يساعدنا هذا الأسلوب على شحذ الأذهان وتشويق النفوس لمعرفة المسألة المطلوبة وإثارة عنصر التحدي والترقب لدى المتعلم. وقد أصبحت طريقة الحوار والمناقشة وإثارة الأسئلة من أهم طرق التدريس الحديثة، بكونها تثير الاهتمام، وتدعو إلى التفكير اللذين يعدان من أهم خطوات التعلم. وقد وضعت طرق التدريس الحديثة قواعد لتحقيق فاعلية هذه الطريقة، منها أن يكون السؤال للجميع، وأن تتاح لهم فرصة التفكير قبل الإجابة، وغير ذلك من القواعد التي تَضْمَنُ فاعلية هذه الطريقة (١) .
وقد استخدم الرسول ﷺ هذا الأسلوب مرات كثيرة إما من خلال طرح السؤال ليجيب عنه المتعلمون، إن استطاعوا، أو ينتظروا ليسمعوا الإجابة منه ﷺ.
ومما يؤكد ذلك أن الإمام البخاري ﵀ خصص بابًا في صحيحه تحت عنوان " باب طرح الإمام المسألة ليختبر ما عندهم من العلم "، وأخرج فيه حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مَثَلُ المسلم، حَدِّثوني ما هي؟! " فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة.
قال عبد الله: فاستحييت.
فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها.
فقال رسول الله ﷺ: "هي النخلة".
_________________
(١) التربية العملية وأسس طرق التدريس، ص٢٩.
[ ٣٦ ]
قال عبد الله: فحدَّثت أبي بما وقع في نفسي.
فقال: لأن تكون قلتها أحب إليّ من أن يكون لي كذا وكذا (١) .
قال ابن حجر العسقلاني ﵀: (فيه – أي حديث السؤال عن النخلة – وسيأتي بعده في الأمثلة التحريض على الفهم في العلم، وينبغي للمُلغَز له أن يتفطَّن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، كما ينبغي للملغِز ألا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للمُلغَز بابًا يدخل منه، بل كلما قرَّبه كان أوقع في نفس سامعه (٢) .
فعلى المعلم أن يستخدم طريقة رسول الله ﷺ في الحوار والمناقشة، فها هو ﵊ لم يُلْقِ على أصحابه ﵃ هذه الحقيقة إلقاء تقريريًا: أن المسلم مثل النخلة، أو أن المفلس يوم القيامة من يأتي بكذا وكذا، بل حاورهم وناقشهم وأراد أن يتوصل من خلال هذه المحاورة إلى استثارة دفائن ما عندهم وبلغتهم إلى ملاحظة ما حولهم ويشركهم معه في البحث.
وبهذا لا يصبح المتعلم مجرد جهاز تسجيل ينفعل ولا يفعل، ويتلقى ولا يفكر. بل هو كائن حي عاقل يبحث ويفكر ويحاور ويناقش ويخطئ ويصيب (٣) . أو يسأل ﷺ أصحابه عن بعض المعاني المعروفة فحينما يخبرونه بما يعرفون يأتي بمعنى آخر لهذه الألفاظ التي سألهم عنها (٤) . ومن ذلك ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما المفلس"؟ قالوا: المفلس فينا
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب العلم باب الحياء في العلم رقمه (١٣١)، جـ١ ص ٤٧ – ٤٨.
(٢) فتح الباري ١/١٤٦.
(٣) انظر: الرسول المعلم، ص١٥١.
(٤) المرجع السابق ص١٥١-١٥٢.
[ ٣٧ ]
من لا درهم له ولا متاع.
فقال: "إن المفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وَسَفَك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار" (١) .
ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينا أيوب يغتسل عريانًا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال بلى وعزتك ولكن لا غنى لي عن بركتك" (٢) .
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الظلم، رقمه (٢٥٨١)، جـ٤، ص ١٩٩٧.
(٢) صحيح البخاري – كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانًا وحده، وهو في الخلوة رقمه (٢٧٩) جـ١/٨٤.
[ ٣٨ ]