المسألة الثانية: موضوعات التعليم في سيرة المصطفى ﷺ
بينت في المسألة السابقة اهتمام الرسول ﷺ بالتعليم. وهنا أتحدث عن الموضوعات التى كان يوليها الرسول ﷺ اهتمامًا بارزًا في تعليمه للناس والتي يمكن الحديث عنها في الفقرات التالية:
أولًا: العقيدة:
إن الإيمان بالله ﷾ وطاعته وابتغاء مرضاته هو الهدف من خلق الإنسان. وفي حديث جبريل الطويل عندما أرسله الله ﷾ ليعلم نبيه ﷺ الأولويات في التعليم بدأ بالعقيدة ثم العبادات ثم المعاملات، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال:" كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر.." قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم
[ ١٧ ]
الصلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه، فإنه يراك". قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، لكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأَمَةُ ربها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] .
قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ: "ردوا عليّ الرجل" فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: "هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم" (١) .
فالإيمان فَسَّره النبي ﷺ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة، فقال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٢) .
ورسول الله ﷺ سلك هذا المنهج في تعليمه للبشرية فبدأ بالعقيدة وقَدَّمها على سائر الموضوعات الأخرى، فتناول أصول الإيمان بالله تعالى وملائكته
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان رقمه (٥٠) جـ١ ص٢٢. انظر صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقمه (٩) جـ١ ص ٣٩ واللفظ له.
(٢) إيقاظ الهمم المنتقى من جامع العلوم والحكم ص ٥٧.
[ ١٨ ]
وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنة ونار، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين، حتى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنية ويغرس فيها عقيدة الإسلام (١) .
ومن أمثلة ذلك:
ما ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (٢) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بها؛ لأنها أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان مُوَحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة" (٣) .
كما أن من أقر بالشهادتين، واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة والجنة (٤) ومن ذلك ما وَرَدَ في حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوانيَّة (٥)،
_________________
(١) تاريخ التشريع الإسلامي، ص٥٢.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا رقمه (١٤٩٦) جـ٢ /١٦٥.
(٣) فتح الباري جـ٣/ ٣٥٨.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٥/٣٥.
(٥) الجوانية: الجوانية بقرب أحد. موضع في شمال المدينة.
[ ١٩ ]
فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسَفُ كما يأسفون (١)، لكني صككتها (٢) صكةً، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيته بها. فقال لها "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال "من أنا؟ " قالت:" أنت رسول الله " قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٣) .
قال النووي رحمه الله تعالى قال: "كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده؟ " (٤) .
فعلى المعلم الابتداء في تعليم طلابه العقيدة الإسلامية الصحيحة مقتديًا في ذلك برسول الله ﷺ وغرس مفهومها الصحيح في نفوس طلابه، فيربطهم بالخالق ﷿، حتى يتوجهوا إليه في سائر عباداتهم ودعائهم، ويعلموا يقينًا أنه تعالى هو الرازق الناصر القادر على كل شيء، كما عليه أن يحثهم على أن من حصل له مكروه فعليه التوجه إلى الله تعالى بالدعاء، فإنه سميع مجيب، وليتوكلوا عليه في سائر أمورهم (٥) .
_________________
(١) آسف كما يأسفون: أي أغضب كما يغضبون.
(٢) (صككتها صكة) أي ضربتها بيدي مبسوطة.
(٣) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، رقمه (٥٣٧)، جـ١ ص٣٨١.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٥/٣٣.
(٥) انظر: «آداب المتعلمين» ص ٣٣.
[ ٢٠ ]