَّ وجهه وكذلك الأنبياء،
[ ٢٣٢ ]
والتسمي باسمه ميمون ونافع في الدنيا والآخرة.
ويكره أن يحمل في الخلاء ما كتب عليه اسمه، ويستحب الغسل لقرآة حديثه، والتَطَيَّب، ولا ترفع عنده الأصوات ويقرأ على مكان عال،
[ ٢٣٣ ]
ويكره لقارئه أن يقوم لأحد، وحملته لا تزال وجوههم نضرة لقوله ﵌: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها".
واختصوا بالتلقيب بالحفاظ، وأمراء المؤمنين، من بين سائر العلماء،
[ ٢٣٤ ]
وتجعل كتبه على كرسي كالمصحف، وتثبت الصحبة لمن اجتمع به ﵌ لحظة، بخلاف التابعي مع الصحابة، فلا تثبت إلا بطول الإجتماع معه على الأصح عند أهل الأصول، والفرق عظم منصب النبوة ونورها، فبمجرد ما يقع بصره على الأعرابي الجِلْف يَنطِق بالحكمة.
وأصحابه كلهم عدول،
[ ٢٣٥ ]
فلا يبحث عن عدالة أحد منهم كما يبحث عن سائر الرواة، ولا يفسقون بارتكاب ما يفسق به غيرهم، كما ذكره في "شرح جمع الجوامع".
وقال محمد بن كعب القرظي: أوجب الله لجميع الصحابة الجنة والرضوان في كتابه مُحسنهم ومُسيئهم، وشرط على من بعدهم أن يتبعوهم بإحسان.
ولا يكره للنساء زيارة قبره، كما يكره لهن سائر القبور، بل يستحب كما قال
[ ٢٣٦ ]
العراقي في "نكته" أنه لا شك فيه، والمصلي في مسجده لا يبصق عن يساره كما هو السنة في سائر المساجد، ولو بُني مسجده إلى صنعاء كان مسجده، ولا يفتح فيه باب ولا خوخة ولا كوة بحال.
ووكل بشفتي كل انسان ملكان
[ ٢٣٧ ]
ليس يحفظان إلا الصلاة عليه خاصة.
ومن خصائصه: وجوب الصلاة عليه في التشهد الأخير عندنا، عدها في "الخادم" أخذًا من "الحلبيات" للسبكي، وكلما ذكر عند الحليمي والطحاوي، لأنه ليس بأقل من تشميت العاطس، واختاره من المتأخرين القاضي تاج الدين السبكي.
ومن صلى عليه عند الأمر الذي يُستقذر أو يُضحك منه، أو جعل الصلاة عليه كفاية عن شتم الغير: كفر، ذكره الحليمي ونقله في "الخادم".
ومن حكم عليه وكان في قلبه حرج
[ ٢٣٨ ]
من حكمه عليه كفر، بخلاف غيره من الحكام، ذكره الاصطرخي في "آداب القضاء".
ومن خصائصه: أن الإمام بعده لا يكون إلا واحدًا، ولم تكن الأنبياء قبله كذلك، قاله ابن سراقة في "الأعداد".
وجواز الوصية لآله مطلقًا، وفي غيره وجه أنها لا تصح لإبهام اللفظ، وتردده بين القرابة والدّين، ذكروه في "باب الوصية".
وأن أهله لا يكافئهم في النكاح أحدٌ من الخَلْق، ذكروه
[ ٢٣٩ ]
في "باب النكاح"، ويطلق عليهم أشراف، والواحد شريف، وهم ولد علي وعقيل وجعفر، والعباس.
كذا مصطلح السلف، وإنماحدث تخصيص الشريف بولد الحسن والحسين في مصر خاصة في عهد الخلفاءالفاطميين.
وذكر صاحب "الفتاوي الظهيرية" من الحنفية: أن من خصائصه ﵌ أن ابنته فاطمة ﵂ لم تحض، ولما ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة حتى لا تفوتها صلاة، قال:
[ ٢٤٠ ]
ولذلك سُميت الزهراء، وقد ذكره من أصحابنا المحب الطبري في "ذخائر العقبى". وأورد فيه حديث أنها حوراء آدمية طاهرة مطهرة لا تحيض ولا يرى لها دم في طمث ولا في ولادة.
وفي "الدلائل" للبيهقي: أنه ﵌ وضع يده على صدرها فرفع عنها الجوع فما جاعت بعد.
وفي "مسند أحمد" وغيره: أنها لما احتضرت غسلت نفسها وأوصت أن لا يكشفها أحد، فدفنها علي بغسلها ذلك.
وذكر الإمام علم الدين العراقي: أن فاطمة وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة باتفاق.
[ ٢٤١ ]
ونقل عن مالك أنه قال: لا أفَضل على بضعة من النبي ﵌ أحدًا، وفي "معاني الآثار" للطحاوي قال أبو حنيفة: كان الناس لعائشة محرمًا، فمع أيهم سافرت فقد سافرت مع مَحرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك.
ومما أورده رزين في خصائصه: أن شيئًا من شَعْره وقع في النار فلم يحترق (*)
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الزيادة بعد هذا ليست في المطبوع
[ ٢٤٢ ]
وأنه مسح بيده رأس أقرع فنبت شعره في وقته، ووضع كفه على المريض فعقل من ساعته، وغرس نخلًا فأثمرت من عامها، وهز بيده عمر فأسلم من ساعته، وأنه كانت أصبعه المسبحة أطول أصابعه، وما أشار بها إلى شيء إلا أطاعه، ولا وطيء على صخر إلا وأثر فيه، أو في نَخلٍ إلا وبورك فيها، وأنه كان إذا تبسم في الليلة أضاء البيت، وأنه كان يسمع حفيف أجنحة جبريل وهو بَعدُ في سدرة المنتهى، ويشم رائحته إذا توجه بالوحي إليه، وأنه ما التصق ببدنه مسلم فتمسه النار، وكان فئة المسلمين يتحيزون إليه، وكان قليل الكلام، فإذا أمر بالقتال شمر، وحُرِّم على الناس دخول بيته بغير إذنه، وطول القعود فيه. انتهى.
وفي "نكت الحاوي" للناشري: روي عنه ﵌ أنه لم يصلّ على ابنه ابراهيم، قال بعض العلماء لأنه استغنى بنبوة أبيه عن قُربة الصلاة، كما استغنى الشهيد بقُربة الشهادة.
وفي "المستدرك" عن أنس: أنه ﵌ صلى على حمزة ولم يصل على أحد من الشهداء غيره، وفي حديث أنه كبر عليه سبعين تكبيرة، وفي آخر أنه صلى عليه سبعين صلاة.
وفي "الصحيحين" وغيرهما، من حديث عقبة بن عامر أنه خرج يومًا فصلى على أهل أحُد صلاته على الميت، وذلك قرب موته، بعد ثمان سنين من وفاتهم.
وفي "الصحيح" أنه خرج إلى أهل البقيع فصلى عليهم.
قال القاضي عياض عن بعضهم: محتمل أن تكون الصلاة المعلومة على الموتى، ويكون هذا خصوصًا بآله، ويكون أراد أن يعمهم بصلاته إذ فيهم من دفن وهو غائب، أو لم يعلم به فلم يصلّ عليه، فأراد أن تعمهم بركته.
ومن الخصائص: أنه يجوز أن يقال للنبي ﵌: احكم بما تشاء فما حكمت به فهو صواب موافق لحكمي على ما صححه الأكثرون في الأصول، وليس ذلك للعالم على ما اختاره السمعاني لقصور رتبه.
وذهبت طائفة إلى أن من خصائصه: امتناع الاجتهاد له لقدرته على اليقين بالوحي، ولغيره في عصره لقدرته على اليقين بتلقينه منه، وأجمعوا على أنه لا ينعقد الإجماع في عصره.
وفي "شرح المنار" لسكاكي: الإلهام حُجة على المُلهم وغيره، إن كان المُلهم نبيًا وعلم أنه من الله، لا إن كان وليًا.
وفي "تفسير ابن المنذر" عن عمرو بن دينار، أن رجلًا قال لعمر: احكم بما أراك الله، فقال: مه إنما هذه للنبي ﵌ خاصة.
وفي "سنن سعيد بن منصور" عن سعيد بن جبير قال: ما سمعنا قط أن نبيًا قتل في القتال.
وفي "المبسوط" من كتب الحنفية عن بعضهم: أن الوقف إنما يلزم من الأنبياء خاصة دون غيرهم، وحمل عليه حديث "لا نورث ما تركناه صدقة" وجعله هذا القائل مستثنى من قول أبي حنيفة: إن الوقف لا يلزم.
وفي "تفسير ابن المنذر" عن ابن جريج: كانوا إذا دخلوا على النبي ﵌ بدأهم بالسلام، فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضًا، لقوله تعالى (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) وفي هذا خصيصتان: ابتداؤه بالسلام على الداخل والمار، والسُّنة في حقنا أن الداخل والمار هو الذي يبدأ، ووجوب الابتداء عليه للأمر به في الآية، وليس أحد من الأمة يجب عليه الابتداء.
ومن خصائصه: أنه يجوز له رؤية الله تعالى في المنام، ولا يجوز ذلك لغيره في أحد القولين، وهو اختياري وعليه أبو منصور الماتريدي.
وفي "الرسالة" للإمام الشافعي: لا يحيط باللغة إلا نبي.
وفي "المستدرك" حديث: ليس لنبي أن يدخل بيتًا مزَوَّقًا، وقال ابن عباس: ما تنور (١) نبي قط.
وقال قتادة: إنما عبارة الرؤيا بالظن فيحق الله منهاما يشاء ويبطل ما يشاء، قال ابن جرير: هو كذلك في غير الأنبياء، وأما الأنبياء فيما عبروه كائن لا محالة، وكذب ثعلبة بن حاطب فامتنع من أخذ الزكاة منه عقوبة له فلم يقبلها منه أبوبكر، ولا عمر، ولا عثمان حتى مات في خلافته.
وكذبت تميمة بنت وهب فامتنع من ردها إلى مُطلِّقها رفاعة فلم يرجعها إليه أبوبكر ولا عمر، وقال لها عمر: لئن أتينتني بعد هذه لأرجمنك.
_________________
(١) يعني: أنه ما احتاج إلى إزالة شعر العانة بالنورة.
[ ٢٣٠ ]
وغل رجلٌ زمامًا من شعر ثم أتى به فقال له: كفَّ، أنت تجيئ به يوم القيامة فلن أقيله عنك.
وقال ابن عباس: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﵌.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: (له معقِّباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله): هذه للنبي ﵌ خاصة.
وفي "مسند الشافعي" حديث "نصرت بالصبا وكانت عذابًا على من قبلي".
وفي أثر: أن آله ﵌ في أعلا ذروة في الجنة.
وفي الحديث: "مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق"، وأن من تمسك بهم وبالقرآن لم يضل، وأنهم أمان للأمة من الاختلاف، وأنهم سادة أهل الجنة، وأن الله وعد أن لا يعذبهم، وأن من أبغضهم أدخله الله النار، ولا يدخل قلب أحدٍ الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم منه ﵌، وأن من قاتلهم كان كمن قاتل مع الدجال، وأن من صنع إلى أحدهم يدًا كافأه ﵌، يوم القيامة، وأنهم ما من أحد إلا وله شفاعة يوم القيامة، وأن الرجل يقوم لأخيه من مجلسه إلا بني هاشم لا يقومون لأحد.
وشرع في عهده أحكام ثم نُسخت، فعل بها أصحابه ولم يعمل بها أحدٌ بعدهم.
منها: فسخ الحج إلى العمرة عند الجمهور، ومتعة النساء عند أكثر الأمة، ومتعة الحج فيما ذهب إليه عمر وعثمان وأبو ذر.
وروى مسلم عن أبي ذر قال: "لاتصح المتعتان إلا لنا خاصة".
والخلع فيما ذهب إليه أبوبكر بن عبد الله المزني، وقراءة القرآن بالمعنى، ووجوب الضيافة، وإنفاق الفضل، واسترقاق المديون، وأن لا غُسل إلا من الإنزال، والتخيير بين صوم رمضان والفدية، وتحريم زيارة القبور، وادخار الأضحية فوق ثلاث، والانتباذ في الأوعية، ونكاح الزاني العفيفة والزانية العفيف، والقتال في الشهر الحرام، ووجوب الوصية للوالدين والأقربين، واعتداد المتوفّي عنها حولًا، ومصابرة العشرين مئتين، والقسمة من التركة لمن حضر، واستئذان الصبيان والأرقاء في الأوقات الثلاث، وقيام الليل إلا قليلًا، والإرث بالحِلْف وبالهجرة، والمحاسبة بحديث النفس، والحبس في الزنا، والتعزير بإتلاف المال، وشهادة الكافر، وصلاة المؤمنين جلوسًا خلف الإمام الجالس، وإن لم يكن لهم عُذر، والخطبة للجمعة بعد الصلاة، والوضوء مما مست النار، وكراهة الحَبْوة وقت الخطبة، وتحريم تحلي النساء بالذهب، وتحريم المسألة لمن عنده غداء يومه وعشاؤه، وقتل شارب الخمر في الرابعة، والمنع من دفن الموتى في أوقات الكراهة.
وذهب المالكية إلى أن حديث "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حَد" كان مختصًا بزمنه ﵌ لأنه كان يكفي الجاني منه هذا القدر.
ومن خصائصه فيما حكى القاضي عياض: أنه لا يجوز لأحد أن يؤمه، لأنه لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة ولا غيرها، لا لعذر ولا لغيره، وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك، ولا يكون أحد شافعًا له، وقد قال ﵌ "أئمتكم شفعاؤكم"، ولذلك قال أبوبكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﵌.
وخص أهل بدر من أصحابه بأن زادوا في الجنازة على أربع تكبيرات، تمييزًا لهم لفضلهم.
ومن خصائصه: أن من أصحابه من اهتز العرش لموته فرحًا بلقاء روحه، وحضر جنازته سبعون ألف من الملائكة لم يطأوا الأرض قبل موته، ومن غسلته الملائكة، ومن يُشبَّه بجبريل وابراهيم، وبنوح وبموسى، وبعيسى وبيوسف، وبلقمان الحكيم، وبصاحب يس.
وفي "طبقات ابن سعد" عن عمر بن سليمان قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية. وفيها عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستحب أن يُسمى ولده بأسماء الأنبياء.
وفي "جامع الثوري" و"مصنف عبد الرزاق" عن سعيد بن المسيب أنه رأى قومًا يسلمون على النبي ﵌، فقال: "ما مكث نبي في قبره أكثر من أربعين يومًا حتى يرفع".
[ ٢٣١ ]
وأورد إمام الحرمين في "النهاية"، والرافعي في "الشرح الصغير" حديث: أنه ﵌ قال: "أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث".
وفي "كفاية المعتقد" لليافعي: قال بعضهم: اليقين: اسم ورسم، وعلم، وعين، وحق. فالاسم والرسم للعوام، والعلم علم اليقين للأولياء، وعين اليقين لخواص الأولياء، وحق اليقين للأنبياء، وحقيقة حق اليقين اختص بها نبينا ﵌.
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله: الأنبياء يطالعون بحقائق الأمور، والأولياء يطالعون بتمثالها.
وقال اليافعي أيضًا: فرق الشيخ عبد القادر الكيلاني بين ما تسمعه الأنبياء وبين ما تسمعه الأولياء، بأن وحي الأنبياء يسمى كلامًا، وإلهام الأولياء يسمى حديثًا، فالكلام يلزم تصديقه، ومن رده كفر، والحديث من رده لم يكفر.
وقال أبو عمر الدمشقي الصوفي: فرض الله على الأنبياء إظهار المعجزات ليؤمنوا بها، وفرض على الأولياء كتمان الكرامات لئلا يفتتنوا بها.
وقال أبو العباس المروزي السياري: الخَطرة للأنبياء، والوسوسة للأولياء، والفكر للعوام.
وقال النسفي في "بحر الكلام": أرواح الأنبياء تخرج من جسدها وتصير مثل صورتها، مثل المسك والكافور، وأرواح الشهداء تخرج من جسدها وتكون في أجواف طيور خضر.
ومن خصائص الأنبياء: أنهم يُنصب لهم في الموقف منابر من ذهب يجلسون عليها، وليس ذلك لأحد سواهم.
وقال سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي، أخرجه النسائي من حديث قتيبة.
وفي "كرامات الأولياء" لخال ابن السُنّي عن بشر ابن الحارث: أنه ذكر عنده هذه الأحاديث في إجابة الدعاء وغيره، فقال: لست أنكر من هذا إلا شيئين: الذهب والمشي على الماء، فإنه لم يعطه إلا الأنبياء.
وقال النووي في حديث: "مامن مولود يولد إلا نخسه الشيطان إلا مريم وابنها"، ظاهر الحديث اختصاص هذه الفضيلة بعيسى وأمه، وأشار القاضي عياض إلى أن جميع الأنبياء يشاركون فيها.
وفي "حاشية الكشاف" للطيبي في قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) روى السلمي عن النصر آبادي: هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول ﵌، ومن يثقله حمل أمانة النبوة كيف يخاطب بتخفيف اللقاء للأضداد؟ وكيف يخاطب وهو الذي يقول: بك أصول، وبك أجول، ومن كان به كيف يخفف عنه أو يثقل عليه؟.
وفي "تاريخ ابن عساكر" عن أبي حاتم الرازي قال: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمة يحفظون آثار نبيهم غير هذه الأمة.
فقال له رجل: يا أبا حاتم ربما رووا حديثًا لا أصل له.
فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم الحديث الواهي ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها.
وقال السبكي: إن من صلى مع النبي ﵌، وقام معه إلى خامسة عامدًا أو سلم من اثنين عامدًا لم تبطل صلاته، لأنه يجوز أن يوحى إليه بالزيادة والنقصان، أما بعده ﵌ فمتى تابع المأموم الإمام في ذلك عامدًا بطلت صلاته.
وذكر ابن العربي في "شرح السنن" من خصائصه: الانفراد في السفر وحده لأمنه من الشيطان، بخلاف غيره. وقال ابن دحية في "التنوير" خص الله نبيه ﵌ بألف خصلة:
منها: صلاة الله تعالى والملائكة عليه، ومنها الرؤية والقرب والدنو، والشفاعة، والوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، والبراق والمعراج، والصلاة بالأنبياء، والإسراء، وإعطاء الرضا والسؤال، والكوثر، وسماع القول وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وما تأخر، وشرح الصدر ووضع الوزر، ورفع الذكر وعزة النصر، ونزول السكينة وإيتاء الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم، وأن بعثه رحمة للعالمين، والحكم بين الناس بما أراه الله، وليس ذلك لغيره من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، حسبما نطق به القرآن العظيم، والقسم بإسمه، وإجابته دعوته، والشهادة بين الأنبياء والأمم يوم القيامة، والمحبة والخلة، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، انتهى.
[ ٢٣٢ ]
ووقفت على كتاب "حسن الاقتصاص لما يتعلق بالاختصاص" للشيخ بدر الدين ابنالدماميني، فوجدته قال فيه: من خصائصه ﵌: وجوب وقايته بالنفس.
قال ابن المُنيِّر: أوجب الله في حقه ﵊ أن يُؤثَر على النفس، وأن يكون أحب إلى كل مؤمن من نفسه.
ولهذا قال سعد يوم أحُد: نحري دون نحرك، فهذا من خصائصه، لا خلاف أن هذا لا يجب لغيره، وهل يجوز أن يفعل لغيره؟ الظاهر أنه لا يجوز بالقياس على عدم جواز الإيثار بالماء في الطهارة، والشرب إذا أفضى إلى هلاك صاحب الماء.
قال: وانظر هل في منعه من نكاح الأمة وتعليلهم، لأن من تزوج أَمةً كان ولده منهارقيقًا، ومنصبه ﵌ يُنزَّه عن مثل ذلك فيه إشارة إلى منع الشريف الحسني والحسيني من تزويج الأمة، لأنه يفضي إلى أن يكون ولده منها رقيقًا، ويَجِل منصب سيد الخلق ﵌ من أين يسترق أحد من ذريته؟
ولما تكلم ابن المُنَيِّر في "شرح البخاري" على الحديث المذكور في باب "من ملك من العرب رقيقًا" وفيه قوله ﵌: "اعتقها فانها من ولد اسماعيل".
قال: تملك العرب لا بد عندي فيه من تفصيل، ومن تخصيص الشرفاء من ولد فاطمة. فلو فرضنا أن حسنيًا أو حسينيًا تزوج أمَة، لاستبعدنا الخلاف في أن ولده منها لا يسترق.
دليله قوله ﵇: "أعتقها فإنها من ولد اسماعيل" فإذا كان كونها من ولد اسماعيل يقتضي الاستحباب، فكونها بالمثابة التي ذكرناها توجب الحُرمة حتمًا، والخلاف فيه صعب عسر.
قال: ومن خصائصه: أنه لم يكن يَمُر في طريق فيتبعه فيه أحَد إلا عرف أنه سلكه من طيبه، ذكره البخاري في "تاريخه الكبير" عن جابر.
قال اسحاق بن راهويه: كانت تلك رائحته بلا طيب، وقد عدَّ بعضهم ذلك في خصائصه، انتهى.
وفي "تذكرة" الشيخ بدر الدين بن الصاحب ما نصه: كانت همم الأنبياء متوجهة إلى طلب رجل يقص عليهم أخبار الأولين والآخرين، فجاء النبي ﵌ عن تلك الهمم كلها، فقصَّ القَصَص، وملأ الوجود خيرًا.
وقال ابن السبكي في "التوشيح": سمعت الوالد يقول وقد سئل عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي ﵌ في صغره حين شُق فؤاده، وقول الملك: هذا حظ الشيطان منك:
إن تلك العلقة خلقها الله في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلب النبي ﵌، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه شيئًا، قال هذا معنى الحديث. ولم يكن للشيطان فيه حظ قط، وإنما الذي نقاه الملك أمر هو في الجبلات البشرية فأزيل القابل الذي لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب.
قلت له: فَلِمَ خلق الله هذا القابل في هذه الذات الشريفة، وكان يمكن أن لا يخلقه الله فيها؟
فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخَلْقه تكملة للخلق الإنساني لابد منه، ونَزعه كرامة ربانية طرأت بعده.
وقد رأى الأخُ الوالدَ بعد موته، وعليه أنوار، ووقع في نفسه أنه ببركة هذا البحث.
وقال السبكي في "الطبقات": لم يثبت عندي أن وليًا أحيى له ميتًا أزمانًا كثيرة بعدما صار عظمًا رميمًا، ثم عاش بعده يحيى زمانًا كثيرًا، فهذا القدر لم يبلغنا، ولا أعتقد أنه وقع لأحد من الأولياء، ولا شك في مثل وقوعه للأنبياء ﵈، فمثل هذا يكون معجزة ولا تنتهي إليه الكرامة.
صورة ما جاء بآخر النسخة
هذه النسخة المباركة بحمد الله تعالى وعونه من نسخة نقلت من نسخة نقلت عن نسخة سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العالم العامل الجمالي يوسف الشريف تلميذ سيدنا ومولانا شيخ الإسلام الجلال السيوطي، مؤلف هذا الكتاب وهي نسخة معتمدة مكتوبة أعني نسخة السيد الشريف من نسخة المؤلف التي ألحقها الزيادة بعد أن انتشرت النسخ التي تعتبر زيادة. انتهى. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٣٣ ]
وكان التمام بتاريخ أوائل شهر شعبان المعظم من شهور سنة تسع بعد الألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه أحمد الغزي الشافعي.
وصل اللهم على جميع الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[ ٢٣٤ ]