كان رسول الله ﷺ حريصًا على تعليم أصحابه وتوجيههم وإرشادهم حسب واقع الحال الذي يتطلبه الموقف، فمثلًا هذا رجل غريب جاء يسأل
[ ٥ ]
عن دينه فترك ﷺ خطبته ليعلمه ما سأل عنه، فقد روى الإمام مسلم عن أبي رفاعة ﵁ قال: "انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: قلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، ولا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليّ. فأُتي بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ. وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها" (١) .
قال الإمام النووي ﵀: "فيه تواضع النبي ﷺ ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم" (٢) .
وفي موضع آخر يصف صحابي جليل اهتمام رسول الله ﷺ بتعليم أصحابه ﵃ مشيرًا إلى رفقه وحسن تعليمه بقوله: "بأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه"، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله؛ فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليّ! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت. فلما صلى رسول الله ﷺ. فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ماكهرني، ولا ضربني ولا شتمني قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله ﷺ. قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالًا يأتون الكُهَّان؟
_________________
(١) صحيح مسلم – كتاب الجمعة، باب" حديث التعليم في الخطبة، رقمه (٨٧٦) جـ٢/ ٥٩٧.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٦/١٦٥.
[ ٦ ]
قال: "فلا تأتهم". قلت: ومنا رجال يتطيرون قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم" (١) .
قال النووي – ﵀ -: "فيه بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم، وفيه من التخلق بخلقه ﷺ في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف، وتقريب الصواب إلى فهمه" (٢) .
ونلحظ أثر الرفق واللين في معاملة رسول الله ﷺ لمعاوية ﵁، إذ بدأ يستفسر عن الأمور التي كانت شائعة في الجاهلية كي يتجنبها إن كانت محرمة – لئلا تظهر منه فينكر عليه (٣) . فالمعلم شفيق على طلابه حريص على تعليمهم وتقريب المعاني إلى أفهامهم مقتديًا بفعل رسول الله ﷺ.
وهذا رجل يدخل المسجد ويتبول فيه، من دون مراعاة لحرمة المكان ووجود الناس فيتركه رسول الله ﷺ حتى ينتهي، ثم يدعوه إليه ليعلمه أن للمسجد حرمة وأنه للصلاة والذكر والتسبيح. فعن أنس ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: "مه مه" (٤) قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزرموه (٥)،دعوه (٦) " فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله ﷺ - دعاه
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة – باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة رقمه (٥٣٧) جـ ١/ ٣٨١. وقوله: «ما كهرني»، أي: ما نهرني.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٥/٢٨.
(٣) انظر: من صفات الداعية اللين والرفق، ص ٣٤.
(٤) «مه مه» هي كلمة زجر، انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٣/١٩٣.
(٥) (لا تزرموه) لا تقطعوا عليه بوله، المرجع السابق، ٣/١٩٢.
(٦) (دعوه) اتركوه.
[ ٧ ]
فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة، وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ. قال: "فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه (١) عليه".
قال الإمام النووي ﵀: "وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا (٢) .فالرسول ﷺ لم يترك الأعرابي يبول في المسجد إلا لما خشي من ظهور منكر أعظم من منعه مِن البول" (٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "إنما تركوه يبول في المسجد لأنه كان شرع في المفسدة، فلو منع لزادت، إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين: إما أن يقطعه فيتضرر، وإما ألا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد" (٤)
فالمعلم التربوي يقرن تعليمه بالرفق واللين، فيكون له أعظم الأثر في قلوب طلابه. وهكذا كان لمعاملة رسول الله ﷺ للأعرابي بالرفق أعظم الأثر في نفسه، ونلاحظ ذلك في قول الأعرابي بعد أن فقه "بأبي وأمي" فلم يؤنب ولم يسب.
ومن اهتمامه ﷺ بتعليم الرجال دعوته المستمرة إلى الاهتمام بالفرد، واغتنام أحسن المناسبات لتوعيته وتوجيهه، ومن ذلك قصة الرجل الذي جاء
_________________
(١) (فشنه) فصبه، صحيح مسلم بشرح النووي، ٣/١٩٣.
(٢) صحيح مسلم، باب كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها، رقمه (٢٨٥) جـ١/٢٣٧.
(٣) انظر: مراعاة أحوال المخاطبين، ص٩٧.
(٤) انظر: فتح الباري، ١/ ٣٢٣.
[ ٨ ]
يسأل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة "فعن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵄ عن النبي ﷺ أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة. فقال له: صَلِّ معنا هذين – يعني اليومين". فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذن. ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره، فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها.
ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟
فقال الرجل: أنا يا رسول الله..
قال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم" (١) .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "فيه بيان أن للصلاة وقت فضيلة ووقت اختيار، وفيه أن وقت المغرب ممتد، وفيه البيان بالفعل، فإنه أبلغ في الإيضاح، والفعل تعم فائدته السائل وغيره" (٢) .
فعلى المعلم أن يقتدي بفعل رسول الله ﷺ أثناء تعليمه لطلابه، فيقرن العلم بالعمل؛ لتثبيت المعلومات في أذهانهم، وحصر الفكرة في مدلول واقعي يدركه المتعلم ويفهمه.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب أوقات الصلوات الخمس رقمه (٦١٣)،ج١/٤٢٨.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٥/١٥٩-١٦٠.
[ ٩ ]